أسلوب حياة

الحيز الشخصي المناسب لإظهار الحب والمودة

تُعد الحاجات المكانية من المتطلبات الضرورية للإنسان، وتعني حاجته إلى حيز أو مسافة للحركة دون أن يشعر أنه معزول أو أنه مسبب لضيق الآخرين وهو ما يسمى بـ” الحيز الشخصي”، وعلم النفس البيئي أحد فروع علم النفس، ويهتم بتفاعل الإنسان وعلاقته مع البيئات المختلفة، سواء بيئة طبيعية (كالأماكن الطبيعية والملامح الجغرافية)، وكذلك علاقته بالبيئة المشيّدة (كالمنازل والتصميمات)، وأيضًا البيئة الاجتماعية (كعلاقته مع غيره من الناس).

ويُعد الحيز الشخصي أو المسافة الشخصية المناسبة للتعامل مع الآخرين من الأمور التي يهتم بها ويتناولها علم النفس البيئي، ومعرفة الحيز الشخصي أمر مهم للغاية؛ فهو يضع حدودًا وقواعدًا لمنع التطفل والتحرش، وهناك البعض لا يعلم ضوابطه وحدوده ولكنه لا يفعل ذلك عمدًا؛ ولكن بسبب عدم معرفته بالأمر.

فما هو تعريف الحيز الشخصي؟ وما سبب اللجوء لضبطه؟ وكيف يمكن قياسه؟ وما هي محدداته؟ وما هي النظريات والقواعد المنظمة والمحددة له؟

تعريف الحيز الشخصي

هي حدود غير مرئية يرغب الشخص في وضعها لنفسه؛ ليحتفظ بعلاقة معينة له مع الآخرين، وهناك حالات يزيل فيها الشخص هذه المسافات عند التفاعل مع آخرين كما سنوضح، ويسميها بعض المتخصصين في علم النفس البيئي بفقاعة الصابون أو فقاعة الحيز الشخصي المحيطة بالفرد، وهي مسافة غير مرئية ولكنها محسوسة ولا تفارق الإنسان حيث ذهب.

أسباب اللجوء لضبط الحيز الشخصي وفوائده:

يرجع سبب إنشاء الحيز الشخصي لعدة أسباب منها:

1- سبب ديني؛ فهناك من يرى أن الرجل أو المرأة واجب عليهما دينيًا أن يضعا مسافةً عند تعاملهما مع الجنس الآخر، وخاصة من غير ذوي المحارم.
2- الرغبة في توصيل رسالة للطرف الآخر بأن العلاقة رسمية أو ليست في أعلى درجات المودة، وكذلك يتم اللجوء إليه في حالات الخوف من التطفل؛ لتوصيل رسالةٍ للشخص الآخر المتطفل بالابتعاد.
3- خوف الشخص من إظهار سلوكيات عدوانية تضايق الطرف الآخر، أو خوفه من الطرف الآخر، أو كون الطرف الآخر لا يتصف بالنظافة الكاملة.
4- خوف أحد الأشخاص من إساءة الظن به من الآخرين فيما يتعلق بالميول الجنسية الغير سوية.
6- طبيعة بعض الأشخاص الغير منبسطين في التعامل مع الآخرين، فلديهم خوف ورهبة من الغرباء؛ فينشأ عندهم غريزة فطرية بالابتعاد قليلًا.
5- رغبة البعض في الحفاظ على مستوى ملائم من التنبيه أو الاستثارة البيئة، أو الرغبة في تنظيم كمية المعلومات الحسية التي يتلقاها من الغير، بمعنى استكشاف صفات الآخرين أو ما يُعرف بتعديل المدخلات الحسية أو التوافق معها.

قياس الحيز الشخصي:

وضع المتخصصون في علم النفس البيئي عدة مستوياتٍ وطرق لقياسه، فمن أشهر مستويات قياسه وهو الأكثر انتشارًا والذي يركز على مسافات التفاعل وجها لوجه، والمستوى الآخر وهو القياس المتعدد الأبعاد؛ والذي يضم الجسم كله بمكوناته الأفقية والرأسية، وأما عن أساليب وطرق قياسه فمن أهمها:

1- الطرق المعملية: وتستخدم داخل المعمل، ويواجه المبحوث في أثناء الاختبار بشخص حقيقي، ويطلب منه أن يشير إلى المسافة التي يشعر أنها غير مريحة للتفاعل بينهما.

2- الطرق الميدانية باستخدام الملاحظة الطبيعية، أي مشاهدة السلوك الإنساني وحدود الحيز الشخصي في مواقف طبيعية في أماكن العمل والشوارع والأماكن العامة، وعادة ما يتم تصويره أو تسجيله فيديو بواسطة المتخصصين ويتم قياسه تقريبيًا بحجم مسافة الأرض بين الشخصين، عن طريق ملاحظة أحجار الرصيف أو عدد بلاطات الأرضية، ويُعد من أفضل أنواع القياسات لأنها تكون على الطبيعة.

3- مقاييس المحاكاة والإسقاط على الطبيعة؛ وتعتمد هذه الطريقة على وضع مجسمات أو أشكال، ويطلب من المبحوثين تخيّل أن هذه الأشكال حقيقية، وأن يحددوا المسافة المناسبة للحيز الشخصي.

محددات الحيز الشخصي:

هناك العديد من المحددات التي تؤثر في حجم التفاعل بين الأشخاص أو في تحديد الحيز الشخص، منها:

1- طبيعة العلاقة التفاعلية بين الأشخاص: فالحيز الشخص يتأثر بمدى التشابه أو التنافر بين الأفراد، فكلما كان الشخص مقربًا زاد القرب منه عند التعامل معه، ويري عالم النفس “ترينس” أن طبيعة العلاقة تؤدى دورًا مهمًا في اختيار المكان الصحيح للجلوس معه، فتوصل إلى أن أفضل شكل للجلوس في المعاملات المبنية على التعاون هو الجلوس إلى جانب الطرف الآخر على طاولة المباحثات، وعندما تكون العلاقة تنافسيةً، فإن أفضل جلوس يكون وجها لوجه، وأما أفضل طريقة للجلوس مع العلاقة القائمة على الاستقلالية في العمل يكون بطريقة المقابلة المتعاكسة؛ أي يجلس أحد الطرفين في أقصى اليمين ويجلس الطرف الآخر في أقصى يسار الطرف المقابل.

2- طبيعة وخصائص الحيز الفيزيقي (المباني والتصميمات): فالبناء المعماري يؤثر على الحيز الشخصي فيزيد في الأماكن المغلقة عن المفتوحة ويزيد في المناطق الآمنة عن المناطق غير الآمنة.

3- العمر ونوع الجنس: يؤثر العمر على مسافة الحيز الشخصي، فتشير الدراسات إلى تقاربها عند الأطفال الصغار وتقل عندما يكبرون تدريجيًا، كما أن الحيز تقل مسافته عند الإناث عن الذكور.

4- الخلفية العنصرية والثقافية والعرقية: تؤثر العادات والتقاليد في مسافة الحيز الشخصي؛ فهناك بلدان تعودوا على القرب وآخرين تعودوا على البُعد، كما تؤثر المعتقدات العنصرية؛ فهناك بعض الدول المختلطة في لون البشرة والعرق والسلالة نجد أن بعضها يبتعد كلما اختلفت الخلفية العنصرية والعرقية.

5- المتغيرات الموقفية والشخصية: يمكن أن تختلف مسافة الحيز الشخصي على حسب الموقف من ضيق وسعادة وتوتر ونحو ذلك، كما تقترب المسافة في حالة طلب شخص مساعدة أو خدمة أو كما نقول “مصلحة” من الطرف الآخر.

النظريات والقواعد المنظمة والمحددة للحيز الشخصي:

هناك العديد من النظريات المحددة لمعايير القرب والبُعد من الآخرين؛ منها نظرية مستويات الحيز الشخصي لعالم النفس “كلارك ليونارد هل”، وتتلخص في تقسيم المسافات إلى أربع مناطق، ولعل المستفاد منها أن العلاقة بين الغير مقربين جدًا يجب أن تزيد عن 46 سم، وهذه المسافات هي:
1- المسافة الحميمية: وتتراوح بين صفر إلى 18 بوصة (حوالى 46 سم)، وهذه المسافات مقصورة على التفاعلات الحميمية جدًا، وتستخدم هذه المسافة بين الأمهات والأطفال الصغار والمحبون والأصدقاء المقربين.

2- المسافة الشخصية: وتتراوح بين 18 بوصة (حوالى 46 سم) إلى 4 قدم (حوالى 122سم)، ويكون اللمس ممكنا عادة فيها، وهي مسافة شائعة عند الحديث العابر مع المقربين والأصدقاء.

3- المسافة الاجتماعية: وتمتد من 4 قدم (حوالى 122 سم) إلى 12 قدم (حوالى 366 سم أي أكثر من 3متر ونصف بقليل)، وتكون في حالات التفاعل الرسمي والذي يأخذ صفة الجدية مع الآخرين.

4- المسافة العامة: والتي تزيد عن 12 قدم (حوالى 366 سم أي 3متر ونصف فأكثر)، والتي تكون المعاملات فيها رسميةً جدًا، ويرى بعض المتخصصين أنها المسافة المناسبة لتعامل المعلمين مع الطلاب، أو التي تكون في ندوة أو لقاء عام.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

محمد حبيب

باحث ومدرب تنمية بشرية باستخدام علم النفس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق