مدونات

الحرية.. خذها أو اتركها

في عالمنا العربي، أينما وليت وجهك تجد كلمة الحرية، فمن مقهى الحرية إلى جزارها، إلى محل ملابس الحرية مرورًا بعطار الحرية، وحتى كباريه الحرية! ثم أخيرًا دكاكين أو أحزاب سياسية، إن جاز القول، تبيع وتشتري بكلمة الحرية، فمن حزب الحرية والبناء، إلى التنمية والحرية، ناهيك عن آلاف مؤلفة من الجمعيات الحقيقية وغير الحقيقية، النائمة منها والقائمة.

في كل الحواضر والمداشر والقرى، حيث تأخذ هذه الكلمة مكانها وحيزها مثلها في ذلك مثل شبيهاتها وقريناتها وأخواتها في المعجم.. فما هي الحرية؟
الحرية هي إمكانية الفرد دون أي جبر أو شرط أو ضغط خارجي على إتخاذ قرار أو تحديد خيار من عدة إمكانيات موجودة، مفهوم الحرية يعين بشكل عام شرط الحكم الذاتي في معالجة موضوع ما، والحرية هي التحرر من القيود التي تكبل طاقات الإنسان وإنتاجه سواء كانت قيودًا مادية أو معنوية، فهي تشمل التخلص من العبودية لشخص أو جماعة أو الذات، والتخلص من الضغوط المفروضة على شخص ما لتنفيذ غرض ما، والتخلص من الإجبار والفرض.

العالم العربي في تعامله مع هذا المفهوم، ينقسم لطرفين لا ثالث لهما، فمن جهة طرف يرى الحرية هي حرية التعبير و حرية التجمع و حرية التظاهر و حرية الصحافة، و إبداء الرأي المخالف و حرية العمل السياسي، و لا يتعداها إلى غير ذلك، في حين أن الطرف الثاني لا يرى سوى حرية العقيدة وحرية اللباس وحرية المرأة؛ هذا ما سيجعلك تستنتج أن لا أحد فعلا ينادي بالحرية بمفهومها الكامل والحقيقي، بل فقط بما يراه يخدم مصالحه، فلا تستغرب أن تنقلب الموازين ذات يوم، و ترى كل منهم يدعو إلى عكس ما كان يدعو له سابقًا.
الحرية إيمان أولًا وأخيرًا وقيمة ترفع من شأن الفرد وتعلي من ذاته، وتعتبر في العالم المتقدم هي الوجه الثاني للمسؤولية، فكلما كان الفرد حرًا كلما كان مسؤولا بشكل أكثر، والعكس صحيح.
وكلما سادت الحرية الدول، وجدت فيها قيم كالعدل والمحاسبة والمساواة، فلا فرق بين مواطن ومسؤول والكل يحاسب على أفعاله وأقواله، فلا فرق فيها بين كبير أو صغير، وفيها يطبق القول المأثور حريتك تقف حينما تبدأ حرية الأخرين، وهذا هو الأصل.
أما في مجتمعات منغلقة على نفسها، تعيش حالات لا تنتهي من النفاق الإجتماعي، تصبح الحرية كابوسًا لدى البعض بل وإزعاجًا لهم، لأنها بكل بساطة ترفع عنهم الهالة المزيفة التي لطالما أحاطوا بها أنفسهم، وتنزع عنهم قدسية خادعة، ظلوا يغذونها ببروباغندا طاغية.
هناك في الأرض التي تغيب فيها شمس الحرية، يصبح الفساد مع مرور الوقت أصلًا متأصلًا، ينخرط الكل فيه بشدة، فلا تتعجب أن ترى بعض الحفاة العراة أصبحوا من ذوي الشأن والهمم، ذلك لأنهم أقاموا ثرواتهم في جنح الليل حيث الصفقات المشبوهة بلا حساب، وحيث يأكلون أموال الشعب كما تؤكل أموال اليتيم.

ومن  المفارقات المضحكات أن تجد أحد الشيوخ يطلق فتاويه المتطرفة في بلد أوربي يحترم القانون وينعم فيها بكامل حريته، فتجده يكفر الناس هناك ويعتبرهم ضالين، في حين أنه في وطنه الأصلي التي يزعم أنها أرض إسلام، لا يستطيع أن يبت فيها ببنت شفة دون إذن من ولي الأمر.

يقول لك البعض مثلا أن باب الحرية إن فتح ستأتي من وراءه أهوال عظيمة، كأن يقولون أن حرية العقيدة ستؤدي لأن يترك الناس دين الإسلام، و هذا في رأيي أكثر حجة تضعف الإسلام، فكأنما يقول أن الناس ينتمون لهذا الدين الحنيف كرهًا، و يا ليتهم يدركون الفرق ما بين مؤمن عن قناعة ومعرفة وإيمان، وما بين المؤمن عادة أو خوفا.

وآخر يقول أن حرية التعبير فتنة، فيسب هذا ذاك و يشتم هذا الأخر،  أقول له أنت في دولة قانون ولديك قوانين تؤطر هذه الحرية، وتجعل صاحبها مسؤولًا عن أقواله وأفعاله، ولأننا في دولة حرية فمن حقه أن يقول، ولأننا في دولة قانون فسيعاقب على ما قاله إن كان مخالفا.

يقول لك بعض البسطاء أن فتح باب الحرية سيفتح المجال لحريات يعتبرها غير مرغوب فيها، كحرية اللباس خصوصًا لدى المرأة، و يزيدك آخر نحن لا نريد أن نرى الشذوذ الجنسي يدخل منازلنا، هذا للأسف اعتقاد أخر وأهم.

وآخر يقول أنها تفتح باب المظاهرات والفوضى. أقول لهم أولا أن الحرية كقيمة إنسانية لها إيجابياتها الكثيرة وقد تكون لها بعض الأثار الجانبية، لكن الأكيد أن منافعها أكبر من أضرارها، وثانيًا أهم ميزات الحرية أنها تفتح باب النقاش للجميع، و ثالثًا بالنسبة للمظاهرات والفوضى، أقول لهم أنه كلما زادت الحرية، كلما فتح باب التباري السياسي ببن كل الفاعلين دون إقصاء، مما يعني تمثيلًا أكبر للشارع، و هذا يعني أن معظم الفئات لن تضطر للخروج في مظاهرات، لأن مطالبها ممثلة بشكل شرعي في من تراه ينوب عنها.

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

boufouss omar

كاتب و مدون و محرر مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق