مدونات

الحياة السعيدة ومتاهة النفس

لن أدعي أني من اكتشف حقيقة هذه الحياة وحقيقة الناس، بل على العكس تماما فأنا أحد أولئك المصدومين بما عرف وما هو معروف، ومن المؤمنين بقيم ومعاني لا يفهمها إلا من يقدسها وبأنني شخص خدعته ذات القصة التي خدعت ملايين البشر وبأننا مختلفون ولن تطالنا النذالة ولا الأطماع وبأن الطيبون يبقون طيبين وبأن الإخلاص سمه تجتمع وصله الدم والمصير الواحد.

ونسيت أو أغفلت بأن يوسف ابن إسحاق ابن يعقوب وهو نبي من عند الله وهو أشرف نسبا وأفضل بشرا قد وقع فيما هو أسوء، فلقد خانه إخوته وتأمروا عليه لقتله وخادعوا وغيروا الحقائق.وبأن زوجة العزيز كادت له ولفقت ما ليس به، فزجت به في غياهب السجن وكان ما كان، ولكن بالنسبة لي فإن حقيقة هذه الحياة هي أن المال والجاه والجنس وما يرتبط بها من أحاسيس، كالغيرة والطمع قد تكون أقوى تأثيرا من كل الصلات يبررها ويغطيها الكثير بغير ما هي. وبأن الله صادق عارف ما خلق حين قال ” المال والبنون زينه الحياة الدنيا ” ومع إيماني المتزعزع واحترامي لممثلي الله في الأرض كونهم من يتحدثون باسمه واختار التخفي مقدما لممثليه فرصة اختلاس قدسيته ومكانته وارادته بتفسيراتهم وتشريعاتهم.

أقول، أن المال والبنون زينة بلا شك ولكنها أبدا ليست راحة أبدية، فلا يقدم ذلك الرضا عن الذات ولن يلمس حقيقة هذه الحياة لمن اختار الزينة، فالساعين وراء مادية الحياة بتوابعها هم كمن تزوج جميلة في شكلها منحطة في خلقها، وكذا هي الحياة إن أغفلنا القيم السامية والأخلاق والاحترام، وهذا تمام تشبيهي، ففي ذات يوم ستذهب هذه الزينة وسيخبو هذا الجمال بعد مضي مشوار هذه الحياة، ولن يعود المال ولا البنون زينة بل سنبحث عن ضمائرنا النقية الطهارة التي لن يعوضها المال ولن يعينك عليها البنون.

إن الرضا عن الذات واحترامها هو من أسمى ما يستطيع البشر الوصول إليه مع أنفسهم وكل ما هو مادي إلا وقودا للحياة وإرضاء للأطماع المتأصلة في النفس البشرية. فالله نفخ بنا من روحه وصارت آلهتنا هي ضمائرنا، فهناك النفس وتتغذى بالأنا، وهناك الروح متجسدة في ضمائرنا وصنعتها روح الله تتغذى بالقيم السامية من أخلاص ومحبه واحترام وضمير يغطيها جسد يتهالك وسينتهي.

وأيا كانت مبرراتكم وتفسيراتكم وأعلمها كمن يسمعها وأدركها كمن يراها أمامه، لن تغير من أن أمثالي يتكلمون لغة إما أن تكون قد صعبت عليكم لاختلاف سأقبله، وإما كانت رضوخا لأطماعكم وراحة لأنفسكم المتخاذلة الضعيفة وهذا ما لن اعذره.

فمنكم من لوث حياته وباع نفسه وعاش واعتاش على قبول الخطأ وتبريره، ليرضي نفسه وليمضي في رحله حياته متغافلا عن الظلم وكسر الحق بمبررات تغطي تخاذله وراحته بواقع يعيشه او يشاهده او تخاذلا عن الصواب وبعدا عن الحق لنفسه المريضة. فذاك شأنا لن يستطيع أحدا تطهيره منه. وأن غالبيتنا لا زال تائها ولا يدرك طريق السعادة وسيبقى كمركب تتلاطمه أمواج الخطأ على شواطئ الصواب، فتكسرت أشرعة قناعاته وتعب ولم ترسي نفسه على ضفة يرتاح بها، ومنكم من سيشقى عالما بجزء يسير من سر هذه الحياة الأعظم.

إن السعادة هي مبتغى كل ما على هذه البسيطة، وسر السعادة كان من سخريات هذا القدر واضحا وبسيطا ولم ولن يرضاه معظمنا؛ ألا وهي القناعة والرضى دون إغفال الطموح المشروع ضمن الأطر الأخلاقية السامية.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"
زر الذهاب إلى الأعلى