سياسة وتاريخ

الحضارة السومرية: كائنات فضائية خلقت البشر وتزاوجتهم فأحدثت الأعاجيب

يميل الناس إلى تصديق ما يرضي رغباتهم، ويشبع نزعتهم الأصيلة نحو الشعور بالأهمية. وفي ظل غياب الثقافة العلمية والحس النقدي الشكوكي فمن الطبيعي أن تترعرع الخرافات والفرضيات التي لا تقوم على أسس متينة. ويكمن الخطر في استغلال بعض الجهات للشرائح العامة من خلال الترويج للأكاذيب وتغليفها بالرداء العلمي؛ منها الشائعات التي أثيرت حول السومريين وحقيقة حضارتهم.

تعد نظرية “الخلقية” ومجتمع الأرض المسطحة من الأمثلة الشائعة، إضافةً لإقحام الكائنات الفضائية في مسيرة التطور البشري، مثل التفسير الخاطئ للرموز الهيروغليفية وتأويل المعاني الأصلية للمصطلحات الأسطورية لخدمة هكذا مآرب، مثل “الأنوناكي” عند السومريين في العراق القديمة.

السومريون هم جماعات بشرية سكنت بلاد الرافدين في عصر السلالات الباكرة (2900-2350 ق.م)، وأقامت مدنًا مستقلةً تربطها علاقات فيما بينها، وغالبًا ما كانت تنشب حروب بين هذه المدن بغرض السيطرة على الأراضي الزراعية وقنوات الري. اشتهرت الحضارة السومرية باختراع الخط المسماري وهو أول خط معروف للكتابة، وكانوا متقدمين في مجالات عدة كالعمارة والرياضيات والزراعة والأدب والفنون.

أما عن أصل السومريين فهناك آراء متضاربة، ترى إحداها أنهم هاجروا إلى جنوب بلاد الرافدين من بعض مناطق آسيا الوسطى عن طريق إيران، أو من وادي السند عبر الخليج العربي. أما كرامر فيعتبر أنهم “بدو” مما وراء القوقاز أو بحر قزوين.. وانطلاقًا من كون اللغة السومرية مختلفة عن باقي لغات المنطقة؛ اعتبر كثيرون أن السومريين غرباء عن المنطقة.

لكن حتى يومنا هذا يسود اعتقاد مشوش وغريب عن الأصل الفضائي للسومريين، فمن أين أتت تلك الاعتقادات وما مدى صحتها؟

آمن السومريون بتعدد الآلهة، أهمها إله السماء (آنو)، وإله الجو والهواء (إنليل). ثالث الآلهة الرئيسية كان إله الأرض والماء العذب (إنكي). تسمى الآلهة السومرية (أنوناكي). ويفسر خبراء المسمارية مفردة أنوناكي “صاحب الدماء الملكية” والفكرة منها أن أبناء أنوناكي يحملون دماء الإله (آنو) وهو كبير الآلهة في الميثولوجيا القديمة. ويرجح أن مصدر التسمية هو التزاوج بين السماء (آنو) والأرض (إنكي).

يعود الفضل في كل ما نعرفه عن حضارات بلاد الرافدين إلى آلاف الألواح الطينية التي رأت النور في القرن 19 وعكف العلماء مذ ذاك حتى يومنا على قراءتها وتفسيرها. وقد كثر الحديث أن آلهة السومريين أكثر من مجرد أساطير وأنهم فضائيون أتوا إلى الأرض قبل زمن طويل. أول من نادى بهذه الفكرة هو شخص يدعى زكريا سيتشن، في سبعينيات القرن الماضي، وهو عالِم في الاقتصاد والعلوم السياسية، ولا علاقة له بتاتًا باللغة المسمارية والأركيولوجي.

قام “سيتشن” بتأليف العديد من الكتب التي تشرح نشأة البشرية، معطيًا الدور الأكبر للفضائيين في تخصيب الجنس البشري، وقد بيعت ملايين النسخ من كتبه وحقق ثروة كبيرة من وراء ادعاءاته الزائفة، استغل “سيتشن” تلك الفترة حيث راجت الخرافات في الأوساط العامة حول الأطباق الطائرة ومثلث برمودا وغيره من الضجيج الإعلامي المنتشر حينها، فقام بصنع خرافته وتضخيمها لتحقيق ربح مادي، والجدير بالإشارة أن المجتمع الأكاديمي يرفض قطعًا جميع هذه الفرضيات ويؤكد أن تلك السرديات هي مجرد قصص تهدف لإيجاد تفسيرات للأمور الغير مفهومة بالنسبة إليهم.

أحد ادعاءات “سيتشن” هو رقم طيني يظهر الشمس والقمر والكواكب التسعة، مضافًا إليهم كوكب يدعى “نيبيرو”. ويتساءل عن كيفية معرفة السومريين بوجود تسعة كواكب؟ ويجيب أن الفضائيين هم من أخبروهم بذلك، ويذهب في كتابه “‏‎”the 12th pl أحد ادعاءات “سيتشن” هو رقم طيني يظهر الشمس والقمر والكواكب التسعة، مضافًا إليهم كوكب يدعى “نيبيرو”، ويتساءل عن كيفية معرفة السومريين بوجود تسعة كواكب؟ ويجيب أن “الفضائيين هم من أخبروهم بذلك”. ويذهب في كتابه ‏‎”the 12th planet”‎‏ إلى أن السومريين قدموا لنا في 14 لوحًا طينيًا قام هو بترجمتهم! شرحًا لقدوم الأنوناكي من كوكب نيبيرو، وهذا الكوكب يحتاج (وفقًا لسيتشن) 3600 سنة أرضية ليكمل دورته. وسبب مجيئهم هو الذهب الذي سيحفظ بقاءهم، فهو يدخل في تركيبة الغلاف الجوي لكوكبهم، لكنهم لم يتمكنوا من استخراجه فخلقوا البشر!

يا لها من قصة مشوقة، تصلح لأن تكون فيلم خيال علمي، لكن لسوء حظ “سيتشن” أن ترجمته للوح خاطئة، إذ يختلف رمز الشمس عند السومريين عن الذي في اللوح، إضافةً لعدم وجود أي دليل أن السومريين عرفوا بوجود أكثر من خمسة كواكب في أي لوح مترجم من قبل العلماء.

ليس هنالك شك في أن الحضارات السومرية والبابلية كانت على قدر كبير من التقدم، وأنها حققت كشوفات في علم الفلك سبقت بها الأوروبيين وغيرهم بزمن طويل، لكن هل من المعقول أن ننسب حساباتهم وتطورهم إلى الفضائيين؟ الإجابة هي لا. لقد امتلكوا الوقت والمعارف المتراكمة التي حققت لهم ذلك. لا ينبغي أن يدفعنا النقص في معرفتنا بالكتابات التي لا زال العلماء يفكون أسرارها والغموض المحيط ببعض الاكتشافات إلى الانجرار وراء أي ادعاء مثير من مصادر غير موثوقة لسد تلك الثغرات.

وسأختم المقال بالإجابة على السؤال التالي: هل من الممكن أن تكون كائنات فضائية قد تزاوجت مع أفراد من الجنس البشري وساهمت في تطوره؟

جميع الأنواع الحية على الأرض تتشارك في البنية الحيوية نفسها المشفرة بأربعة حروف، والتي تسمى الحمض النووي ‏dna‏، وهو أحد أبرز الشواهد على انحدار جميع الأحياء من أصول مشتركة. ويتم تمييز الأنواع بالاعتماد على “الانعزال التكاثري” بين الكائنات، أي عدم حدوث تزاوج تكاثري بين أفرادها. لكن ولأن جميع الأحياء على الأرض تتشارك في الأصول، فإنها أقرب إلى بعضها من أي كائن غريب عن الحياة الأرضية. فنحن أقرب وراثيا إلى التمساح أو الفراشة من أي زائر فضائي (إن وجد)، والاستنتاج الطبيعي أن التخصيب بين كائن أرضي وفضائي هو أمر مستحيل.

للمزيد:

http://www.sitchin.com

Why Some People Think Ancient Sumerians Were Visited By Aliens

http://www.crystalinks.com/Anunnaki.html

https://www.sitchiniswrong.com

اقرأ أيضًا: رائد الفضاء الآلي بديلا للإنسان

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

Ali H. Sousou

باحث في الأنثروبولوجيا البيولوجية، ومهتم بالقضايا الإنسانية والفكرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق