سياسة وتاريخ

الحياة الاقتصادية في دولة المرابطين وسياسة تحقيق الاكتفاء الذاتي

لقد اعتمدت دولة المرابطين على الإمكانيات التي أتاحتها لهم الأرض التي أقيمت عليها دولتهم، والزراعة الصالحة التي تصلح على تربتهم، فكانت الزراعات المحلية بالحوز ومراكش هي ركيزة الاقتصاد المرابطي، والمحرك الأساسي للمبادلات التجارية مع البلدان الأخرى.

فقد عمل “الملثمون” على استغلال هذه المنطقة التي تحيط بها الواحات إلى مناطق زراعية، وتم إيصال الماء إليها بطرقهم الخاصة، فعملوا على زراعة العديد من الزراعات الكفيلة بضمان عيشهم وتوفير رواجًا اقتصاديا لهم، فكان الشعير أحد أبرز هذه الزراعات التي عادة ما تنبت فى الأرض الفقيرة ويكفيه قليل من الماء، وقد ازدهرت زراعته في منطقة أزكى التي تسكنها قبيلة لمتونة، فكان الشعير المرابطي أحد أهم المنتجات التي تصدر إلى دول جنوب الصحراء، وإلى الشرق ثم الشمال، الأمر الذي جعلهم يوسعون هذا النشاط ويضمون إلى الأراضي المحيطة بالحوز أراضٍ أخرى، كانت تحت سيطرة طبقة الأغنياء وذوي الجاه والسلطان.

وبعدما تمكن المرابطون من أن يبرعوا في زراعة الشعير، توجه اهتمامهم إلى زراعات أخرى كثيرة، تضمن لهم تنويع اقتصادهم وتجارتهم التي أضحت تشكل شريان القارة الأفريقية وقلبها النابض، بالطرق التي كانت قد أقيمت لهذا الغرض، فازدهرت بذلك زراعة النخيل وأصبحت من أهم أشجارهم، حيث تركزت زراعتها شرق دولتهم بمنطقة سجلماسة التي كثرت بها الشجرة، حتى أضحت من أهم واحات الصحراء وأشهرها سواء من حيث العمران أو شجر النخيل، فتحول بذلك العديد من التجار وأصحاب المال إلى الاستثمار هناك، واستفاد المرابطون أيضًا من الأرض التي كانت تحت هذه الأشجار، وتم استغلالها على النحو الأفضل.

فتحت ظل أشجار النخيل تمت زراعة البطيخ والقرع (اليقطين) والكوسة والقثاء، وكلها أنواع من الزراعات التسويقية التي ساهمت في زيادة الدخل المالي لهذه الدولة، وبروزها كدولة لها سياسة اقتصادية ناجحة تعتمد على إمكانياتها الذاتية، ولم يتوقف الملثمون عند هذه الأنواع، بل زادت الأطماع وتوسعت الزراعة تحت النخيل إلى أن وصلت إلى زراعة أنواع من الحبوب كالذرة، كما ازدهرت في واحة سجلماسة كذلك بزراعة القطن وقصب السكر، وبات المجتمع المرابطي يحقق الاكتفاء الذاتي بالرغم من إمتلاكهم لوسائل تقليدية في الزراعة والحصاد.

لقد اعتمدت قبائل المرابطين إلى جانب الزراعة على تربية الحيوانات من أجل ضمان القوت اليومي، والاستفاذة من الصوف والجلود في صناعة الملابس والأغطية، كما كانوا يستعملونها في تنقلاتهم بين المداشر والقرى الجبلية وفي مدنهم، فكانت بذلك الوسيلة الوحيدة التي تساعد المرابطين في تحريك اقتصادهم، سواء تعلق الأمر فيما يخص المبادلات البينية فيما بينهم أو في علاقتهم مع الدول الأخرى، لذلك نجد أن الملثمون اهتموا بتربية الإبل والحرص على تزايدها، فهي وسيلة سفرهم البعيد في الصحراء والبراري، ثم أنهم كانوا يشربون ألبانها ويأكلون لحومها ويستفيدون من أوبارها وجلودها لصناعة العباءات والألبسة والنعال وأسقف البيوت الصغيرة، وكذلك كان لهم اهتمام بتربية البغال والحمير لاستخدامها فى النقل المحلي، بالإضافة أيضاً إلى تربية المواشى مِن البقر والأغنام والماعز من أجل لحومها وجلودها، والنحل للحصول على العسل والشمع.

وقد مارس المرابطون الصيد أيضًا كوسيلة لضمان الاكتفاء الذاتي من اللحم والجلود، فكان صيدهم يتركز خاصة على صيد البقر الوحشي، فالجلود كانت تباع في أسواق دولية، أو تحول إلى ملابس يتم بيعها داخلياً أو خارجيًا.

وأمام تطور الزراعة وتربية الحيوانات وغيرها، كان لابد على السكان التفكير في حرف وصناعات تحويلية، تحول المواد الأولية إلى مواد صناعية وإن كانت العملية تقليدية، حيث ازدهرت الصناعات المحلية التي تعتمد على الجلد أساسًا، ثم القطن والمواد الفلاحية، فحقق بذلك المرابطون الاكتفاء الذاتي، وتطورت صناعاتهم سواء فيما يتعلق بالكم أو النوع، فظهرت خلال هذه الفترة الصناعات المنزلية، صناعة الأثاث البسيط للمنزل، ثم الأدوات الفلاحية وكذلك الحربية التي ازدهرت بسبب الحروب المستمرة بين المرابطين وجيرانهم الوثنيين من السودان وغانا، بالإضافة إلى الدول الأوروبية، حيث كانت نصرة ملوك الطوائف بالأندلس في معركة الزلاقة التي شهدت على تفوق المرابطين على غيرهم من المسيحيين.

فتكونت لهم الدراية بالصناعة في مجالات عديدة ومختلفة كصناعة السروج ولجم الخيل، وازدهرت الصناعات الغذائية فاستخرجوا الزيت من ثمر الفرتي وذلك بعصر قشره، واستعملوه في طهي الطعام وإنارة السرج ليلًا، وكانوا يمزجونه بالرمل ويطلون به أسطح المنازل فيخفف من شدة الحر، ويمنع تسرب الماء إلى الداخل، حيث عرفت منطقة تارودانت بسوس جنوب البلاد بصناعة قصب السكر، والمنسوجات والألبسة من الصوف والقطن والوبر، وكانوا يصنعون من ثمار القرع أواني يضعون فيها الملح والبهارات، فظهرت العديد من المعادن كالملح التي كانت تحمل على الجمال إلى بلاد السودان وغانا، وكان الحمل الواحد يباع في أيوالاتن بعشرة مثاقيل من الذهب.

الهوامش:

  • دولة المرابطين فى المغرب والأندلس، د. سعدون عباس ص (12-13).
  • تاريخ المغرب والأندلس فى عصر المرابطين، د. حمدي عبد المنعم، ص (27).
  • وفيات الأعيان (ج7/130).
  • دولة المرابطين فى المغرب والأندلس، ص(13).
جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

عبد اللطيف ضمير

كاتب مغربي مهتم بالآداب وتحليل الخطاب، صحفي رياضي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى