سياسة و تاريخ

الحصن العثماني الأخير

بداية التغيير

عرف علماء أهل السنة والجماعة الخلافة بأنها “حراسة الدين وسياسة الدنيا” وبحسب هذا التعريف فلابد من خليفة للمسلمين يقودهم، ويسهر على أمور دنياهم ومعاشهم، كما يحافظ على دينهم ومعتقداتهم.

ولذلك انبرى العلماء في وضع الشروط الجسمانية والعقلية لهذا الخليفة المنشود حتى يتمكن من القيام بمهمته المنوط بها، ولكن مع انصرام القرون الثلاثة الأولى تغيرت طريقة اختياره الشرعية تغييراً جوهرياً، إلا أنها ظلت متماسكة من الناحية الشكلية حتى القرن التاسع.

وبحلول القرن التاسع تصدعت المؤسسة السياسية نتيجة ضعف الخليفة العباسي، وتكالب الأتراك وأصحاب النفوذ للاستثار بالحكم مما كان له أكبر الأثر في تغير شامل في بنية الدولة الإسلامية، فأصبحت الشرائع أوامر سلطانية، وأصبحت الخلافة ملكاً وأصبح الخليفة ظلا لا قيمة له سوى تحقيق مصالح زمرة تحكم فعلياً باسمه، ولكن مع ذلك كانت الخلافة ككيان مهم لدرء خطر الشيعية والحركات الباطنية من ناحية ولجمع شتات المسلمين من ناحية ثانية.

الدولة العثمانية

وبتولي الدولة العثمانية مقاليد الحكم حدث التغير الأهم والأكثر تأثيراً على واقعنا المعاصر.

فقد كانت الدولة العثمانية مزيجاً بين الملك والشريعة إلا أنها لم تكن بحال من الأحوال خلافة إسلامية بالطريقة التقليدية المعروفة. وذلك نظراً لاكتسابها شرعية الحكم بالقوة العسكرية المحضة، كما أنهم لم يكونوا عرباً، إضافة إلى ذلك كان العثمانيون الأوائل صوفيين يقدسون ابن عربي الذي كفره فقهاء وزعماء أهل السنة في العالم السني، والذي يبغون حكمه!!

كما لم تكن الدولة العثمانية دعوة لتوحيد الأمة، وإنما كان هناك انقسام حاد بين العسكر والرعايا من جهة، وبين الرعايا أنفسهم حسب أعراقهم من جهة، ورغم وجود النزعة القبلية والعرقية في دول سابقة على الدولة العثمانية إلا أن التقسيم بين المدنيين والعسكريين كانت  سابقة جديدة  من نوعها في العالم الإسلامي، مما جعل البعض يصنف الدولة العثمانية كأول دولة عسكرية في التاريخ الإسلامي.

مع دخول القرن السابع  عشر فقد الجيش انضباطه، وفسد نظام الحكم، وانهار نظام الإقطاع، وفسد نظام جباية الضرائب، وبمعنى آخر أفُلت شمس الدولة العثمانية وأطلق عليها أعداؤها لقب( الرجل المريض) الذي يُنتظر موته حتى يتم التهامه وتقسيم تركته.

عصر التحديث

وفي محاولة لإنعاش هذا  الرجل المريض ظن قادة الدولة أن الداء العضال الذي  سبب أفول نجم دولتهم  هو تأخرهم العسكري و العلمي فتفوقت  أوروبا عليهم، ولذلك  ساروعوا لسد الثغرات في هذا الجانب وليتهم ما فعلوا!!

وبتولي السلطان عبد المجيد قيادة  السلطنة حتى بدأ بعمليات التحديث والتي يطلق عليها حركة  “الإصلاحات العثمانية”، فبدأ بتطبيع الدولة بقوانين المدنية الأوربية والتي لم تكن مؤهلة لذلك مما كان له أكبر الأثر في سقوط الدولة والعجيل بنهايتها!

لم تكن فكرة تحديث الدولة العثمانية على نمط أوربا الغربية وليد تفكير القيادة السياسية فحسب بل سيطر على فئات كبرى من أقصى المجتمع إلى أدناه.

تبنى فكرة الاصلاح طلاب مدارس الارساليات التبشيرية، وكبار رجال البلاط وكبار الموظفين الذين شغلوا مناصب هامة في الدولة وقد كانوا تلقوا تعليماً غربياً وسيطرت عليهم  نمط الثقافة الغربية.

وفي الستينات ظهرت أولى الحركات الاصلاحية التي تحاول التوفيق  بين نمط التحديث الغربي وبين الشريعة الإسلامية وكان من أبرز هؤلاء رفعت باشا ونامق كمال وضيا باشا وقام هؤلاء بتأسيس أول حزب سياسي عام 1865.

وكما في إسطنبول معقل الخلافة الإسلامية ظهرت تيارات تنادي بالاصلاح في كل من مصر وتونس، وكان من أبرز هؤلاء الطهطاوي  وقاسم أمين في مصر وعلي خير الدين في تونس، ولكن القاسم المشترك بين كل هؤلاء هو أنهم تتلمذوا على يد الغرب.

نجاح التحديث

جاء  من رحم هذا التيار الذي يحاول التوفيق بين الشريعة والمدنية الغربية تيار جديد، يرى أن الدين لايستطيع بحد ذاته خلق دولة أو مجتمع، وقطع كل الصلة بين الدين والدنيا، واستطاع هذا التيار في النهاية بقيادة كمال أتاتورك أن يحول معقل الدولة التي حكمت العالم الإسلامي ما يربو عن خمسة قرون إلى دولة علمانية تحاد الاسلام، وتقطع كل صلة به وكان ذلك هو قمة نجاح التحديث!!!

أسباب السقوط

يقول شيشرون “أن الفرق البارز بين الإنسان والحيوان، هو أن الحيوان يسير بحواسه وليست لديه أي مفاهيم عن الماضي والمستقبل، وإنما يكيف نفسه لواقعه في حاضره، بينما امتاز الإنسان بالفعل الذي يتفهم بتسلسل النتائج فيرى مسببات الأحداث ويرى العلاقة بين السبب والنتيجة، وبين النتيجة والسبب ويرسم المقارنات، ويربط بين الماضي والمستقبل ويستعرض بسهولة وببساطة سير حياته كلها ليقيم الاستعدادات المطلوبة لكل ما يعمله “.

وإذا طبقنا نظرية شيشرون على التطور المفاجئ الذي حدث للدولة العثمانية من دولة تقدم نفسها كحامية لبيضة الإسلام  إلى ما يربوا عن ستة قرون وبين ما حدث بعد ذلك  من معاداه تامة للإسلام بعد نظم التحديث تبين لنا الآتي:

1. لم يكن الغرب بأستاذ نزيه ولا أمين وعندما تسلم بين يديه خيره شباب المسلمين ليعلمهم الفنون العلمية، فلم يفعل ذلك وفقط وإنما علمهم مبادئ العلمانية الغربية، والعقائد الهادمة للدين وبث فيهم ثقافته الغربية، فلما أتوا إلى أوطانهم لم يميزوا بين فارق التجربة الزمانية والمكانية، وطبقوا ما علمته إياهم التجربة الغربية من أن الدين سبب تخلف الأمم ،وضياع الحضارات، وانهيار الشعوب، فهدموا الدين حتى يستطيعوا بناء الدنيا.

2. المبادئ كالمتوالية الحسابية تسلم كل سابقة منها لتاليتها، فما إن تتنازل عن إحدي مبادئك حتى تفقدها كلها تدريجيا، وهذا ما حدث لقادة الإصلاح الذين انبهروا بالحداثة الأوروبية، وأرادوا أن يوفقوا بين الفكر الأوروبي (وليس العلوم الأوروبية)وبين الفكر الإسلامي.

وفي النهاية تحولوا تدريجياً إلى رفض الدين كمشروع حاكم، وتبنوا النظرة العلمانية في الحكم.

3. أول خطوة في سقوط أي حضارة واندثار أية أمة يكون بتدمير طاقات  الشعوب، وإهدار مواردها، لم تكن الدولة العثمانية في أواخر عهدها سوى دولة عسكرية متسلطة على الشعوب، تسومهم سوء العذاب، فهدمت الإنسان وأفقدته قيمته ،ففقد هو بالتالي أي عزيمة للنهوض.

4. كان العرب  الذين استعملهم النبي الكريم صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه من بعده  لنشر الدين وقيادة الأمم ليسوا سوى عرب لم يبلغوا من العلم مبلغاً حتى اشتق  لهم من الجهل اسماً، وهؤلاء أنفسهم هم  الذين هدموا حضارات قسرى وقيصر، برغم الفارق المادي الذي لا يقارن بين علوم العرب حينها وبين علوم الفرس والروم.

ودل ذلك على أن الدولة العثمانية لم تصب في تحديد المشكلة، وأن أفول نجمها كان لأسباب أخرى كثيرة. (وهذا لا يعني بطبيعة الحال التهاون في الجانب العلمي).

وعندما فشلت في تحديد المشكلة لم تستطع بالتالي حلها بل أضافت مشكلة أكبر .

5. بداية من حكم السلطان سليمان القانوني بدأت عهد الامتيازات الأجنبية في الدولة العثمانية، مما كان يعني تعدد وسائل الثقافة والتعليم بما أنشأه الأجانب من مدارس تبشيرية استطاعت على مدار جيلين أن تنخر في الثقافة العربية والإسلامية للمجتمع، وتشكك فيها، ولاسيما إذا علمنا أن جميع من أسسوا صحفاً في تلك الحقبة كانوامن طلبة هذه المدارس التبشىيرية.

كانت هذه أبرز الأسباب من وجهة نظري لسقوط الدولة العثمانية، وهي إجمالاً أن الدولة كانت تحمل في طياتها أسباب سقوطها، وفشلها ولولا مجموعة من العوامل التي ابتليت بها الأمة الإسلامية في ذلك الوقت فلم يكن ليكتب لها أن تحكم العالم الإسلامي طيلة هذه القرون.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق