سياسة وتاريخ

الحكومة العراقية: وجوه متغيرة وسياسات واحدة

بعد طول انتظار وتكهنات أشبه بالتنجيم، كلف الرئيس العراقي برهم صالح السياسي الشيعي، ومحافظ النجف الأسبق، وعضو حزب الدعوة عدنان الزرفي بتشكيل الحكومة العراقية الجديدة وسط اعتراضات من بعض الكتل الشيعية أبرزها المجلس الإسلامي الأعلى بزعامة عمار الحكيم، الذي كان الأعلى عقيرة في رفض تكليف الزرفي، لكن لا يبدو لرفض الحكيم الصغير تأثير على مجريات الأحداث التي ستنتهي في الأغلب بخروج الحكومة للنور ونيلها الثقة.

لكن لا يمكننا قراءة الوضع العراقي لفهمه دون تجميع لقطات الصورة خلال الفترة الماضية، ونبدأ بالعامل الإقليمي الذي تجلى في حضور علي شمخاني رئيس مجلس الأمن القومي الإيراني لبغداد، ولقائه بعدد من الشخصيات العراقية -الشيعية على وجه التحديد- لنقل أوامر المرشد الإيراني لعملائه في العراق، حول الصورة التي ستخرج بها الحكومة العراقية المنتظرة، والتي التقى شمخاني عدداً من المرشحين لرئاستها حتى استقر الرأي على اختيار الزرفي.

العامل الداخلي كان حاضراً بشكل لا يمكن إنكاره، فخلال الأيام الماضية، أوضح المكون الشيعي الذي يسيطر على الحكم كون الصلاحيات تتركز في يد رئيس الوزراء الذي يعتنق هذا الدين أنه بالرغم من سعيه لتشكيل حكومة توافقية، إلا أنه لن يقبل بتهميش وجوده أو استبداله بعنصر آخر، وقد صرح بذلك هادي العامري نائب رئيس الحشد الشعبي وأحد عملاء طهران المخلصين بأن مرشح رئاسة الحكومة العراقية يجب أن يكون من الكتلة النيابية الأكبر، في إشارة لتحالف الفتح الشيعي الفائز في انتخابات مايو 2018.

والأهم من هذا وذاك هو العامل الدولي، فقد اضطربت الأوضاع في المعمورة منذ نهايات ديسمبر الماضي بعدما انتشر فيروس كورونا الرئوي في شتى أنحاء العالم، ليتحول إلى وباء عالمي شتت انتباه حكومات العالم -وفي صدارتها بالطبع الدول الكبرى المؤثرة في القرار الدولي- عما سوى مكافحة هذا الخطر الداهم من قضايا، ومنها بالتأكيد احتجاجات العراق التي تبارت الأطراف الدولية في إظهار الدعم العلني لها قبل أن تتوارى خلف محاربة الوباء الصيني الفتاك.

كل شخص على دراية بتركيبة النظام العراقي المقيتة ما بعد احتلال بلاد الرافدين يدرك أن شيئاً لم يتغير منذ اندلاع احتجاجات أكتوبر، سوى إجبار عادل عبد المهدي على الاستقالة، ثم الدوران في حلقات مفرغة دون تحقيق مطالب الشعب الأساسية في حكم ديمقراطي وحياة كريمة وقرار مستقل بعيداً عن الوصاية الإيرانية، وكأن احتجاجات لم تندلع وشهداء لم يموتوا ثمناً لغد أفضل لبلادهم.

ظل المشهد السياسي على حاله، فرئيس الوزراء الجديد شيعي ومن حزب معروف عنه تبعيته المطلقة لإيران، ودون موافقة الشارع الغائب عن مسرح الأحداث والحضور الإيراني لا تخطؤه العين، فكيف يفسر تشكيل الحكومة العراقية بعد حضور مسئول إيراني بعد فترة من الصراع الداخلي المستعر بين الساسة العراقيين، وهو منتهى التحدي للثوار العراقيين الذين طردوا الإيرانيين من الباب فعادوا من النافذة.

التغلغل الإيراني في العراق الذي يقترب من العقدين يشبه السرطان لا يمكن الشفاء منه بالمسكنات، ولا بد له من جراحة تستأصل شأفته؛ لأنه بدون ذلك سيظل الإيرانيون يحكمون العراق من وراء ستار، ويغيرون عملاءهم بما يخدم سياساتهم وبما يتناسب مع مصالحهم، وسيظلون يمسكون في النهاية بزمام بوابة العرب الشرقية مع تغييرات طفيفة تسترضي بها أسيادها في الغرب.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

أحمد زكي

كاتب مصري شاب صدرت لي عدة كتابات سياسية بين 2013 و2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق