سياسة وتاريخ

الحليف آخر من يعلم

دخل اتفاق السلام الأمريكي-الطالباني حيز التنفيذ، وأعلن وزير الدفاع الأمريكي مارك إسبر خلال جلسة استماع أمام لجنة الدفاع في الكونجرس الأمريكي أن القوات الأمريكية بدأت تنسحب بالفعل منذ توقيع الاتفاق، لكنها ستنسحب على دفعات وليس مرة واحدة؛ حتى لا يتدهور الوضع الأمني مرة أخرى في أفغانستان.

فيما أجرى ترامب اتصالاً هاتفياً وصفه بالتاريخي مع الملازم عبد الغني برادر أحد قادة الصف الأول في طالبان، مرجحاً عودة الحركة للحكم بعد إتمام الانسحاب الأمريكي.

من جانبه رحب الرئيس الأفغاني أشرف غني بالقرار الأمريكي، لكنه بدا متشككاً في إمكانية التوصل لحل يرضي حكومة كابول وقيادة طالبان؛ نظراً للتاريخ الطويل من الصراع بين الجانبين من ناحية، ومن ناحية أخرى لاستبعاد الطرفين المتفاوضين الحكومة الحالية من جلسات التفاوض التي أفضت للاتفاق، مكتفية بالموافقة على الطلب -أو بالأحرى- الأمر الأمريكي بالتفاوض لاحقاً مع الحركة لإيجاد صيغة توافقية لحكم البلد الذي مزقته الصراعات.

حليف آخر للأمريكين رحب بالاتفاق لكن بشكل فاتر، هم الأوروبيون ممثلين في الأمين العام للنات “يانز ستولتنبرج” الذي اعتبر الانسحاب الأطلسي من أفغانستان إنجازاً، بعد نحو عقدين من انخراطه في حرب ضروس لم يستطع ربحها، لكن الدبلوماسي الأرفع في الحلف الأطلسي حذر من الانسحاب المتسرع للقوات الأمريكية الذي سيؤثر على الخطط العسكرية الأطلسية في إرساء الأمن في أفغانستان.

يمثل حديث ستولتنبرج جانباً من الخلاف المزمن بين ضفتي الأطلسي؛ الشرقية “أوروبا”، والغربية الولايات المتحدة منذ وصول ترامب المشئوم للحكم، فقد اعتاد ترامب على أمرين خلال حديثه مع الأوروبيين خاصة ومع باقي الحلفاء الأمريكيين عامة؛ وهو اتخاذ قرارات أحادية تخدم المصالح الأمريكية فقط، وطلب دفع مقابل الحماية الأمريكية إذا أرادوا استمرار دفاع واشنطن عنهم.

ولم يكن الاتفاق بين واشنطن وطالبان هو السابقة الأولى لتحليق ترامب بعيداً عن سرب الحلفاء، فقد طالب ترامب العسكريين الأمريكيين بسحب بلاده من الناتو مالم يلتزم باقي أعضاء الحلف 2.5% من ناتجهم المحلي للمساهمة في ميزانية الحلف، غير أن العسكريين الأمريكيين تجاهلوا مطلبه الخطير حتى لا تتعرض المصالح الأمريكية لخطر داهم.

كما اتخذ الرئيس الخامس والأربعون قراراً بسحب قواته من سوريا دون التشاور مع الأوروبيين ولا حتى مع وزير دفاعه وقتها جيمس ماتيس، الذي استقال معتبراً أن قرار ترامب ذلك سيعرض العلاقة مع الأوروبيين للخطر، وقد صدق حدس ماتيس إذ انتقدت فرنسا وألمانيا قرار ترامب، ووصفتاه بالمتسرع الذي سيعرض الوضع على الأرض السورية للخطر وربما الفشل الذريع.

تاريخياً كانت الخلافات بين أوروبا وأمريكا في المسائل الاقتصادية والعسكرية والسياسية أمراً شائعاً؛ نظراً لاختلاف مصالح الطرفين في بعض الملفات، وانسحاب فرنسا من البنية العسكرية للناتو في عهد ليندون جونسون، وتأزم العلاقات بين إدارة بوش الابن وجاك شيراك وجيرهارد شرودر قبيل غزو العراق أكبر دليل على ذلك، لكن سرعان ما كان الجانبان يتصالحان نظراً لمصالحهما المتشابكة في غالبية مناطق مناطق العالم الاستراتيجية.

غير أن عهد ترامب اتسم بتحول الخلاف إلى صدام، وصل بترامب لوصف الاتحاد الأوروبي بعدو أمريكا خلال جولته الأوروبية قبل عامين، وكل ما يطمح إليه ترامب هو تبعية الأوروبيين المطلقة لواشنطن طالما تحميهم، وينظر لهم على أنها دول ثرية تستنزف الأموال الأمريكية.

وإذا استمر ترامب على هذا النحو خلال فترته الثانية التي يعتبرها الكثيرون وشيكة؛ سيصبح التحالف الأمريكي-الأوروبي في خبر كان.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

أحمد زكي

كاتب مصري شاب صدرت لي عدة كتابات سياسية بين 2013 و2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق