سياسة وتاريخ

الحقائق المشوشة: حينما يكون التاريخ من وحي الخيال

أحيانًا تكون الحقائق محض رؤى وآراء، وهنا يبدو التساؤل حول ماهية كُتّاب حقائق التاريخ فكل فكرة جديدة تبدأ غريبة ومستنكرة ليس لأنها مستنكرة في ذاتها، ولكن لأنها تحل محل أُخرى راسخة حتى إذا تكررت تلك الفكرة على المسامع.

فإذا أردت أن تأتي بكذبة ويصدقها أراذل الناس، ليس عليك بأن تأتي بالدلائل و البراهين فتلك مضيعة للوقت. و لكن عليك فقط أن تكررها على مسامعهم وأن تأتي بآخرين يرددوا كذبتك، عندها سيقتنع جمع غفير من الناس، و تصبح تلك الكذبة هي أم الصدق ويصبح ما دونها كذباً بواحاً. وبالتالي، ستكون قادراً حينها على تكذيب من يكذب فكرتك أو ربما حتى معاقبته.

هرطقة جاليليو

و ليس ما أسلفت بدرب من الخيال، فكنائس أوروبا في العصور الوسطى آمنت أن الأرض مسطحة رغم أنهم لم يروا ذلك، ولم يبلغوا أطراف الأرض، ولا برهان لهم بذلك، لا برهان لهم بذلك و لا دليلٍ مبين.

اتُهم جاليليو بالهرطقة و التدليس، وأحرقت كتبه فقط لأنه قال غير قولتهم تلك التي قد صدقوها لأنها قد تكررت على أسماعهم.

لم يكن جاليليو الأتعس حظًا، فالكاهن جوردانو برونو، لم تحرق كتبه فقط بل أُحرق هو أيضاً. حتى الأنبياء الذين أتوا بآيات الله البيّنات كُذّبوا لأنهم جاءوا بما يخالف ما تكرر على أسماع القوم.

رأوه رأي الأعين و لكن كذّبوا

وتجاهل آل فرعون عصا نبي الله موسى -عليه السلام- والتسع آيات، ليصدقوا ما كرره فرعون على أسماعهم، بل إنهم رأوا البحر ينشق أمامهم رأي الأعين و لم يثنهم ذلك عن ملاحقة بني إسرائيل، فكان حقّاً عليهم الغرق.

وجاء المعتزلة، في زمن ليس ببعيد، بمحنة “خلق القرآن”، لم يأتوا بدليل و إنما جاءوا بتأويلات لا علم لهم بها، ثم رددوها على أسماع الناس حتى صدقوها وأصبحوا يرون كل من قال غير قولهم فاسقٌ مستحقٌ للسجن و التعزير.

ماذا لو؟

وليست الأكاذيب في قصص الأولين فقط، وإنما تكون حيث يوجد البشر. فلا أنت و لا غيرك معصومٌ من تصديقها باعتبارها ضمن حقائق التاريخ. فربما لو انتصر الألمان النازيون في الحرب العالمية الثانية لأذاعوا لنا كل عام فيلماً يمجد انتصار الألمان النازيين على المتمردين اليهود و البولنديين، وكيف أنهم هزموا تحالف الشر، وكيف أنهم ردوا هزيمة ستالينجراد النكراء وأحالوها نصراً مبيناً. وتتكرر قصتهم تلك كل عام حتى لا يبقى على الأرض أحد إلا و قد آمن بلا ريب بأن النازيين أولئك قد بُعثوا لنجدة الأرض ولتخليص بني آدم من الآلام.

سنرى حينها تسابق العلماء لاكتشاف طرق انتقاء الچينات الأصلح للبقاء. وربما نشروا علينا كل يوم دراسة عن فروق الذكاء بين الأعراق و الأجناس، وتكون نتيجتها المحتومة هي تفوق الذكر الأبيض ذي العرق الآري على من دونه من البشر. ولن يبدو ذلك غريباً أبداً و لن تستنكره القلوب، بل سيكون ذلك في قلوب الناس حقاً و صدقاً. بل ربما يتهم الناس حينها من يحدثهم بما دون ذلك بالهرطقة أو بالتخلف عن ركب العلم و العلماء.

فلا تدري أنت أي كذبة تصدقها الآن لا برهان لك بها، و لكنك تصدقها لأنهم قد أخبروك بها مراراً و تكراراً.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق