ثقافة وفنون

الخرافات يصنعها العلم لا البيضة والحجر

في هذا المقال سنكمل حديثنا عن فيلم البيضة والحجر. كنا قد تحدثنا عن الفيلم ومواجهة العلم للخرافة، ووقفنا عند تلك الجملة العبقرية (ويل للعالم إذا انحرف المتعلمون وتبهيظ المثقفون). ربطت تلك العبارة صلاح الأمم والشعوب بصلاح علمائها ومثقفيها، فالعلم لا تكبح جماح شططه سوى الأخلاق، فالعلم هو من دمر هيروشيما وهو من صنع القنبلة الذرية، وهو أيضًا من صنع المعجزات وعالج الفساد والأمراض وبه صعد الإنسان للفضاء. ولعلنا نستحضر جملة الشيخ محمد الغزالي “إن انتشار الكفر في العالم يحمل نصف أوزاره متدينون بغضوا الله إلى خلقه بسوء صنيعهم وسوء كلامهم”. فسوء الاستخدام للعلم يصنع الجهل ويقيم الخرافات والشعوذة في حياة الناس، وأحيانًا يكون دون قصد كتشبيه الغزالي وأحيانا يكون بقصد كجملة الكاتب محمود أبوزيد في فيلمه البيضة والحجر على لسان أحمد زكي فانحراف العلم بقصد هو الخراب بعينه.

كيف تصنع الخرافات؟

في تحقيق الشرطة مع أحمد زكي في فيلم البيضة والحجر أقر بممارسة الدجل والشعوذة، وعلى الرغم من الاعتراف لكن ضابط الشرطة كان واقع تحت تأثير الدعاية وهو ما يجعلك في موقف الحيرة، فأنى لهذا القانوني أن يقع تحت براثن الجهل والخداع!

يجيب مستطاع على سؤالنا هذا “الدجال بيتصنع بالدعاية الذكية والإعلام الجيد، كل شيء أصبح مزيف، المبادئ، الأفكار، الناس، حتى نظريات العلم يفتتها الشك و تهدمها البحوث الجديدة”.

كانت هذه الإجابة هي شفير الهلاك لأي أمة تفتقد إلى النخبة الصالحة، فوجود علماء ومثقفين قد لا يكون بالضرورة دليل جيد على صالح تلك الأمة، فالنموذج المقدم في هذا الفيلم هو نموذج للمثقف المتبهيظ مثقل الأعباء الذي حاول مقاومة الجهل والدجل، قاوم الإرث المجتمعي لكن بثياب الدجل والشعوذة حتى سقطت أخلاقه في هذه المعركة، ليتحول من فارس يحاول فك الغشاوة التي تحيط بالعقول لمستغل لبيئته يصنع طلاسم فوق الطلاسم مستغلًا علمه أسوء استغلال، فكان بالعلم يخضع له المتعلم والجاهل، فبعلمه استطاع السيطرة على العقول لتصبح عابدة لدجله وشعوذته.

تخضع العقول للخرافة باهتزاز اليقين وزرع الخوف والقلق في النفوس، وكما ذكرنا بأن الإنسان في حالة انفعاله وخروجه عن طوره الطبيعي يختفي ذكائه العقلي فيصبح الجميع متساوي في الفكر ومستعد تلقائيًا لتقبل أي شيء، ولأن بطل الفيلم مدرسة لمادة الفلسفة وعلم الاجتماع والمنطق استطاع السيطرة على الجميع بالعلم بثياب الدجال والمشعوذ.

لماذا يخضع الناس للدجل؟

يخضع الناس للدجل والخرافات لتزعزع يقينهم في قيم ثابتة غير متغيرة حسب الأهواء والمصالح “اكذب ثم اكذب حتى يصدقك الناس”. واستنادًا إلى تلك العبارة الخاصة بالدعاية النازية كان هذا الحوار “الناس في حاجة ليقين ولحقيقة واحدة تكون ثابتة.. ده اللي بيخليهم يؤمنوا بحجاب وتعويذة ودرويش أهبل يضحك عليهم”. استمرار الكذب والخداع في حياة الشعوب يصيبهم بالصدمة؛ فحال الشعوب هو حال الأفراد فمع انعدام الثقة أو تكرار الكذب مع الدعاية المتجددة يصبح الجميع على استعداد تام لتقبل أي إيحاء.

تواجد العلم في بيئة جاهلة وفقيرة يجعلها في باب المواجهة، ومع غياب الوازع الأخلاقي تصبح مصلحة العلم هي التجهيل لضمان البقاء والسيطرة لأن المواجهة ستنهكه. علاوة على ذلك فإن مكسب العلم من جهل المجتمع وضعفه يكون أضعاف ما يكون من بيئة متعلمة، فالضعف لا يفرق بين جاهل ومتعلم فبضعفهم وبجهلهم صنعوا من الحجر تماثيل عبدوها. ينتهي الفيلم بخروج مستطاع “الدجال” من السجن كدلالة  واضحة من المؤلف على انتصار الخرافة؛ لأن البيئات الضعيفة والفقيرة لا تفرق بين متعلم وجاهل فجميعهم في النهاية ضعفاء فقدوا قدرتهم على المقاومة.

اقرأ أيضًا: البيضة والحجر: عندما تؤرخ السينما لفلسفة الخرافات

عمرو اللاهوني

كاتب صحفي ، باحث ماجستير في نقد الدراما التليفزيونية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى