علوم وصحة

الحياة بين أنين الأوردة والشرايين

تندفع نافورة الدم في الأوردة والشرايين كل ثانية طوال اليوم حاملة على كتفيها حمولتها من الكرات البيضاء والحمراء والصفائح الصفراء ومعهما آلاف البروتينات والدهون والكربوهيدرات والأملاح  بالإضافة إلى شوائب الحياة العالقة بها علمناها أو جهلناها.

وتفتح الأوردة أبوابها لكل هذه الحمولة ولا تهدأ ولا تنام وتظل أبوابها مُفتحة دوما على مصراعيها. بل أن الشرايين المليئة بالتضاريس والهضاب تتحمل بصلابة وقوة تيارات الدم المندفعة من فوهتها كإندفاع سيل طلقات الرصاص من فوهات البنادق بلا توقف. ويحمل الدم كل هذه الأحمال علي كتفيه ويجري بها ذهابًا وإيابًا بلا كلل ولا تذمر ولا أنين تماما كتيارات النهر وأمواج البحر التي كُتب عليها الجريان في الأنهار والبحور بلا توقف.  

ويندفع الدم سريعًا وبكل قوته من القلب الطيب الذي كُتب عليه أن يتحمل كالسدود  كل الأمواج العالية المنسابة إليه من كل ناحية ليدفعها وبقوة إلي أعلي للرئتين. ويندفع الدم مسرعًا كالفارس المغوار وبإخلاص شديد ليتخلص هناك من بعض حمولته قبل أن يتسلم حمولة أخري قبل أن يعود بها مسرعا مرة أخري ليمر بحجرات القلب وبواباته العالية. ويفتح القلب له أبوابه بلا تفرقة وبلا ضجر وبلا ملل. ويترك الدم القلب سريعا ويجري بحمولته إلي باقي موانيء الجسد التي تنتظره علي أحر من الجمر فلا يهدأ ولا يكل حتي يُفرغ من بعض حمولته. 

وهكذا نري الدم شجاعًا ومخلصًا ومكافحًا بلا ضجر ولا ملل ولا شكوي. ولا ينتظر شكرًا ولا عرفانًا من صاحبه أو أي جزء من أجزاء الجسد. وهكذا الأوردة والشرايين وقبلهما القلب لا يفكر أي منهما ولو للحظة واحدة فيما يفعلان ولماذا ولأي مدى ومتى. بل دائماً الأبواب مُفتحة ليل نهار وكل ثانية بلا أي عوائق ليندفع الدم فيهما دائماً وبلا توقف. ورغم عظيم الجهد ورغم مشقة الإجهاد  ورغم كل التحديات ولكنهم أبدا لا يغلقوا شوارعهم ولا حاراتهم ولا أبوابهم أمام تيارات الدم وأمواجه التي تضرب في جدرانهم بلا توقف. وتبقي الأوردة والشرايين ومعهما القلب في سهر دائم لتلبي طلبات الدم وأحماله والضربات الموجعة جرّاء جريانه مهما كانت قوة الجريان ومهما كانت قوة الضربات. فقط تقوم بتنفيذ المهمة بإخلاص تام دون تفكير أن تقفل أبوابها بالمتاريس ولو للحظة واحدة لتهدأ. ولا تسمح لنفسها أبدًا أن تتسائل ثم ماذا بعد كل هذا التعب وكل هذا الصبر لأنها تدرك جيدًا أنها لو فعلت لاحتضر من تعمل لصالحه ومات، ولكنها قررت أن تؤجل السؤال ليوم الحساب. 

ورغم كل هذا الإخلاص وكل هذا التعب وكل هذا البناء وكل هذا الصبر والعناء الذي يظهر للعيان أمام الجميع، يأتي صاحب العمل فلا يلقى بالًا بأحوالهم، بل يُهمل الجميع ولا ينصت للأنين ويستمر في صب مساوئه وفضلاته ونفاياته في كل وعاء وميناء علي الجدران وبجوارها بلا حكمة أو تعقل. ويستمر في إصدار العديد من القرارات التي يظن أنها لصالحه ، فتزداد الحالة سوءًا، وتزداد التحديات وتنتشر العراقيل في كل مكان في وجه الدم وتحت قدميه وفوق رأسه وحواليه فجأة ودون أن يدري أو عنوة وهو يدري.

وترتفع أكوام العراقيل هنا وهناك هضابًا عالية في شوارع وحارات كل وريد وشريان فتعترض طريق الدم فيقلل من جريانه ويرسل إشاراته لعل صاحبه يتعقل ويعيد حساباته وقراراته. ولكن صاحبه ماض في حكمه وفي قراراته. ويزداد الأمر سوءًا والأحوال ألما فيعلوا الألم وترتفع صوت الآهات ولكن صاحبهم لا يلقي بالًا بما ألم بهم رغم أنه هو صاحب المصاب. 

ويظل الدم يحمل أثقاله على كتفيه، ويحاول الجريان ويحاول، ولكن تتثاقل خطاه رويدًا رويدًا وتتناثر الحمولة من على كتفيه. وتظل الأوردة والشرايين والقلب تفتح أبوابها وصمامات الأمان فيها محاولة إفساح الطريق أمام الدم ولكن وللأسف تضيق فيها الطرقات هي الأخرى بفعل القمامات والفضلات فتتهالك الجدران وصمامات الأمان بفعل الصدأ والإهمال، فتصدأ وتتآكل وتتكلس وتصبح غير قادرة على العمل. 

وفجأة يبدأ صاحب الأوردة والشرايين والقلب والدم في الشعور في فضاء نفسه بألم وأنين العمل. فيشعر فجأة بأن الألم وقد انتقل سريعًا إلى كل شطآنه وموانيه وانتشر في شوارعه وقُراه ومدنه كإنتشار النار في الهشيم.  وقبل أن يبدأ في تصحيح أوضاعه يفاجأ بتجلط الدم وتوقف جريانه إما في أحد شوارعه العتيقة الجانبية أو الرئيسية، أو بإنهيار جدران أحد أوعيته، أو إنسداد الطريق مرة واحدة في وجه الدم فتتوقف الحياة هنا أو هناك.

وهنا يصرخ صاحب الهم مستغيثًا من الألم والهلاك والضياع ولكن ما تهالك وسقط أبدًا لا يعود كما كان. فلو كان قد وعى الإنذارات وقام بتصحيح الأوضاع في وقتها لكان تجنب كل هذه الآلام والأحوال والنجار قلبه المنتظر بين لحظة وأخرى. لو  كان أنصت في حينها ووقتها وأدرك وحاول وفعل لنجح ولكان الحال غير الحال. ولكنه الإهمال الذي يرى مستصغر الشرر هينًا حتى يراه أمامه كالجبال الرأسيات على صدره. وهكذا نرى أن ليس كل مستغيث يُغاث، وليس كل غَيث يأتي في الوقت الذي نتمناه. 

اقرأ أيضًا :

رسائل مفقودة من آلاف السنين: الكشف عن DNA للإنسان القديم

برجاء تقييم المقال

الوسوم

د. محمد لبيب سالم

نبذة عن الكاتب ولد د. محمد لبيب سالم في 28 ديسمبر 1962 في قرية دهتورة مركز زفتي محافظة الغربية. ويشغل د. لبيب حاليا أستاذ علم المناعة بكلية العلوم جامعة طنطا ومدير مركز التميز لأبحاث السرطان والمدير السابق لمركز المشروعات والابتكارات ونقل التكنولوجيا بـجامعة طنطا والمشرف على مركز تنمية إقليم الدلتا التابع لأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا ورئيس مجلس ادارة الجمعية المصرية لأبحاث السرطان. حصل د. لبيب علي وسام العلوم والفنون من الطبقة الاولي من السيد رئيس الجمهورية في 2019 وجائزة الدولة التقديرية لعام 2018 وجائزة الدولة للتفوق لعام 2009 وجائزة الدولة التشجيعية لعام 2003 وجائزة جامعة طنطا التقديرية لعام 2015. حصل د. لبيب علي بكالوريوس العلوم عام ١٩٨٤، وماجستير العلوم في ١٩٨٩، والدكتوراه في ١٩٩٥ من خلال بعثة إلي جامعة كيوشو باليابان. حصل علي منحة باحث بعد الدكتوراه في الفترة من ١٩٩٧ -٢٠٠١ ثم أستاذ زائر بالجامعة الطبية بكارولينا الجنوبية بأمريكيا الفترة في من ٢٠٠١ -٢٠١٠. د. لبيب باحث في علم المناعة له أكثر من 120 بحث وخمسة فصول في كتب علمية. و أكثر من 30 مشروع بحثي و 85 رسالة ماجستير ودكتوراه وشارك في 90 مؤتمر دولي والقي اكثر من 80 محاضرة علمية في مصر والخارج. د. لبيب عضو في اتحاد الكتاب مصر ومستشار علمي لمنظمة المجتمع العلمي العربي وعضو في هيئة التحرير والتقييم للعديد من الدوريات العلمية. قام د. لبيب بتأليف 8 اعمال ادبية من 2014 حتي الآن عبارة عن 4 روايات واربعة مجموعات قصصية وله أكثر من 70 مقالا في تبسيط العلوم والتي تم نشرها في العديد من المواقع والجرائد والمجلات المصرية والعربية. كما يلقي د. لبيب محاضرات عامة في الجامعات والمدارس والجمعيات الأهلية عن الادب والعلم وتبسيط العلوم والإعجاز العلمي في البيولوجيا عامة والجهاز المناعي خاصة. كما أن له قناة على اليوتيوب يقدم فيها محاضراته. تأليف 56 مقال باللغة العربية في تبسيط العلوم والتي تم نشرها في العديد من المواقع والجرائد والمجلات المصرية والعربية مثل الفيصل، العربي والعلم وكذلك على العديد من المواقع العربية مثل موقع منظمة المجتمع العلمي العربي وموضوع والصحف مثل روز ليوسف والديار والسبورة. أهم الأعمال الأدبية المنشورة : 1. رواية بعنوان "الرصاصة الجينية " – الناشر: دار النابغة –مصر 2019 2. كتاب "زواج بويضة" ضمن سلسلة المكتبة العلمية -كتب علمية مبسطة. الناشر: أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا -مصر , 2019 3. كتاب "سفاري إلى الجهاز المناعي" ضمن سلسلة المكتبة العلمية -كتب علمية مبسطة. الناشر: أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا -مصر , 2018 4. راوية بعنوان "وقت للبيع" عن دار أطلس للنشر والتوزيع 2014. 5. رواية بعنوان :كاندليه" عن دار اطلس للنشر والتوزيع 2016 6. مجموعة قصصية بعنوان "العشق الحلال" عن دار اطلس للنشر والتوزيع 2015 7. مجموعة قصصية بعنوان "زحمة مشاعر" عن دار أطلس للنشر والتوزيع 2015 8. مجموعة قصصية بعنوان "مشاعر لا تعرف السقوط". تحت الطبع. الناشر: دار النابغة –مصر 2019 9. كتاب بعنوان "من ذكريات المدن- رحلتي إلي اليابان " من ادب الرحلات والسيرة الذاتية - تحت الاعداد 10. كتاب بعنوان "من ذكريات المدن- رحلتي إلي امريكا" من ادب الرحلات والسيرة الذاتية - تحت الاعداد 11. كتاب بعنوان "تأملات في الجهاز المناعي – تبسيط العلوم - تحت الاعداد 12. كتاب بعنوان "تأملات في بيولوجيا النفس" – تحت الاعداد البريد الإلكتروني [email protected] [email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق