سياسة وتاريخ

الحياة الاجتماعية للمرابطين وسيطرة الظلم والقهر

تعتبر دولة المرابطين التي تأسست وتقوت على يد يوسف بن تاشفين المرابطي، واتخذت مدينة مراكش عاصمة لها، وذلك لعدة اعتبارات مناخية واستراتيجية، كتوفرها على الماء وخصوبة حواشيها.

بالإضافة إلى التحصين من العدو بجبال الأطلس الشامخة، كما أن موقعها كمدينة في وسط البلاد بعيدة عن الثورات والنزاعات، التي كانت أغلبها تدور في الشمال والجنوب الشرقي، هذا دون أن نغفل أيضا دورها القيادي على باقي المناطق المغربية الأخرى، فهي قريبة من مناطق عديدة بسط المرابطون السيطرة عليها مع توالي السنوات، هذه الدولة أعتبرت من أهم الدول التي تعاقبت على حكم المغرب وواحدة من أهم الدول التي خلفت خضارة ضاربة في التاريخ، سواء من الناحية الثقافية أو الاقتصادية ثم الاجتماعية، وغيرها كالقوة العسكرية والمآثر التاريخية التي ما تزال إلى اليوم شاهدة على هذا العصر الذهبي.

في هذا المقال التاريخي سنتوقف عند حياة المرابطين الاجتماعية، الحياة اليومة والعلاقات التي كانت بينهم لتكوين مجتمع قوي على جميع الأصعدة، والأسباب التي كانت وراء تميز حياة المرابطين وشكلت منطلقًا لبناء صرح هذا المجتمع القوي، بالرغم من كل الظروف الصعبة التي كانت تحيط بهم من الداخل والخارج، هذا المجتمع الذي عرف نوعًا من التفاوت الطبقي، وتشكل طبقات غنية كانت مسيطرة على زمام الأمور، وأخرى ظلت مهمشة تعيش حياة الفقر والبساطة، وتسعى إلى ضرورة التخلص من هذه السياسة التي ظلت مسيطرة على المجتمع المرابطي، هذا التفاوت أحدث نوعًا من الصراعات بين مكونات المجتمع، فالطبقة الحاكمة الغنية كانت مستعدة لفعل أي شيء من أجل الحفاظ على مصالحها، ومواصلة السيطرة على الطبقة العاملة التي تكون الجيش واليد العاملة والحرفيين وغيرهم.

وفي ظل هذا التفاوت الطبقي، عرف المرابطون نوعاً من المرض الداخلي، كان من أسباب سقوط دولة المرابطين وقيام دولة الموحدين.

ركزت دولة المرابطين على الجانب الاقتصادي كثيرًا، بالرغم من قساوة الظروف المناخية والطبيعية التي تميز أراضي مراكش والنواحي، ولكن وبالرغم من ذلك، حققت هذه الدولة ازدهار.ا كبيرًا على مستوى التجارة الداخلية والخارجية التي كانت تنهجها الدولة مع دول أخرى كثيرة، من الشرق إلى الغرب ثم دول أفريقيا، وفي مرحلة متأخرة مع الدول الإيبيرية وإن كانت ضعيفة، هذه التجارة خلقت فجوة في المجتمع فى بلاد المرابطين، وساهمت بشكل من الأشكال في ظهور طبقة من الأثرياء، كانت متحكمة في التجارة والحكم، إلى جانب قربها من السلطة واستفادتها من امتيازات كافية من السلطان المرابطي، لتتقوى وتجمع أموالاً عظيمة.

هذه الطبقة لم تكتفِ فقط بما هو تجاري والأموال التي كسبتها من وراء الامتيازات التي منحت لها، بل كانت لها أطماع الوصول إلى السلطة وتقلد مناصب القيادة والحكم، وعلى رأس هذه الطبقة من دخل قصور الأمراء واستأثر بالحكم من أجل المحافظة على مصالحه وتأمين موارد التجارة، بالإضافة إلى تكوين علاقات دولية وخارجية تقوي نفوذه.

لقد كانت هذه الطبقة من المجتمع المرابطي مستعدة للتحالف مع الشيطان من أجل المحافظة على مصالحها، دون النظر إلى الطبقة العاملة الفقيرة التي كانت تشكل نسبة مهمة من المجتمع، لقد كان الأغنياء والتجار على أتم استعداد من أجل مقاومة كل الكيانات التي قد تهدد مصالحهم الاقتصادية وغيرها، أو محاول انتزاع مكانتهم وثروتهم وجاههم، مستخدمين من أجل تلك الأهداف الأساليب المشروعة والغير مشروعة؛ كالقتل والوعيد، بالإضافة إلى السطو على مكاسب الآخرين وتخويفهم، وقد ساندهم فى ذلك الفقهاء المحليون الذين ارتبطت مصالحهم بهم وأصبحت أطماعهم، وجني المكاسب المادية والمالية فوق أحكام الله، فتحول الفقيه من دوره المنوط به المعتاد عليه، إلى وسيلة في يد السلطة والطبقة الغنية، وهنا حدث نوع من الخلل والصراع بين الظالم المغتصب للحق، والمظلوم المغتصب حقه شرعًا وقوة.

وأمام هذه المساعدة من السلطة والفقهاء، بقيت طبقة واحدة فقط احتكرت كل شيء، الأراضى الزراعية فى الواحات، وكذلك مناجم الملح وقطعان الماشية والأبقار، جميع مصادر الثروة, وقد ظهر ذلك جلياً من خلال لباسهم وأكلهم، وقد كانت تبني بيوتها بطريقة تدل على ترفعها عن سائر النَّاس وعن الغنى الذي عرفته وحالة البذخ التي وصلت إليها، غير مبالية بما يعيشه باقي أطياف المجتمع.

ومعلوم أن البشرية في كل المجتمعات عندما يصل بهم الحال إلى ما وصل إليه المجتمع المرابطي، حيث الانقسام ما بين طبقة ذات ثراء مفرط، وطبقة من الفقراء المدقعين فى فقرهم، يبدأ الصراع وهذا ما حدث فعلا في مجتمع المرابطين، حيث نجد أن عامة النَّاس أصابهم الفقر واضطروا إلى الاشتغال برعي المواشي وبالعمل في الأراضي الزراعية، ويؤدون الضرائب للأمراء والأعيان الذين استغلوهم استغلالاً مشينًا، قد تولد لهم نوع من الحقد والكراهية، وبات الغضب يعتري صدورهم، فهم مستعدون لفعل أي شيء في سبيل التخلص من الوضع الذي تعيش فيه، والطبقة التي سلطت عليهم.

طبقة الفقراء تعرضت للمجاعة في سنوات الجفا، وكانت منازلهم من أغصان الأشجار ومُغطاة بالجلود كالأكواخ، وتفشت ظاهرة العبيد بشكل مبالغ فيه، حيث تم استخدامهم وسخروا مكرهين للعمل في مناجم الملح، أغلبهم كانوا من أسرى في الحرب التي نشبت بين كانت مابين المسلمين المرابطين والصليبين، هذه الطبقة الجديدة من العبيد سترتفع مكانتها بالرغم من أعمال السخرة التي كانت منوطة بها، ارتفع شأنهم وتكونت فرقة خاصة من العبيد فى جيش المرابطين، واشتهرت المرأة المرابطية بالجمال، سمراء اللون يغطيها اللثام وبعض نساء الطبقة العليا كانت لها منزلة رفيعة فاقت منزلة الرجال فى بعض الأحيان.

لكن هذا المجتمع الإسلامي المرابطي سيعود إلى زمن الجاهلية، بعد ظهور عادات سيئة كالزواج بأكثر من أربع حرائر، وتفشي ظاهرة الزنى، ومصادقة الرجل للمرأة المتزوجة بعلم زوجها وحضوره، كثر الفساد والاستبداد، وغابت العقيدة الإسلامية الصحيحة عن المجتمع المرابطي، انحرف جمع من الناس عن الصراط المستقيم، بعدما تمسك أجداد هذا المجتع بالدين الإسلامي، وباشروا بالدعوة إلى طريق الله ورفع راية الجهاد في سبيل الله، إعلاء لكلمة الله ونصرة للإسلام، ونبذوا ديانتهم المجوسية القديمة التي كانت تغلب على عقيدتهم وتسيطر على مجتمعهم.

الهوامش:
دولة المرابطين فى المغرب والأندلس، د. سعدون عباس ص (12-13).

تاريخ المغرب والأندلس فى عصر المرابطين، د. حمدي عبد المنعم، ص (27).

وفيات الأعيان (ج7/130).

دولة المرابطين فى المغرب والأندلس، ص(13).

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

عبد اللطيف ضمير

كاتب مغربي مهتم بالآداب وتحليل الخطاب، صحفي رياضي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق