مدونات

الحضارة بين التاريخ والجغرافيا

في الثقافة العربية التقليدية أن الحضارة خِلافُ البداوة. فالحَضَر سُكَّان المدن والقرى بينما البدو هم الرُّحَّلُ المتنقلون في البوادي. غير أن معنى الحضارة تطوَّرَ مع الزمن وأصبح مفهوماً واسع الدلالات . فإذا قيل حضارة أمة عُنِيَ بها جملة من الجوانب الاقتصادية و السياسية و العلمية و الفنية ..فالحضارة خلاصةُ ما تركت أمّةٌ ما من أثَرٍ صالحٍ لنفسها وللأمم الأخرى على الصّعيدَينِ الماديّ والمعنويّ.

والشيء المؤكد الذي لاريب فيه هو أنّه لا يمكن أن تقوم حضارةٌ دون أن تكون قد أخذت عن غيرها من الحضارات . فمن سنن الحياة وطبيعتها الإفادة والاستفادة وهذا القانون ينطبق على كل أبناء الحياة أفراداً ومجتمعاتٍ.

ولا يوجد حضارة مستقلة قائمة بذاتها بالمعنى الدقيق للكلمة . وإن كان لبعض الحضارات القديمة أثرٌ طيب على جميع أمم الأرض كالحضارتين اليونانية و الفارسية وغيرهما.

الحضارة بين التاريخ والجغرافيا

والحضارة متأرجحةٌ بين الجغرافيا والتاريخ؛ فالتاريخ هو البعد العمودي للحضارة و الجغرافيا البعد الأفقي لها. فحضارة أمة ما والتي لها حدود جغرافية ما. لابد أن تنفتح هذه الحدود على تاريخ غيرها من الحضارات. وبالنهاية لابد أن نعترف بالتداخل والتشابك وأحيانا التماهي بين حضارات أمم المعمورة.

وشخصيًا أرى الإنسان العاقل لا يرتبط اهتمامه وتعصبه لا بجغرافيا معينة ولا بتاريخ ولا بأشخاص. فالعقل الحر منفتح على الفكر الحر بصرف النظر عن مصدره.

وشيء آخر أن الإنسان السوي لا يستطيع أن يتبنى الصالح والطالح معا في مجموع بشري ما .

فإذا قلنا على سبيل المثال الحضارة العربية والإسلامية . فهذا لا يعني أننا نعتز بكل مآتي العرب والمسلمين على مر التاريخ وفي كل بقعة جغرافية عاشوا بها. فهؤلاء العرب والمسلمون كثير منهم أفسدوا في الأرض وخربوا كل شيء في الحياة وحتى الإسلام نفسه الذي يدعون الانتساب إليه قلبوا مفاهيمه رأسا على عقب وأفرغوه من جوهره وقدموه للعالم أصدافا وقشورا لا قيمة لها ولا معنى.

إنني ربما أتبنى أفكارا لفلاسفة غربيين ملاحدة وأنكِرُ أفكارا لشيوخ مسلمين من بني قومي لأني أجد أن بعض أفكار هؤلاء الغربيين أقرب إلى روح الإسلام من أفكار من يصلون الفروض. الخمس.

وفي هذا العصر الذي انفتح به العالم بعضه على بعض وأصبحت الثقافات بمتناول الأيدي.

أراني أنتمي إلى كل فكرة صالحة في شرق الأرض وفي غربها وأرفض كل فكرة تسيء إلى الإنسان ولو كانت من أقرب الناس إليّ

خلاصة ما أريد قوله إن مفهوم الحضارة التي أؤمن بها هو الانتقائية. أي أنني أصطفي من الجميع أفكارًا أنا أقتنع بها وأراها قريبة من روحي وقلبي وعقلي. فالحضارة التي أعتز بها وأنتمي إليها هي حضارة إنسانية إلهية تاريخها يبدأ منذ نفخ الله من روحه في تربة آدم. وينتهي إلى هذه الساعة التي أكتب فيها مقالي هذا . وجغرافيا ها معمورة آدم من شرقها إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها. وهي حضارة تجتذب إليها الأثر الصالح للإنسان في مطلق المكان والزمان .

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى