مدونات

الحلم العربي..

” جايز ظلام الليل يبعدنا يوم إنما يقدر شعاع النور يوصل لأبعد سما ”
هل تذكرون تلك الكلمات من طفولتنا؟ تلك الكلمات التي زرعت فينا حب كل الأوطان، فأنا وإن كنت مصريًا في جميع السجلات، فأنا في ذات الوقت فلسطيني وأردني ويمني وسوري ولبناني وليبي، أنا كل الأوطان حتى لو لم أطأ أرضها طوال عمري.

أنا كل الأوطان وكل همومها همي، وكل فرحها فرحي، إن أقيم عزاء في آخر الديار كأن العزاء عندي، وإن أقيم عُرس يغمرني الفرح كأن العُرس عرسي، وإن تسائل أحدهم عن دياري يومًا، سأجيب بكل فخر أن كل الأوطان دياري.

يومها كنت صغيرة وكنت أتخيل أن الحلم العربي سيصبح واقعًا أراه بعيني عندما أكبُر، سيخرج عن كونه مجرد كلمات في أوبريت إلى واقع ننهل من شلال جماله كل صباح، سأفيق يومًا وأجد كل الحدود تحولت إلى هواء، ومتى أردت يمكنني أن أحمل حقيبتي وأسافر إلى أي مكان بدون الحاجة إلى تأشيرة وأوراق رسمية لأتخطى حدود دياري، فكل الأماكن دياري ووطني.

سنصبح جميعًا واحدا رغم اختلاف لهجاتنا، رغم اختلاف ألواننا وملامحنا، رغم كل المسافات التي تبعدنا عن بعضنا البعض، رغم الظلام الذي يشتد حلكة كل حين، رغم أن النور بعيد كل البعد عنَّا، سنصبح واحدًا كما يقول الأوبريت.

كبرت ومع الأسف صار الحلم العربي مجرد كلمات، كبرت لأجد كل ما كنت أراه في فلسطين وأبكي بحرقة على ما يحدث – غير مصدقة أن هناك بشري يمكن أن تبلغ به الوحشية مداها ليفعل كل هذا -، يحدث في كل مكان في وطني، وقتها كنت أبرر لعقلي أن المحتل اللعين يفعل كل ما يحلو له بدون رادع – جماعة احتلت أرضًا بكل بساطة فهل سيصحو ضميرهم فجأة ويكون رادعًا لهم ويمنعهم من القتل والتشريد والاعتقال؟ -، ولكن كيف أبرر لعقلي قتل وتشريد البعض لأبناء جلدتهم ووطنهم!

كبرت وصغُر الحُلم العربي – وأصبح في طريقه للتلاشي لولا بعض خيوط الأمل ومحاولتنا للتمسك بها حتى نزفت أيادينا من طول التمسك به ومحاولته الدائمة للإفلات منا -، كان من المفترض للحلم أن يكبر معي، كان من المفترض أن يكبر معنا جميعًا، كان من المفترض أن يصبح واقعًا لا محظ كلمات أضحت مهب الريح.

الحلم العربي أضحى مثل أحلامنا كلما حاولنا اللحاق بها وظننّا أننا نقترب منها، اكتشفنا أننا نلاحق سرابًا، كلما اقتربنا صدمتنا فاجعة جديدة لتتركنا على قارعة الطريق لا نعرف إلى أين نمضي، كلما وجدنا شعاع النور ولحقنا به تركنا فجأة في ظلام أشد حلكة وقسوة من ذي قبل، كلما تبعنا الفراشات اكتشفنا بعد حين أنها مجرد خفافيش تقودنا للظلام.

ولكن رغم كل ذلك، مازال القلب ينبض عندما يأتيه شعاع من نور وسط الظلام، ويتعلق به تمامًا مثل قشة الغريق في وسط البحر، ورغم أن القلب يتوقف حينًا حينما يتملكه اليأس، لكنه ينبض بالأمل حينًا عندما يلوح في الأفق فجر الصباح، مازال عزاء القلب أنه يحاول أن يهتدي بتلك الخفافيش في الظلام لعلّه يصل لشعاع النور ذاك الذي يصل لأبعد سماء.

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

إسراء طارق

تائه لا يصل...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق