ثقافة وفنون

الاستراتيجيات المستخدمة في إعادة سياق الخطاب الإعلامي السياسي

تعد الترجمة عنصرا مهما في عملية تشكيل الخطاب الإعلامي السياسي لدى وكالات الأنباء، فهي ليست مجرد نقل للألفاظ من لغة إلى أخرى، و إنما هي جزء من ممارسات مرتبطة ببعضها و تنصب كلها في إطار ما يسمى “إعادة سياق النص”. ذلك أن الترجمة الإعلامية – و خاصة ترجمة الأخبار أو الخطاب الإعلامي السياسي- تقتضي القيام بعمليتين في آن واحد و هما نقل أو ترجمة الخطاب، و تحريره أو إعادة صياغته في قالب إعلامي مناسب، و هو ماأسمته ستيتنج “تحرير الترجمة”. و تخضع الترجمة الإعلامية أيضا لعدة عوامل مرتبطة إما بوكالة الأنباء نفسها، كالتوجه السياسي و الإيديولوجيا، أو تتعلق بثقافة الجمهور المستهدف من خلال الترجمة . و سنحاول من خلال هذا البحث دراسة التقنيات المستخدمة أثناء ترجمة الخطاب الإعلامي السياسي، و العوامل المؤثرة في عملية الترجمة، و ذلك عن طريق شرح مصطلح إعادة السياق- و هو مصطلح مأخوذ من علم التحليل النقدي للخطاب- كما ورد عند كريستينا شافنر و سوزان باسنيت في كتابهما “الخطاب السياسي و الإعلام و الترجمة، ثم تطبيقه على مدونة تتمثل في مجموعة نماذج مأخوذة من مقالات سياسية منشورة على الموقع الإلكتروني لوكالة “رويترز” للأنباء، و ذلك لتحديد الاستراتيجيات المستخدمة في ترجمة هذه النصوص و محاولة تفسير سبب لجوء المترجم لها.

سنحاول من خلال هذا البحث دراسة ترجمة الخطاب الإعلامي السياسي بوصفها “إعادة لسياق النص” الأصلي، كما ورد في كتاب “الخطاب السياسي و الإعلام و الترجمة” أو”Political Discourse, Media and Taranslationلمؤلفتيه “كريستينا شافنر[1] و “سوزان باسنيت[2]“، و تحديد الاستراتيجيات التي يستخدمها المترجم لإعادة بناء الخطاب سياقيا من خلال ترجمته من اللغة الإنجليزية إلى اللغة العربية.

إن العصر الذي نعيشه الآن و الذي اجتاحته العولمة، يشهد تداولا كبيرا للأخبار بمختلف أنواعها و مصادرها و أماكن حدوثها،  يتم نشرها بلغتها الأصلية أو بلغات أخرى متعددة عبر وكالات الأنباء خاصة، أو من خلال نشرات الأخبار التي تبث في القنوات العالمية و المحلية. و بما أن وكالات الأنباء، و هي أهم مصدر للأخبار في العالم، تورد الأحداث غالبا باللغة الإنجليزية و أحيانا باللغة الفرنسية، فإن الترجمة تفرض وجودها كعنصر أساسي في عملية صناعة الخبر. و بالرغم من أن الترجمة الإعلامية لم تحظى بالاهتمام الكافي في دراسات الترجمة، لأن الباحثين في هذا المجال يعتبرون أنها تتم على يد الصحفيين و ليس مترجمين محترفين، إلا أن بعضهم حاول سبر أغوار الترجمة الإعلامية و تحديد مختلف الممارسات التي تتم أثناء ترجمة الخطاب الإعلامي و العوامل المؤثرة فيها، بغض النظر عن كونها عملية معقدة و تختلف عن أنواع الترجمات الأخرى. و قد شهدت السنوات الأخيرة تزايدا للأبحاث حول ترجمة الأخبار، على غرار ما توصلت إليه باسنيت بخصوص ترجمة الأخبار لدى وكالات الأنباء من خلال كتاب “Translation in Global News” و الذي يضم خلاصة ما توصلت إليه دراستها بالشراكة مع بييلسا[3] حول الترجمة لدى وكالات الأنباء و أيضا اشتراكها مع شافنر في تأليف الكتاب المذكور آنفا، و الذي ركزت فيه الباحثتان على الأخبار السياسية خصوصا.

و قد أشارت الباحثتان في هذا الكتاب إلى وجود علاقة وطيدة بين الإعلام و السياسة و الترجمة، لأن هذه الأخيرة لا يمكن أن تتم بشكل حيادي تماما لأنها تتأثر بسياسات الوسيلة الإعلامية و السلطة السياسية للبلد الذي تتواجد فيه و أيضا بشخصية المترجم نفسه، و هما تعتبران الترجمة الإعلامية عموما و ترجمة الخطاب الإعلامي السياسي خصوصا شكلا من أشكال “إعادة سياق النص”. و قد اعتمدت الباحثتان لفهم و تحليل الممارسات التي تتم أثناء ترجمة الخطاب الإعلامي السياسي على مصطلح إعادة السياق أو “Recontextualization” و هو أحد المفاهيم التي تنتمي إلى ميدان التحليل النقدي للخطاب[4]. و هذا الأخير اعتمده بعض الباحثين كإطار نظري لمحاولة  فهم  ممارسات الترجمة و التطورات الأخيرة  في هذا المجال و التنظير لها، خاصة و أن الترجمة ممارسة تتداخل فيها عدة جوانب  منها اللسانية و السياسية و الثقافية و السوسيولوجية. و لفهم الظواهر الترجمية، ينبغي الإحاطة بهذه الجوانب و السياقات المختلفة التي تشكل الخطاب الذي نحن بصدد ترجمته، و التي ستؤثر على عملية الترجمة بشكل أو بآخر. إن تحليل الخطاب النقدي يهتم بالظواهر المرتبطة بإعادة سياق الخطاب في اللغة الواحدة و في نفس السياق الثقافي و الاجتماعي، من خلال دراسة أساليب استخدام اللغة لإنشاء نص يخدم أغراضا إيديولوجية أو سياسية. أما في دراسات الترجمة، تتم دراسة هاته الأساليب في النص الأصلي و النص المترجم أيضا، بغية تحديد الاختلافات الموجودة بينهما و تفسيرها و تحديد أسباب وجودها.

مفهوم إعادة السياق:

تتضمن عملية إعادة سياق النص حسب شافنر و باسنيت عملية تحول، أي إضافة و حذف عناصر معينة و استبدال عناصر بأخرى ليتلاءم النص مع سياقه الجديد، و هي عملية في غاية التعقيد خاصة إذا تعلق الأمر بالترجمة، حيث يتم نقل المعلومة من لغة إلى أخرى ثم تحرر و تعاد كتابتها و تشكيلها في سياق اجتماعي و ثقافي جديد، إلى درجة يصعب معها التمييز بين النص الأصلي و المترجم. كما أن هذا التحول لا يتم بطريقة آلية، بل هو مرتبط بأهداف و قيم المشتركين في صياغة النص، و بالتالي، فإن إعادة السياق تنتج نصا نهائيا متأثرا بإيديولوجيات و سياسة المؤسسات المعنية به.

و تجدر الإشارة إلى وجود مصطلح آخر في دراسات الترجمة يستخدم للتعبير عن إعادة صياغة النص من خلال الترجمة، و هو مصطلح “تحرير الترجمة” أو”Transediting  ” و الذي استخدمته ستيتنج لمجابهة المنطقة الرمادية بين الترجمة و التحرير، كون هذا الأخير يعتبر جزءا من عملية الترجمة نظرا للتغييرات التي تحدث على النص الأصلي، كما أنها تتم لثلاثة أسباب رئيسية و هي:  أقـلمة النص كي يصل لمستوى كفاءة التعبير وهو ما أسمته ستيتنج “تحرير الترجمة التنظيفي،” وثانيا أقـلمة النص لأداء وظيفة مقصودة في سياق اجتماعي جديد وهو ما أسمته ” تحرير الترجمة الظرفي”، وثالثا أقـلمة النص لتلبية احتياجات وتقاليد الثقافة المستهدفة وهو ما أسمته “تحرير الترجمة الثقافي.

و تشترك دراسات الترجمة مع علم التحليل النقدي للخطاب في وجهة النظر القائلة بأن العناصر النصية أو الخطابية يجب أن تعزى إلى السياق الاجتماعي-السياسي و الإيديولوجي الذي يتم فيه إنتاج و استقبال النص. فالمترجم ينتج نصوصا ذات أهداف معينة و موجهة لجمهور محدد، و يستخدم الترجمة  إلى اللغة الهدف لتؤدي غرضا اتصاليا يختلف عن النص الأصل، يرتبط مباشرة  بالأهداف السياسية للأطراف التي يترجم لها أو التي تستخدم الترجمة. و هذا ما يجعل المترجم يقوم ببعض التغييرات على سياق النص الأصل و إعادة صياغته في سياق آخر بما يتوافق و الهدف المنشود من الترجمة، و يتضح لدينا أن المترجم يخضع لبعض العوامل التي تحدد بشكل أو بآخر التقنيات و الممارسات التي سيتبعها للقيام بالترجمة، كالإيديولوجيا[5] و السياسة التحريرية لوكالة الأنباء أو الوسيلة التي يترجم لها.

فالمترجم ينقل عبر النص الهدف التوجه الإيديولوجي و الفكر السياسي الذي تتبناه وكالة الأنباء أو الصحيفة، و التي بدورها تخضع لسلطة سياسية أو اقتصادية تنشد التأثير على الرأي العام و توجيهه بما يخدم مصالحها سياسيا و اقتصاديا و عسكريا و فكريا. و يتجلى هذا بوضوح خلال الحروب و الأزمات، و الأمثلة حول ذلك كثيرة، بدءا بالحرب الباردة و حرب الخليج و القضية الفلسطينية و مرورا بحرب العراق و ما يحدث الآن في سوريا و الشرق الأوسط عموما. كما أن أحداث ما يسمى بالربيع العربي ساهمت في اندلاع شرارتها وسائل الإعلام بمختلف أنواعها، و ساعد على ذلك الانتشار الواسع لشبكة الأنترنت و اتباع سياسة البروباغاندا التي تعتمد على نشر الفيديوهات و المقالات التحريضية و المدونات التي تكتب و تترجم بلغات كثيرة، و هي سياسة تتبعها أيضا الجماعات الإرهابية للترويج لأفكارها في أوساط الشباب خاصة و تجنيدهم للانضمام إلى صفوفهاسواء عبر القنوات التلفزيونية أو المواقع الإلكترونية.

و بالتالي، يمكن القول ان إعادة السياق تشمل مختلف التغييرات التي تحدث على مستوى النص الأصلي-أو المصدر- من انتقاء للمعلومات و إضافة و حذف و إعادة صياغة، من أجل تحرير نص جديد، سواء كان ذلك بنفس لغة النص المصدر أم بلغة أخرى، مراعاة للسياق اللغوي و الثقافي و السياسي و الاجتماعي للجمهور المستقبل، أو خدمة لأهداف إيديولوجية و سياسية. و هذه التغييرات التي تطرأ على محتوى النص المصدر و بنيته تتم إما من دون أية نية مبيتة من المترجم، بل تفرضها طبيعة اللغة الهدف و ثقافة الجمهور المستقبل، إضافة إلى عاملي الوقت و المساحة اللذان يفرضان على المترجم أحيانا اختصار المعلومات و اعتماد الجزء الأهم منها لتحرير النص في آجاله المحددة و بما يناسب الحيز الزمني أو المساحة المخصصة لنشر الخبر في الصحف أو عبر الشاشة، أو أنها تتم لحاجة في نفس وكالة الأنباء أو الوسيلة الإعلامية، قد تمليها عليها السلطة السياسية التي تخضع لها أو سياستها التحريرية، كما أن سعيها للربح و التموقع  بين أهم مصدر الأخبار في العالم يجعلها تتبنى وسائل شتى لجذب  أكبر عدد ممكن من القراء و المتفرجين.

استراتيجيات إعادة سياق الخطاب الإعلامي السياسي:

و يعتمد المترجم الإعلامي لإعادة سياق الخطاب على استراتيجيات و تقنيات مختلفة، و ذلك حسب ما يقتضيه السياق أو الهدف من النص المترجم. فقد يلجأ أحيانا إلى استراتيجية “الحذف”، فيقوم بحذف بعض الكلمات أو الجمل و أحيانا فقرة كاملة من النص المصدر إذا ما كانت المعلومات التي تحتويها غير ضرورية أو مكررة أو كانت معروفة لدى الجمهور المستهدف أو غير مهمة بالنسبة له. و على النقيض من ذلك ، قد يقوم المترجم “بإضافة” بعض المعلومات المتعلقة بموضوع الخبر، في حالة جهل الجمهور لخلفياته، أو كانت له خصوصيات ثقافية لا يكون الجمهور المستقبل مطلعا عليها بالضرورة. كما قد يقوم المترجم بإعادة ترتيب عناصر الخبر من خلال “التقديم و التأخير” ليتناسب النص المترجم مع أسلوب و ثقافة اللغة الهدف، أو للتركيز على بعض التفاصيل دون غيرها تبعا لأهميتها بالنسبة للجمهور المستهدف. و يستخدم المترجم أيضا استراتيجية “التكييف”، أي أن يستبدل مفردة أو مصطلحا موجودا في النص المصدر بمفردة أو مصطلح آخر في النص المترجم يكون مناسبا لثقافة الجمهور المستقبل و لا يتعارض مع انتماءاته و توجهاته السياسية، خاصة ما ارتبط منها بالأزمات و الحروب و القضايا القومية، كما هو الحال مثلا مع المقالات المتعلقة بالقضية الفلسطينية التي توجه للقارئ أو المشاهد العربي، فيستخدم لفظ “القدس” بدل “أورشليم” كمقابل لكلمة “Jerusalem” بالإنجليزية.

تحليل النماذج:

سنقوم في الجزء التطبيقي من هذا البحث بتحري مواضع إعادة السياق، و سنركز تحليلنا على الاستراتيجيات التي سبق ذكرها، و انتقينا الأمثلة التي سنقوم بتحليلها من مقالتين نشرتا على الموقع الإلكتروني لوكالة رويترز للأنباء[6] بنسختيه الإنجليزية و العربية ، و هما مقالتان إخباريتان سياسيتان تتعلقان أساسا بقضايا الشرق الأوسط و خاصة قضية الساعة و هي الحرب في سوريا. و سنقوم فيما يلي بتحديد استراتيجيات إعادة السياق و نحاول تفسيرها من خلال مقارنة النسخة الإنجليزية بنظيرتها العربية.

النموذج الأول:

مأخوذ من مقال نشر يوم 26 مارس 2018، و كان عنوانه باللغة الإنجليزية كالتالي:

Last Syrian rebels in Ghouta negotiate as others bussed away

أما النسخة العربية، فعنوانها هو: آخر جماعة من المعارضة السورية في الغوطة تتفاوض لوقف حملة الجيش

أول ما يمكن ملاحظته عند مقارنة العنوانين هو أن  “ Syrian rebels” تقابلها في اللغة العربية “جماعة من المعارضة السورية” ، أي أن المعنى الأصلي تم تكييفه بما يناسبه في ثقافة الجمهور المستقبل من خلال استبدال “rebels ” بالمعارضة، و هو بالتالي يمثل الفكرة السائدة لدى أغلب القراء و المشاهدين في العالم العربي و خاصة في الشرق الأوسط، فهم يعتبرون المقاتلين في سوريا معارضين للنظام و ليسوا متمردين، و هناك من يساندهم و يتبنى إيديولوجيتهم و توجههم السياسي و يضفي الشرعية على قتالهم، لأنهم بالنسبة له مقاومون ضد ظلم نظام بشار الأسد و حليفه بوتين.

الملاحظة الثانية التي نشير إليها بخصوص العنوان دائما، هي حذف جزء من العنوان الإنجليزي  و هو “ as others bussed away” ، فصاحب المقال قد افترض على ما يبدو أن القارئ على علم مسبق بعمليات ترحيل المدنيين و المسلحين من الغوطة الشرقية عبر الحافلات، و هو ما تطرقت له وسائل الإعلام على مدى الأيام الأخيرة في نشراتها الإخبارية و مقالاتها الصحفية، فلا داعي للتطرق إلى هذه المعلومة مجددا.كما أن الصورة المرفقة بالمقال تظهر حافلات خصصت لترحيل المقاتلين و عناصر من الجيش السوري تقف أمامها، مع تعليق أسفل الصورة يوضح محتواها. بيد أنه أضاف تفصيلا لم يكن موجودا في العنوان الإنجليزي و هو “ لوقف حملة الجيش”، و هذه الإضافة  في العنوان العربي جاءت لتوضيح سبب المفاوضات الذي كان مبهما في العنوان الأصلي، و هو ما يهم فعلا القارئ العربي، كما أن بنية العنوان بهذا الشكل تتناسب أكثر مع طبيعة و أسلوب اللغة العربية.

النموذج الثاني:

The last rebel group fighting in Syria’s eastern Ghouta said on Monday it was still trying to negotiate an end to the army’s assault, dismissing a Russian report that it was ready to leave the stronghold near Damascus.”

“قالت جماعة جيش الإسلام،آخر جماعة من مسلحي المعارضة السورية في الغوطة الشرقية، يوم الاثنين إنها لا تزال تسعى للتفاوض من أجل وقف حملة الجيش نافية تقريرا روسيا أشار لاستعداد الجماعة لمغادرة المعقل الواقع قرب دمشق“.

النموذج الثاني أخذناه من مقدمة المقال السابق، حيث نجد في النسخة العربية تسمية “جماعة جيش الإسلام” و التي لم تذكر في النسخة الإنجليزية إلا لاحقا، وقد تعود هذه الإضافة لأهمية تحديد ماهية الجماعة التي يتكلم عنها المقال، نظرا لتداول عدة تسميات لجماعات مقاتلة في سوريا تختلف انتماءاتها و أهدافها، فمن الضروري إذن تحديد الجهة التي تنتمي إليها هذه الجماعة من خلال ذكر تسميتها.

النموذج الثالث:

The group’s fighters skirmished with the Syrian army on one front of the Douma pocket on Monday, said the Syrian Observatory for Human Rights, a Britain-based war monitoring group. The army fired shells into the town, it added.”

وقال المرصد السوري لحقوق الإنسان ومقره بريطانيا إن مسلحي جيش الإسلام اشتبكوا مع الجيش السوري على إحدى الجبهات في دوما يوم الاثنين. وأضاف أن الجيش أطلق قذائف داخل البلدة”.

أخذنا هذا النموذج من الفقرة الرابعة لنفس المقال (بالإنجليزية و بالعربية)، و نلاحظ هنا أنه تم تقديم عبارة “وقال المرصد السوري لحقوق الإنسان ومقره بريطانيا” فجاءت في بداية الفقرة، خلافا للنص الإنجليزي الذي أوردها بعد ذكر التصريح، و ذلك لإعطاء أهمية لمصدر هذه الأقوال، أي المرصد السوري لحقوق الإنسان، و هي هيئة موالية للمعارضة. و بما أن القارئ العربي متعاطف في غالبيته -كما سبق قوله – مع المعارضة و لا يثق بما يبثه النظام، فإن إدراكه أن التصريح صادر عن المرصد السوري لا يجعله يشك في مصداقية ما سيقرأه تاليا، و سيشد انتباهه لمعرفة ما تم قوله.

تجدر الإشارة أيضا إلى أنه تم حذف “war monitoring group” في الفقرة العربية، لأن دور هذه الهيئة أضحى معروفا لدى القارئ العربي و لا حاجة لذكره من جديد، عكس القارئ باللغة الإنجليزية، و الذي قد يخفى عليه ذلك نظرا لعدم ارتباطه المباشر بالموضوع.

النموذج الرابع:

نواصل مع مقال آخر نشر يوم 28 مارس 2018، وكان عنوانه بالإنجليزية كما يلي:

Saudi Arabia must face U.S. lawsuits over Sept. 11 attacks”

أما باللغة العربية، فقد كان العنوان مختلفا تماما، و جاء كالتالي:

“قاض أمريكي يرفض إسقاط دعاوى تتهم السعودية بدعم هجمات 11 سبتمبر”

ما يمكن قوله بخصوص هذا التباين الكبير في العنوانين هو اختلاف زاوية النظر للموضوع بين النسختين الإنجليزية و العربية و تكييفها حسب طبيعة الجمهور المستقبل. فالمقال الإنجليزي ينظر للموضوع من وجهة نظر الشعب الأمريكي و الرأي العام الغربي، خاصة أولئك المتضررون من هجمات 11 سبتمبر، واللذين يسعون للحصول على التعويض من السعودية كونها-حسبهم- كانت طرفا في الهجمات بشكل أو بآخر. و بالتالي، يجب التركيز في عنوان المقال على ضرورة مواجهة السعودية لدعاوى قضائية أمريكية بسبب هذه الأحداث، و كأنها مسؤولة عنها بشكل مباشر. أما بالنسبة للمقال العربي، فهو بطبيعة الحال ينظر للموضوع من وجهة نظر الشعوب العربية، فركز على رفض القاضي إسقاط الدعاوى ضد السعودية و التي “تتهمها” بدعم الهجمات، دون أي تلميح حول ما إذا كانت لها فعلا علاقة بهذه الأحداث.

النموذج الخامس:

The Saudi government has long denied involvement in the attacks in which hijacked airplanes crashed into New York’s World Trade Center, the Pentagon outside Washington, D.C., and a Pennsylvania field. Nearly 3,000 people died.”

“ونفت الحكومة السعودية الضلوع في الهجمات التي أسفرت عن مقتل قرابة 3000 شخص.

من الواضح أن الفقرة العربية، و التي أخذناها من نفس المقال، اختصرت ما جاء في الفقرة الإنجليزية، و تم حذف بعض التفاصيل المرتبطة بالهجمات والتي لا تبدو مهمة و ضرورية  ليتم تذكير القارئ العربي بها. و تم التركيز على نفي الحكومة السعودية أي علاقة لها بأحداث 11 سبتمبر، و هي أهم معلومة على القارئ معرفتها. و هذا يظهر جليا اختلاف طريقة النظر للأحداث و تناولها بين النسخة الإنجليزية الموجهة للجمهور الغربي خاصة، و بين النسخة العربية التي تراعي خصوصيات و ثقافة الجمهور العربي، و أيضا، فيما يخص هذا المقال تحديدا، تفادي إثارة حساسية الحكومة السعودية تجاه المقال إذا ما لمح هذا الأخير لأي علاقة لها بالهجمات أو ربط اسم المملكة بأية تفاصيل تخصها.

خاتمة:

لقد رأينا من خلال هذا البحث أن ترجمة الخطاب الإعلامي السياسي غالبا ما تتضمن إعادة سياق النص المصدر ليتلاءم و طبيعة اللغة و الجمهور المستهدف باستخدام استراتيجيات مختلفة كما بدا لنا في الجزء التطبيقي. كما أن التوجهات السياسية و الإيديولوجية لها أثر واضح على الممارسات التي تتم أثناء صياغة هذا النوع من المقالات، و التي غالبا ما تكون على يد محررين أو صحفيين و ليس بالضرورة أن يكونوا مترجمين محترفين، و هذا ما يتجلى من خلال نصوص المدونة التي قمنا بتحليل بعض النماذج منها، فلم نجد أي تلميح أو أثر يدل على عملية الترجمة بمعناها الحرفي، بل يتم ذكر أسماء الصحفيين أو الإشارة بعبارة “طاقم رويترز” أو “صحفيي رويترز”، و ذلك ما يعطي ترجمة الأخبار السياسية خصوصية لا نجدها في تخصصات الترجمة الأخرى، و يفتح المجال للقيام ببحث متعمق حول ما يحدث فعليا في غرف صناعة الأخبار و دور الترجمة الفعلي في هذا الميدان.

قائمة المصادر و المراجع:

المراجع العربية:

  • هند بنت سعد الراشد، 2013، دور الترجمة في تصوير الخطاب الإعلامي في نشرات الأخبار العالمية، المؤتمر الدولي الثاني للغة العربية، دبي.

English References :

  • S & Schäffner. C. 2010. Political Discours, Media and Translation. Newcastle. Cambridge Scholars Publishing.
  • E & Bassnett. S. 2009, Translation in Global News. London. Routledge.
  • J. 2012. The Role of Translation in the Production of International Print News.Three Case Studies in the Language Direction Spanish to English. New Zealand. University of Auckland.
  • P & Sidiropoulou. M. Political Routines in
    Press Translation. Meta 574 (2012): 1013–1028. DOI :
    10.7202/1021230ar
  • Schäffner. C. 2010. Rethinking Transediting. Meta 574(2012) :866-883.DOI :10.7202/1021222ar

مراجع الانترنت:

[1] Christina Schäffner is Professor Emeritus at Aston University, Birmingham. Until her retirement in September 2015 she was the Head of Translation Studies at Aston’s School of Languages and Social Sciences. She taught courses on translation theory, text analysis for translation, the translation profession, and interpreting, on both undergraduate and postgraduate programmes. Her main research interests are political discourse in translation, news translation, metaphor and translation, and translation didactics, and she has published widely on these topics..

[2] Susan Bassnett is Professor of Comparative Literature at the University of Warwick and has just been appointed Special Adviser in Translation Studies for a 3 year period attached to the School of Modern Languages and Cultures. Her current research is on translation and memory. She is an elected Fellow of the Institute of Linguists, elected Fellow of the Royal Society of Literature and a Fellow of the Academia Europaea. She is also known for her journalism, translations and poetry.

[3] Esperança Bielsa is Lecturer at the Department of Sociology at the University of Leicester. She is the author of The Latin American Urban Crónica: Between Literature and Mass Culture (2006) and co-editor of Globalization, Political Violence and Translation (2008).

[4]  هو أحد المنهجيات المتقدمة في دراسة الخطاب والتي تتعامل مع اللغة كأحد أشكال الممارسات الاجتماعية وتدرس كيف يساهم النص والكلام على خلق السلطة الاجتماعية والسياسية .وقد أصبح التحليل النقدي للخطاب من المناهج المتبعة للتحليل في العلوم الاجتماعية والإنسانية منذ أن كتب نورمان فيركلاف كتابه اللغة والسلطة عام 1989م.  و لا تعد هذه المنهجية متجانسة ولا موحدة ولا تحصر نفسها في طريقة أو أسلوب معين, ولكن الافتراض التي يتشارك به جميع المهتمين بالتحليل النقدي للخطاب هو أن اللغة والسلطة مرتبطان مع بعضهما ارتباطاً كلياً.

 

[5] “Any constellation of fundamental or commonsensical, and ofen normative, beliefs and ideas related to some aspect(s) of (social) reality” (Verschuere, 1999,p.238).

هي النسق الكلي لـلأفكار و المعتقدات و الاتجاهات العامة الكامنة في أنماط سلوكية معينة. وهي تساعد على تفسير الأسس الأخلاقية للفعل الواقعي، وتعمل على توجيهه. وللنسق المقدرة على تبرير السلوك الشخصي، وإضفاء المشروعية على النظام القائم والدفاع عنه. فضلاً عن أن الأيديولوجيا أصبحت نسقاً قابلاً للتغير استجابة للتغيرات الراهنة والمتوقعة، سواء كانت على المستوى المحلي أو العالمي (موسوعة ويكيبيديا).

[6]  هي وكالة أنباء بريطانية متخصصة في جمع المعلومات للمحترفين في قطاع خدمات المال والإعلام والأسواق العالمية المختلفة. تأسست رويترز في آخر عام 1851 عن طريق رجل الأعمال الألماني بول جوليوس رويتر ، وقد تخصصت في البداية بالأخبار المالية، ثم توسعت في عام 1858 لتغطي الأخبار العامة كذلك. يقع مقرها الرئيسي في لندن ، كما تبلغ عائداتها السنوية حوالي إثني عشر مليار دولار وذلك وفقا لإحصاء عام 2011 ، كما يبلغ عدد العاملين بها 55 ألف عامل متوزعين علي نحو 100 دولة حول العالم.

Amal Hioul

مترجمة و أستاذة لغة فرنسية و كاتبة محتوى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى