مدونات

الخروج من عباءة الماضي

الخروج من عباءة الماضي .. العالم يتغير بشكل متسارع ومستمر، ففي كل يوم نجد أحداث متغيرة على مستوى الدول والأفراد، وإن بقي المرء في موضعه لا يتطور ويتعامل مع هذا التغير السريع فإنه لابد وأن يضار من ذلك، إن مواكبة التغيرات المتسارعة لهو من قواعد الفطنة وأصول الدين ودليل على سلامة العقل ويقظة العقيدة السليمة، حيث أنه لا يمكن التعامل مع العصر الحالي كما كنا نتعامل مع العصور السابقة، لأن التعامل بذات النهج القديم لن يؤدي إلا إلى مزيد من التأخر والتخلف والرجعية.

لذا يدعونا المنطق إلى الخروج من عباءة الماضي، والفهم الدقيق للواقع الحالي، ثم العمل على تطوير الذات وترقية النفس لكي تتعامل مع هذا الواقع الحالي، وليس الخروج من عباءة الماضي إشارة إلى التخلي عن القيم والثوابت وأصول العقيدة، وإنما المقصد من الخروج من عباءة الماضي هو الاحتفاظ بالقيم والثوابت وأصول العقيدة والتعامل بها مع الواقع الحالي بصورة تحقق الانسجام بين الماضي والحاضر، وأنا من المؤمنين بأن الأديان إنما جاءت دائمًا لتحقق رقي وتقدم البشرية، وما مشكلتنا إلا في سوء الفهم وسوء التطبيق.

الكتب السماوية تسع كافة الأزمنة والأمكنة، وليست بحاجة إلى تطوير بل تحتاج إلى عقول واعية متطورة تستطيع فهمها وإنزالها على الواقع المعيش، فإن كانت العقول قاصرة فأنى لها أن تفهم كتبًا من وضع الخالق تبارك وتعالى الذي يقرر ما كان وما يكون وما سيكون، فكان لزاما على العقول أن تتطور وأن تتغير وأن تفهم جيدًا وتقيم جيدًا وتقرر جيدًا.

إن الإنسان هو الذي يسود الحياة، وقد كان هذا الحال عندما أدرك جيل العظماء من أمة الإسلام ذلك، حيث كانوا قادة للعالم بقيمهم وفهمهم السليم وتطبيقهم الصحيح للتعاليم الدينية التي لا يمكن أن يقال عنها أنها مثالية أو خيالية، بل هي النموذج السليم لحياة سليمة صالحة لكل إنسان على وجه الأرض، حيث تعاملت هذه التعاليم مع بدن وعقل وروح الإنسان، تعاملت مع بدنه بتوجيه الإنسان إلى سبل الوقاية وكذا العلاج حفاظا على البدن الذي هو وعاء الروح، كما أنها حفظت العقل من مؤثرات تؤدي به إلى التغييب أو التضليل، وحافظت على الروح بدفعها إلى أن تسمو وتعلو وترنو إلى أعلى عليين.

والخروج من عباءة الماضي أصبح لزامًا لتغيير مفاهيم كانت عالقة بالذهن ولا تناسب الواقع الحالي، حيث دفعت هذه المفاهيم بالأمة إلى الوراء، فلم تتقدم بل وتأخرت وتخلفت عن ركب الحضارة والتقدم، وحتى إن سعت إلى التقدم فهي تنظر إليه بعقل مشوش دفعها في بعض الأحيان إلى التخلي على الثوابت والأصول وأحكام الدين، ففهمنا عن التقدم الرداء المشوه أو الانفكاك عن القيم، ولم تأخذ من التقدم سوى توافه الأمور، فأقعدنا ذلك عن المضي قدمًا إلى الأمام، أخذنا من جلباب الماضي التشبث بأهداب الوظيفة، وعدم السعي إلى تحقيق الاستقلال المالي الذي يتحقق بصور منها التجارية التي تجعل المرء حرًا ليس رهينًا بمشيئة أحد.

إننا في أمس الحاجة إلى أن نخرج من عباءة الفكر القديم إلى فكر متطور مصدره الرئيسي الفهم السديد لمنهج الخالق سبحانه وتعالى.

اقرأ أيضًا:الندم فرصة لتتعلم لا لتتألم

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

medhatnagiub

باحث قانوني .. ماجستير إدارة أعمال .. دبلومة موارد وتنمية بشرية وأخصائي نفسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى