مدونات

«الحقوق لدينا محفوظة ويكفلها قانون الطوارئ!».. لماذا نفرط في حقوقنا؟

كلمة التفريط في الحقوق بمعناها الشامل بمثابة التقصير المتعمد في حمل الأمانة وتضييعها، وإعطاء حق مكتسب تاريخيًا أو جغرافيًا أو خلقيًا أو تراثياً أو ثقافيًا إلى جهة أو جماعة أو أنظمة أو كيانات لا تستحق.

وفي بعض الأحيان تسرف أنت في التفريط في الحقوق وتتجاوز الحد المسموح وتقدمه بنفسك إلى عدوك بكل روح رياضية حتى وإن لم يطلبه منك ذلك الشيء الفريد في جغرافيته، وطمس الدماء التي سالت عليه وجعلت من رماله فيروز نادر، وشيء آخر وجودي يبعث على الحياة ويريدون منع سريانه بالعادات والتقاليد والموروثات والحضارة.

اقرأ أيضًا: «لمن تقرع الأجراس»: عندما يتنصل الإنسان من القيم ويستبيح القتل

مَن لا يملك لا يستطيع أن يفرط فيما ورثه أو جاء على رأس هرمه أو كان وصيًا أو مخول من الشعب للحفاظ عليه وليس له فيه حق عندما ينكث الأمانات ويبيع الأوهام في كؤوس المرار وطعام الصبار ونشرات الأخبار وفرحة المجانين البلهاء وطرب الأفاقين السماعين وحلاوة المكبرين خارج بيوت الله ونشاط المتخابرين السفهاء، ومآلهم جميعًا تحت الأقدام وتحت الركام قابعين مرتاحين.

ولكن في كثير من الأوقات تنقلب الآية ويتمادى من لم يملك في الغلو والتفريط في الحقوق وفيما لا يملكه في الأرض والسماء والمياة. ماتت الضمائر الإنسانية وغلفت بضمير من الغدر والخيانة والمؤامرات، عوت الكلاب في الفضاء تبيح التفريط وتشدو بجماله.

وتشهد المرحلة الحالية زمن جديد في كل شيء، ويكتب العامة صكًا طويلًا من الاستعباد لوجود شخص أو جماعة كلاهما كذاب أشر، سكتت الأغلبية فكانت نعم النصير الأعمى والمساند القوي والوقود المتدفق بلا قيود لشروط التفريط في الحقوق وفنون البيع وتوطيد بيئة الاستثمار واللهث وراء السراب.

لمن لا يفهمون قواعد اللعبة الخطأ، واحد سواء كنت مدافعًا أو مهاجمًا ولكن عندما يتعلق الأمر بمنطقة الجزاء ويقترب منك فيستوجب العقاب الفوري وتحتسب ضربة جزاء ومن ثم يتحقق الهدف المنتظر ويفرح جموع “الحرافيش” هنا وهناك – كما قالها الكاتب العالمي نجيب محفوظ الحائز علي نوبل، نتيجة الغوص في المحلية المصرية وملحمته الثلاثية والتغيرات التي حدثت للفتوات الذي كانوا في الماضي رمزًا لقوة المال والسلاح وتعاملهم مع الحرافيش عبر عقود مختلفة.

فما بالكم عند باب التفريط ويخرج علينا من لا يستحق لقب فرد من الرجال يملك عرقوبًا يمكن أن يحمل الناف ويجر المحراث بكل جدارة ويقول سنتدخل عند الضرر الجسيم وذلك فيما معناه أنه يجوز التفريط في الحقوق إذا كان الضرر بسيط، أو نحن كعصبة نقدر أن نتحمل تنازلًا محدوداً ونفرضه على الباقين الضعفاء بالقوة، خاب وخسر من أجلسه وسلمه هذا المقعد فقد أضاع تاريخه وتاريخ من هم قبله.

وآخر متردد لا يقيس الأمور بدقة ويتخبط هنا وهناك ويسانده المغيبون والجهلاء والمشعوذون، ولا يفهم من كلامه شيء سوى السكوت والرضوخ للأمر الواقع وفراغ عقل وتوهان مستحب.

كلا الرجلين مكانهما ما وراء الحقيقة، وضع غريب معقد من جميع الزوايا؛ الأمين ينعت بالخائن والخائن يلقبونهم بالصادق، الواقع لا يكذب ولا يتجمل فالأمور واضحة وضوح البنان، ولا تحتاج شمس الحقيقة للعيون يكفي الإحساس بلهيبها، والقمر أيضًا ظاهر بنوره وسط الظلمات لا يحتاج منظار للتكبير.

وكانت الأوطان على مدار التاريخ محمية ومصونة من التفريط بسبب قوة شعوبها الأبية الرافضة للتفريط، ولكن الآن وما أدراك الآن التفريط في الحقوق أكل الجسد الواحد من جميع الأطراف وصار قطع صغيرة حتى يسهل البيع في المزاد العلني لمن يدفع أكثر.

وعلى سعر الكراسي، وأصبحت توصف بالثراء الفاحش، ومن أجلها تقدم القرابين التي تستحق وتبدأ عجلة التفريط في الدوران، يعاتب كل فرد نفسه ويلومها، والبعض الآخر يقول طالما لي موطأ لقدمي أنا بخير وفي سلام ولا يدري أن هذا غير مأمون العواقب أيضًا فقد يفرط فيه وساعتها سوف يسقط سقوطًا مدويًا نحو الهواية. وحينها فقط سيتذكر ما فعلته يداه من تصفيق، ونطق به لسانها رياءً، ومشت أرجله في سبيله تأييداً.

تعِب العقل من التفكير وحزن القلب من التفريط في الحقوق وحب الآخرين من أسمي تعاليم ديننا الحنيف حيث قال عليه السلام: “ليس منا من لم يهتم بأمر المسلمين”، فالمتحكمين الآن ما أروعهم في التفريط في الدين ومقدساته، فما بالكم بالأوطان وكنوزها ومياهها وخيراتها، بالتأكيد في طريق الوباء سباقة، في سبيل الشهوة والسلطة والمال تتحدث الصورة وتلفظ كل أمين للحق حافظاً.

طوبى لزمن غادر كاذب ضحى بالشرفاء والعلماء والحكماء، وأتى لنا بأنصاف الرجال والغوغاء وعصابة الأوغاد، يا دنيا حمليني كل أوجاعك أنا ليك صابر وعلى هوائك أسير، تتلقفني الرياح وتحركني يمينًا وشمالًا بلا قرار، ومن فوقي تنظرني البومات تراقب تحركاتي بعين غير رضية، الخوف من التحدث مع من فرطوا وباعوا خوفًا من ظلمة الجدران وكآبة المنظر وتنكيل الأهل والأولاد، وبهدلة الجسد وتعذيبه بلا رأفة ومنع الدواء عنه، ويا لها من بشرى.

بُنيَتْ القصور للمارقون وتزايد الطلب على سكن القبور للمهمشين، ظنون النفس تتخفي وراء الجلود خوفًا من حريقها بالنار والحديد، ياليت الأسوار تحمي بدلًا من أن تكون ملجأ على أشياء لم أقترفها، الأحلام ذابت تحت جبل من الجليد، التشاؤم غطى المكان، “الأمل أصبح على القهوة عاطل”، على رأي شاعرنا الجميل مصباح المهدي، والجاني أصبح حرًا طليقًا والمجني عليه سلسلوا يداه وأقدامه وألقوه في مكان سحيق.

يقودنا شيء داخلي إلي المقاومة مهما بلغت العواقب، سكوت الشياطين عن الحق أصبح السبيل والمنى للنجاة، استبداد فاق كل الحدود، حتى المرء خاف يرفع يده بالدعاء لرب العباد بالقصاص ممن عذب العباد وشردها وكتم أفواهها وغمى أعينهم وصم آذانهم وتمادى في الظلم والجبروت.

الكلمة الواحدة قد تؤدي إلى التفريط في الحقوق ولكن بالنضال والوحدة ولم الشمل والسير في جماعة تسترجع الحقوق والواجبات، وإليكم بعضًا من الحكم والأقوال المأثورة:

“ربما منعتك الحقوق الكلام وألجمت العهود”. فاك بلجام.

“لكل زمان مضى آية، وآية هذا الزمان الصحف، لسان البلاد ونبض العباد، وكهف الحقوق وحرب الجنف”. أحمد شوقي.

“إن الوحدة العربية هي أملنا في تحرير فلسطين وفي عودة حقوق شعب فلسطين إلى شعبه”. جمال عبد الناصر.

“من لا يهتم إلا بحقوقه و يهمل رعاية حقوق الآخرين، يعيش وحده ويموت وحده”. صدام حسين.

“لا تزيد الديمقراطية عن كونها حكم الغوغاء، حيث يمكن لواحد وخمسين في المائة من الشعب استلاب حقوق التسعة وأربعين في المائة الآخرين”. توماس جفرسون.

“تسليم القطط مفاتيح القرار أثبت على مدى التاريخ فشله في ضمان حقوق الفئران في فتات الطعام”. إبراهيم الجارحي.

“المناضل الحقيقي دائم العطاء يأخذ حقه من خلال حقوق الآخرين وليس على حسابهم”. ناجي العلي.

“الضمير اليقظ هو الذي تصان به الحقوق المتمثلة في حقوق الله والناس، و تحرس به الأعمال من دواعي التفريط والإهمال”. محمد الغزالي.

“الحق أقول لكم.. لا حق لحي؛ إن ضاعت في الأرض حقوق الأموات”. نجيب سرور.

“جميع الحقوق محفوظة ويكفلها القانون. قانون الطوارئ طبعا!”.  محمد الماغوط.

ولكن مهما اشتد الظلم وتمادى الظالمون في الغلو يبقي الله مطلع عليم وقادر ومقتدر وعزيز جبار وعقابه آت بلا محالة وعندها سوف يفرح المؤمنون بنصر الله وتأييده ونصرة دينه وسنة حبيبه محمد عليه السلام.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق