سياسة وتاريخ

الحرب في الإسلام: ما بين غزوة وفتح ودعوة

قبل أن نتحدث عن الحرب في الإسلام، يجب أن نقف على كل غزوة غزاها النبي صلّى الله عليه وسلم لنعرف أسبابها والداعي إليها، وكيف تطور الصراع إلى أن شمل الجزيرة العربية كلها، بل وامتد حتى حدود الشام، حيث كانت غزوة “تبوك”عام تسعة من الهجرة النبوية، ثم نقف على تلك الحروب التي خاضها المسلمون في عهد الخلفاء الراشدين، والفتوحات والغزوات الإسلامية؛ لنعرف كيف تطور الصراع إلى أن امتد إلى ممالك الفرس والروم.

الجبهة القرشية:

قريش لم تكتف بما فعلته بالمسلمين في مكة، بل حين ترك لهم النبي -صلّى الله عليه وسلم- مكة وخرج مهاجرًا، إذا بهم يرسلون إلى أهل المدينة يتوعدونهم، كما روى “الإمام البيهقي” في دلائل النبوة: “أَنَّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ كَتَبُوا إِلَى ابْنِ أُبَيٍّ وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ مَعَهُ الْأَوْثَانَ مِنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ وَرَسُولُ اللَّه صَلَّ اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ بِالْمَدِينَةِ قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ: إِنَّكُمْ آوَيْتُمْ صَاحِبَنَا وَإِنَّا نُقْسِمُ بِاللهِ لَتُقَاتِلُنَّهُ أَوْ لَتُخْرِجُنَّهُ أَوْ لَنَسِيرَنَّ إِلَيْكُمْ بِأَجْمَعِنَا حَتَّى نُقَاتِلَ مُقَاتِلَتَكُمْ وَنَسْتَبِيحَ نِسَاءَكُمْ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ عَبْدَ اللَّه بْنَ أُبَيٍّ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ، اجْتَمَعُوا لِقِتَالِ رَسُولِ اللَّه صَلَّ اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّ اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقِيَهُمْ فَقَالَ: لَقَدْ بَلَغَ وَعِيدُ قُرَيْشٍ مِنْكُمُ الْمَبَالِغَ مَا كَانَتْ تَكِيدُكُمْ بِأَكْثَرَ مِمَّا تُرِيدُونَ أَنْ تَكِيدُوا بِهِ أَنْفُسَكُمْ، تُرِيدُونَ أَنْ تُقَاتِلُوا أَبْنَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ، فَلَمَّا سَمِعُوا ذَلِكَ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّ اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَفَرَّقُوا”.

أضف إلى ذلك أن قريشًا صادرت أموال المسلمين، وحبست المستضعفين، وفتنتهم عن دينهم، ومنعت طائفة من المسلمين عن الهجرة، ومع ذلك لم يبدأ النبي صلّ الله عليه وسلم بحربهم مباشرة، بل كانت غزواته موجهة إلى قوافلهم، وطريق تجارتهم، وذلك لهدفين:

الأول: إعلام قريش أن الإسلام قد غدا له درع يقيه، وسيف يحميه، وباستطاعة المسلمين تهديد طرق التجارة.

الثاني: أن هذا المال حق مسلوب لا بد أن يعود.

وفي غزوة بدر، لم يكن النبي صلّى الله عليه وسلم يريد قتالًا، ولكن أبا جهل أبَى إلا الإرغام على القتال أو الذلة والصغار، فقال: “والله لا نرجع حتى نرد بدًرا، وننحر الجزور، وتعزف القينات فتتحدث العرب بمسيرنا”، وللقارئ أن يتخيل هذا المشهد، يذهب النبي صلّى الله عليه وسلم لملاقاة العير، ثم تفلت العير، ثم يصادف أن يلتقي الجيشان عند ماء بدر حيث سوق العرب وملتقى القوافل، ثم يعود المسلمون إلى المدينة بعد أن رأوا جيش قريش، ثم يُعلن الصخب والصياح، وتكون المعازف والقينات والمآدب، وتتحاكى العرب أن جيش المدينة قد جبُن وخنع، فمن يرضى على نفسه بهذا؟ وكان ما كان.

ولا يخفى على مطالعٍ للسيرة أن غزوة بدر كانت هي الفاتحة لما بعدها حتى فتح مكة، ونعلم بهذا أن النبي صلّ الله عليه وسلم لم يُحارب مختارًا، بل فرضت عليه الحرب فرضًا.

جبهة القبائل العربية والأعراب:

هذه الجبهة كانت حول المدينة شمالًا وشرًقا وجنوبًا، وكانت تشغل الحيِّز بين مكة والمدينة، ومن ساحل البحر حتى حدود العراق، وقد غزاهم النبي صلّ الله عليه وسلم لإغارتهم على المدينة، فبنو سليم بعد بدر بسبعة أيام فقط كانوا يعدون العدة لغزو المدينة، وكانت هذه الغزوة فاتحة الغزوات؛ حيث ناصبوا النبي صلّ الله عليه وسلم العداء، وجمعوا له الجموع، وقتلوا القراء في وقعتي الرجيع وبئر معونة في شهر صفر من العام الرابع الهجري، وتكالبوا وتعاقدوا مع قريش ومع اليهود لحرب رسول الله كما في غزوة الأحزاب، ولم  تنكسر شوكتهم إلا بعد غزوة ذات الرقاع عام سبع من الهجرة، أي بعد صلح الحديبية وغزوة خيبر، وانقطاع الظهير لهم من الشمال حيث اليهود، ومن الجنوب حيث أهل مكة.

جبهة اليهود:

أولًا: بنو قينقاع

ويكفي ما رواه ابن هشام في ذلك: “عن أبي عون أن امرأة من العرب قدمت بجلب لها، فباعته في سوق بني قينقاع، وجلست إلى صائغ، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها فأبت، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها -وهي غافلة-، فلما قامت انكشفت سوأتها، فضحكوا بها، فصاحت، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله -وكان يهوديا-، فشدت اليهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود، فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع”، أفليس هذا الصنيع مجلبة للحرب وصريخًا لها.

ثانيا: بنو النضير

وهؤلاء بعد وقعة بئر معونة التي قُتل فيها سبعين من القراء، قام عمرو بن أمية الضمري بقتل رجلين من بني كلاب كانا قد أخذا عهدًا من رسول الله صلّ الله عليه وسلم، ولأنهما قَتلا خطأً, فقد أرادا النبي صلّى الله عليه وسلم أن يدفع لعاقلتهما الدية، فذهب إلى بني النضير ليساعدوه عليها، فسلطوا عليه عمرو بن جحاش ليلقي عليه الرحى، وهذا فيه ما فيه من إعلان حرب.

ثالثًا: بنو قريظة

وهؤلاء خانوا النبي صلّى الله عليه وسلم يوم الخندق، وجريمتهم جريمة حرب.

رابعا: يهود خيبر ووادي القرى وفدك

وهؤلاء هم من جمعوا الجموع لرسول الله صلّى الله عليه وسلم يوم الخندق، ومع ذلك أبقاهم النبي في ديارهم.

ويتضح من خلال هذا العرض الموجز للغزوات التي تمت في الجزيرة العربية، أن الجزيرة العربية كلها قد صارت ميدانًا للصراع، بين المسلمين من جهة، وبين قريش وقبائل العرب والأعراب واليهود من جهة أخرى، وكلهم قد رموا النبي صلّى الله عليه وسلم عن قوسٍ واحدة، وكان لا مناص من محاربتهم جميعًا في وقت واحد، ومع ذلك لم يكن النبي صلّ الله عليه وسلم يترك فرصة للسلام والموادعة، إلا ووادع القبائل كما فعل مع جهينة وأسلم ومزينة وغفار، وكما صالح قريشًا يوم الحديبية.

كانت غزوات النبي صلّى الله عليه وسلم أكثرها لتأديب القبائل، فلم يكن يحرص على سفك الدم؛ ولذلك نجد في أكثر غزوات النبي صلّ الله عليه وسلم أن متن الروايات فيها تنتهي بقوله: “ولم يلق كيدًا” أي لم يجد محاربين.

حدث هذا في غزوة الأبواء، وهي أول غزوات النبي صلّى الله عليه وسلم، وأيضاً في غزوة بواط، أو تنتهي الغزوة بقوله: “ففروا وتركوا ديارهم”، أو “ففروا على رؤوس الجبال” كما حدث في غزوة بني سليم، وفي غزوة بني لحيان، أو في غزوة دومة الجندل، أو ذي أمَر.

وهذا يدل على أن النبي صلّى الله عليه وسلم كان يسمح للعيون أن تترصده وتعرف وجهته حتى يتحاشوا الحرب.

وقبل أن يأتي بنا الحديث إلى الكلام عن الفرس والروم، فلابد من العلم أن الإسلام دين عالميٌ بنص قول الله تعالى: “وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين”، ومن هنا كانت الرسالة المحمدية للعالم أجمع، ومن هنا كاتب النبي في العام السابع للهجرة ملوك العالم يدعوهم فيها إلى الدخول في الإسلام.

والسؤال الآن.. أكانت الفرس والروم على قوتهما وطغيانهما يقبلان مبادئ الإسلام؟ بل أكانوا يسمحون للدعاة والمبشرين إلى السياحة في الأرض مبشرين بالإسلام؟

ومن هنا فالمواجهة عقلًا كانت حتمية، ومع ذلك لم يسعَ النبي صلّ الله عليه وسلم للحرب، وكلنا يعرف كيف ردَّ كسرى على رسالة النبي صلّى الله عليه وسلم.

جبهة الروم:

وسبب فتح هذه الجبهة، أن النبي صلى الله عليه وسلم بحكم كونه وبنص القرآن الكريم مبعوث إلى الناس كافة، فلقد بعث الحارث بن عمير الأزدي بكتابه إلى عظيم بصرى، فعرض شرحبيل بن عمرو الغساني -وكان عاملًا على البلقاء من أرض الشام من قبل قيصر- للحارث بن عمير فأوثقه رباطًا، ثم قدمه، فضرب عنقه، وهذه كانت فاتحة الصراع بين المسلمين وبين الدولة البيزنطية التي تمتد حتى المحيط الأطلنطي، وكل الفتوحات التي تآكلت معها حدود الدولة البيزنطية، فقد كانت لتأمين الدعوة من جهة، ومن جهة أخرى لتأمين الدولة، إذ ظلت الصراعات بين الدولة الإسلامية والروم مستمرة، فلم يفتح المسلمون الشام فقط، بل تتابع الصراع وانتقل من بلد إلى بلد، حتى ودعت دولتهم بلاد الشرق والغرب.

الجبهة الفارسية:

وقد بدأ الصراع مع هذه الإمبراطورية الساسانية في حروب الردة، حيث ناصروا المرتدين وأمدوهم بالسلاح، فاستأذن المثنى بن حارثة سيدنا أبا بكر -رضي الله عنه وأرضاه- في قتالهم، واستمر الصراع حتى سقطت إمبراطوريتهم كلها، وامتد الإسلام من المحيط إلى الخليج، ومن حدود الصين شرقًا وحتى جبال البرانس عند حدود فرنسا غربًا.

الإسلام وجهاد الطلب

مما سبق نعلم أنه ليس في الإسلام جهاد طلب، لأنه وببساطة جهاد الطلب يعني أن الفرس والروم لو كانتا دخلتا في الإسلام، أو سمحت للدعاة بالدعوة إلى الله تعالى، فإن المسلمين كانوا سيجتاحون أرضهم, وهذا أولًا افتراء على دين الله تعالى، وثانيًا جهل بسَير الغزوات وأسبابها، والظروف التي صاحبت الفتوحات الإسلامية، وأخيرًا هذه تهمة كفيلة بأن تجعل الإسلام دينًا للسلب والنهب لا دين السلامة والأمن.

الفرق بين التوسع الديني والتوسع السياسي

لا بد أيضا من التفرقة بين التمدد السياسي للإسلام، وبين الدعوة الإسلامية؛ فالتمدد السياسي أٌجبر عليه المسلمون، نظرًا للصراع الحتمي مع القوتين الاستعماريتين، وأما التمدد الدعوي فإنه لم يجبر أحد من أهل البلدان المفتوحة على الدخول في الإسلام، وسماحة الإسلام مع أهل البدان المفتوحة مما تحدث بها القاسي والداني والعدو قبل الصديق.

اقرأ أيضًا: الفتوحات الإسلامية والغزو الإمبريالي للعالم

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

سعيد عبدالخالق طه

عضو المركز الإسلامي المصري بدار السلام تنزانيا ليسانس اللغة العربية جامعة الأزهر عضو المركز الإسلامي المصري بتزانيا أؤمن أن لشريعتنا الإسلامية فلسفة لا بد أن تدرك نقدم رؤية لا أكثر
زر الذهاب إلى الأعلى