ثقافة وفنون

الخطابة.. فن الإلقاء السهل الممتنع

الخطابة هي فن مشافهة الجمهور، وهي التأثير في الوجدان بملامح أدائية ونبرات صوتية تجعل المستمع يتأثر بالخطاب ويتمتع به ويقتنع بفحواه.

ولا يتحقق ذلك إلا من خلال خطيب ملك نواصي الكلم، فاستطاع بموهبته أن يحرك الجمهور وينقل اليهم إحساسه فينفعلوا بانفعاله، حزناً بحزن، وفرحًا بفرح، وشكوًى بشكوى، وألمًا بألم.

الخطيب المفوه هو من كانت لديه القدرة أن يبكي الجمهور أو يضحكه، أو يملأه حماسًا أو غضبًا متى أراد، وذلك لن يكون إلا إذا انفعل الخطيب بخطبته وآمن برسالته، وخط الخطابة بأسلوبه وطريقته، لا أن تفرض عليه خطبة لم يسطرها أديب ولم ينقحها أريب.

الخطيب لا بد أن تكون له على الأقل خطبة في الشهر تمتع، وخطبتان في العام تدرسان من حلاوتهما، أما الرتابة فتميت الخطيب، ولا بد للخطيب أن يرتاح على الأقل خطبة في الشهر يسمع فيها غيره.

لا بد للخطيب أن يتعلم الملامح الأدائية في تعبيره من المقامات والنبرات والتلوين الأدائي والتغيير الأسلوبي الذي قد يفرضه موضوع الخطبة، لدينا أساطين في الخطابة ما أعظم إنشاءها، الشيخ كشك وهو الفذ الذي من قلده أمات نفسه لأنه لا يكرر.

الشيخ الشعراوي، ومن تعلم أسلوبه، فليلحظ أن أسلوبه لا ينفع إلا في الخطب الجوامع وفي المجامع كخطبة عرفة والأعياد، لدينا الشيخ أحمد عمر هاشم، وهو محيي القلوب إن ماتت ومميدها إن سكنت،
الشيخ محمد فؤاد شاكر نتعلم منه متى يسكت الخطيب ومتى يعلو بالأداء ومتى يهبط، وهو مدرسة أدائية هي بعد لم تتدرس.

لا بد للمبتدئ أن يتمثل خطيباً مفوهاً يقلده كأنه هو، ثم إذا ما استقام له الكلام وتمكن من الأداء، وعرف المنحى الخطابي الذي يستقيم ويتلائم مع فكره هو، فعليه أن يستقل عن غيره مكتفياً بنفسه.

أول شروط حسن الإلقاء في الخطابة هو سلامة تركيب الكلام نحوياً، فالخطيب إذا لم يحسن طرق العرب في بناء تراكيبها، مجته الأسماع ونفرت منه الطباع السليمة.

وليس مطلوباً من الخطيب أن يكون ملماً بعلم النحو كله، بل لا بد أن يعرف أبواب المبتدأ والخبر، والنواسخ، والصفة، والحال، وما يكثر جريانه في الخطبة.

ثم إذا ما استقام التركيب اللفظي، احتاج الخطيب إلى أسلوب الأديب الذي ينقل من خلاله كلماته نغمًا يعزف على أوتار القلوب، وبه يستطيع أن يزيد في محصوله اللغوي وينوع في أدائه.

فلا بد من الإطلاع والقراءة المتأنية في عيون الكتب الأدبية التي اشتملت على أعلى درجات البلاغة، وقبل ذلك فلا بد من حفظ القرآن الكريم وفهم السنة، فيفهم كيف تنوعت الأساليب القرآنية في المعنى الواحد بين الإرشاد والنصح، وبين الوعد والوعيد، وبين الترغيب والترهيب، وكيف تعددت القصة الواحدة، وتعددت أغراض ذكرها وأساليب عرضها.

ثم في الحديث تجد آية الإلقاء والروعة عمن أوتي جوامع الكلم صلى الله عليه وسلم، وكيف كان انتقاء ألفاظه وتراكيبه صلى الله عليه وسلم، مع التلوين في الأداء ما بين الشدة واللين، والغضب والرضا، فليس أسلوب الغضب مثل أسلوب الرضا، ومن الأدب النبوي نأخذ أسلوب الإلقاء، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب كأنما هو منذر جيش.

ثم على الخطيب وهو يقرأ للعلماء أن يراعي أنهم كانوا خطباء بلغاء، فالغزالي وابن القيم وابن الجوزي وغيرهم كانوا أساطير الخطابة والإلقاء في عصورهم، فإذا قرأت فخذ من الكتاب العلم والأدب، وانظر إلى تنوع أسلوب ابن القيم وما كان يختم به أبوابه ففي ذلك أداء وأسلوب أدبي.

ولا بد من قراءة كتب الأدب والشعر، فإنها ترقق الطبع وبها يستقيم اللسان، وفيها ينابيع الحكم، كديوان المتنبي والبوصيري والبارودي وشوقي، وإدمان القراءة لأمثال الإمام الجاحظ وعبد القاهر الجرجاني والمنفلوطي والرافعي وطه حسين والعقاد وغيرهم من سادات الكتاب.

ولا يجتهد الخطيب في حفظ أساليب الخطابة فإن ذلك يؤذيه ولا يصلحه، بل فقط يقرأ بإحساس الأديب، فعن قليل ستتخلل هذه المفردات والتراكيب والأساليب في لحمه ودمه كالغذاء فتجري على لسانه بلا استدعاء، والله أسأل أن يعيد إلينا متعة الأداء.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

سعيد عبدالخالق طه

عضو المركز الإسلامي المصري بدار السلام تنزانيا ليسانس اللغة العربية جامعة الأزهر عضو المركز الإسلامي المصري بتزانيا أؤمن أن لشريعتنا الإسلامية فلسفة لا بد أن تدرك نقدم رؤية لا أكثر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق