سياسة وتاريخ

الحرب الروسية الأوكرانية وانعكاساتها على العالم

بِالْعوْدة إِلى اَلجُذور الأساسيَّة لِلْأزْمة بَيْن كُلٍّ مِن رُوسْيَا وأوكْرانْيَا بِالْعوْدة تاريخيًّا إِلى تَارِيخ هذيْنِ البلديْنِ فِي اَلعُصور اَلوُسطى كَوَّن الأزْمة بَيْن رُوسْيَا وَا أُوكْرانْيَا تَعُود إِلى هَذِه الحقْبة مِن الزَّمن، فَكلا البلديْنِ لَديهِما جُذُور تَعُود إِلى الدَّوْلة السُّلافيَّة الشَّرْقيَّة بِاسْم ( كِييف رُوس ” أُوكْرانْيَا “).

وكَان طريق هاتيْنِ الأمَّتيْنِ عَبْر التَّاريخ مُخْتلِفًا، بِسَبب الثَّقافات واللُّغات المخْتلفة رَغْم الجوَار الجغْرافيِّ فِيمَا بيْنهم. حَيْث نتج عن انهِيار الإمْبراطوريَّة الرُّوسيَّة بِواسِطة الثَّوْرة البلْشفيَّة عام 1917 تَحوُّل كبير لِلْإمْبراطوريَّة الرُّوسيَّة والدُّول اَلتِي كَانَت مِن ضِمْن نِطَاق حُكْمِها ، بِالتَّالي اِسْتقَلَّتْ أُوكْرانْيَا قليلا عن رُوسْيَا قليلا قَبْل قِيَام الاتِّحاد السُّوفْياتيِّ وَالذِي أَعَاد اِحْتلالهَا عَسكرِيا مَرَّة أُخرَى وبقيتْ تَحْت الاحْتلال السُّوفْياتيِّ حَتَّى اِنْهياره عام 1991 حَيْث كَانَت بِيلاروسْيَا وَا أُوكْرانْيَا مِن بَيْن الجمْهوريَّات اَلتِي دَقَّت المسامير الأخيرة فِي نَقْش الاتِّحاد السُّوفْياتيِّ.

حاولتْ مُوسْكو بَعْد اِنهِيار الاتِّحاد السُّوفْيتيِّ الاحْتفاظ بِنفوذهَا عن طريق تَأسِيس رَابِطة الدُّول المسْتقلَّة ( جِيء أيُّ أُس ) حَيْث كَانَت أُوكْرانْيَا فِي الحقْبة الواقعة الزَّمنيَّة الواقعة مَا بَيْن ( 1917 – 1991 ) تُعتَبَر مِن أهمِّ مَصادِر الثَّروات الطَّبيعيَّة والْمعْدنيَّة وتحْديدًا الفحْم الطَّبيعيَّ والْمحاصيل الزِّراعيَّة المخْتلفة أيْضًا وموْقعهَا الاسْتراتيجيَّ الواقع على البحْر الأسْود وكانتْ أُوكْرانْيَا أيْضًا فِي عَهْد الاتِّحاد السُّوفْياتيِّ مُسْتوْدَع التِّقْنيَّات العسْكريَّة اَلمهِمة وكانتْ أَقوَى جُمْهوريَّة سُوفْياتيَّة بَعْد رُوسْيَا ، لِذَلك تَعتَبِر أُوكْرانْيَا ذات أَهَميَّة اِسْتراتيجيَّة واقْتصاديَّة وثقافيَّة مُنْذ اِنْفصالهَا عن الاتِّحاد السُّوفْياتيِّ عام 1991.

فِي عام 1994 أَصبَح هُنَاك تَحوُّل كبير فِي السِّياسات الأوكْرانيَّة اَلتِي عَبرَت عَنْه بِالتَّخلِّي عن تِرْسانتهَا النَّوويَّة بِالتَّوْقيع على مُذَكرَة بُودابسْتْ بِشَأن الضَّمانات الأمْنيَّة وَعدَم اِسْتخْدام اَلقُوة اَلتِي تُهدِّد السَّلامة الإقْليميَّة وَضَمان الاسْتقْلال السِّياسيِّ لِأوكْرانْيَا مِن قَبْل الولايات المتَّحدة الأمْريكيَّة وروسْيَا ورغْم اِسْتقْلال أُوكْرانْيَا أُوكْرانْيَا نَظرَت رُوسْيَا إِليْهَا كَجُزء مِن مَجَال نُفوذِهَا ، وَفِي عام 2008 رَفْض بُوتين اِنضِمام أُوكْرانْيَا إِلى حِلْف شَمَال الأطْلسيَّ ( النَّاتو ) ، وَسبَب الرَّفْض مِن قَبْل بُوتين هُو أنَّ سِيادة أُوكْرانْيَا لََا تَعلُون على الدُّول الأعْضاء فِي حِلْف وارْسو ، بِالتَّالي خَشيَة رُوسْيَا مِن أن تَكُون حُدودهَا مُلَاصقَة بِشَكل مُبَاشِر وقريب جِدًّا مع حِلْف النَّاتو وَهذَا بِدوْره يُشكِّل خطرًا كبيرًا على أَمْن واسْتقْرار رُوسْيَا وَيضعِف حُدودَهَا وَتصبِح قَرِيبَة جِدًّا على خطِّ المواجهة مع الدُّول الأعْضاء فِي حِلْف شمَال الأطْلسيَّ وتحْديدًا الولايات المتّحدة الأمْريكيَّة.

الحرب الروسية الأوكرانية

وفِي عام 2014 سَيطرَت رُوسْيَا على شِبْه جَزِيرَة القرْم وتحْديدًا فِي 3 / 2014 بِتأْكيدهَا سابقًا أَنهَا سَوْف تَستعِيد شِبْه الجزيرة بِكافَّة الوسائل المتاحة، حَيْث أَصبَح هُنَاك مَجمُوعة مِن الأزمات المرْتبطة اِرْتباطًا مُباشِرًا فِي شِبْه جَزِيرَة القرْم تَمثلَت بِعَدد مِن الاتِّجاهات أوَّلهَا عدم اِعتِراف مُعظَم دُوَل العالم بِسيادة رُوسْيَا على شِبْه الجزيرة وفرْض عُقوبَات على رُوسْيَا بِسَبب اِحْتلالهَا لِشبْه الجزيرة وقيامهَا بِانْتهاك سِيادة أُوكْرانْيَا.

اِعْتبَرتْ أُورُوبا اِحْتلالا رُوسًا لِشَبه جَزِيرَة القرْم يُعتَبَر خطرًا كبيرًا يُهدِّد أُوكْرانْيَا والدُّول المجاورة لَهَا بِسَبب قِيَام رُوسْيَا بِوَضع التِّرْسانة العسْكريَّة فِيهَا ، حَيْث اِدَّعت رُوسْيَا أنَّ سبب اِحْتلالهَا لِشَبه جَزِيرَة القرْم كان بِسَبب قِيَام أُوكْرانْيَا بِقَطع الميَاه العذْبة عن رُوسْيَا وتحْديدًا إِغلَاق قَنَاة شَمَال القرْم اَلتِي تُلبِّي مِن حَاجَة الميَاه مَا نِسْبته 85 ? مِن سُكَّان وأراضي رُوسْيَا وَهذَا بِدوْره قام بِتعْمِيق الأزْمة بَيْن كُلٍّ مِن رُوسْيَا وأوكْرانْيَا.

وَفِي عام 2014 تَعمقَت الأزْمة بَيْن رُوسْيَا وأوكْرانْيَا بَعْد الانْقلاب على اَلرئِيس الأوكْرانيِّ اَلمُؤيد لِروسْيَا ، وهذا أدى إلى ظهور  مَجمُوعة مِن حَرَكات الانْفصاليِّين فِي إِقْليم دُونْبَاس وتحْديدًا فِي مدينَتي لُوغاسْتك وُدونسْتك وَهذَا بِدوْره أَدَّى إِلى اِشتِعال حَرْب بَيْن الانْفصاليِّين الموالين لِروسْيَا والْجَيْش الأوكْرانيِّ وَالذِي عَزَّز مِن وَتِيرَة الأزْمة بَيْن رُوسْيَا وأوكْرانْيَا لِلْوصول إِلى حدِّ الصِّدَام العسْكريِّ

حَيْث فِي 24.4.2022 قَامَت رُوسْيَا بِحمْلتهَا العسْكريَّة ضِدَّ أُوكْرانْيَا لِعَدد مِن الأسْباب وَمِنهَا اَلجُذور القديمة لِلْأزْمة وحجْم التَّوتُّرات فِيمَا بيْنهم وأيْضًا سَعْي أُوكْرانْيَا لِلانْضمام إِلى الاتِّحاد الأوروبِّيِّ وحلْف شَمَال الأطْلسيَّ وَهذَا يُعتَبَر تهْديدًا مُباشِرًا لِلْأمْن اَلقوْمِي الرُّوسيِّ وشنَّ هَذِه الحمْلة جَاءَت لِحفْظ أَمنِها اَلقوْمِي.

 اِنْعكاسات الحرْب الرُّوسيَّة الأوكْرانيَّة على المجْتمع والنِّظام اَلدوْلِي

إِنَّ الحرب الروسية الأوكرانية قد أَظهَرت لَنَا أنَّ النِّظَام اَلدوْلِي قد تَأثَّر كثيرًا وبالتَّالي أَصبَح هُنَاك تحوُّلَات وَاضِحة على العلاقات بَيْن الأطْراف الرَّئيسيَّة وَمِن هَذِه التَّحوُّلات:

أوَّلا: نِهاية زمن اَلقُطب الواحد 

قِيَام مُوسْكو بِاجْتياح أُوكْرانْيَا قد أَظهَر بِمَا لََا يدع أيَّ مَجَال لِلشَّكِّ بِأنَّ النِّظَام اَلدوْلِي قد اِنتقَل مِن عَالَم اَلقُطب الواحد إِلى عَالَم مُتَعدد الأقْطاب أو يُمْكننَا القوْل ظُهُور بَعْض التَّكتُّلات السِّياسيَّة الصَّاعدة الموازية لِلْولايات المتَّحدة الأمْريكيَّة ( رَغْم أنَّ الولايات المتَّحدة الأمْريكيَّة لََا تَزَال الآن المتربِّعة على عَرْش اَلقُوة فِي العالم.

ثانيًا: رفض بُوتين نِفَاق الغرْب 

تحْديدًا بِمَا يَتَعلَّق بِالْقوانين الدَّوْليَّة وقيام العالم بِالْكَيْل بِمكْياليْنِ وَخصُوصا عدم اِلتِفات أَنظَار الغرْب والْقانون اَلدوْلِي على الولايات المتَّحدة الأمْريكيَّة بِمَا قامته مِن أَعمَال شَنِيعَة فِي العرَاق ، أيُّ إِدانة العالم لِروسْيَا لِغزْوِهَا لِأوكْرانْيَا وإغْفاله عن غَزْو واشنْطن لِلْعرَاق.

ثالثًا : اِصطِفاف صِينيٌّ رُوسيٌّ وَاضِح .

رابعًا : التَّشْكيك فِي صِدْق اَلحلِيف الأمْريكيِّ

وتحْديدًا مَا كشفتْه الأزْمة عن سُوء الإدارة الأمْريكيَّة لِلْأزْمة الرُّوسيَّة الأوكْرانيَّة وَسبَب فِي تَعقِيد الأزْمة وَهذَا السَّبب اَلذِي أَدَّى بِروسْيَا إِلى التَّدَخُّل العسْكريِّ والْقيام بِالْحمْلة العسْكريَّة .

أَدَّت الحرْب الرُّوسيَّة الأوكْرانيَّة وَمُنذ بَدْء الأزْمة إِلى خَلخلَة قَويَّة فِي اَلعدِيد مِن القطاعات والْأسْواق تَمثلَت فِي ثَلَاث أَسوَاق رَئيسِية:

1. سُوق الطَّاقة مِن النِّفْط والْغَاز الطَّبيعيِّ تَعتَمِد دُوَل الاتِّحاد الأوروبِّيِّ على اِسْتيرادهَا النِّفْط بِنسْبة 25 في المائة والْغَاز الطَّبيعيُّ بِنسْبة 40 في المائة مِن رُوسْيَا بِشَكل كبير ، بِالتَّالي بِسَبب هَذِه الحرْب اِرْتفَعتْ أَسعَار النِّفْط بِشَكل غَيْر اِعْتياديٍّ وَيعُود السَّبب فِي ذَلِك تَقلُّص الصَّادراتاَلرُّوسِيَّةَ مِنْ اَلنِّفْطِ وَالْغَازِ اَلطَّبِيعِيِّ كَوَّنَهَا تُعْتَبَرُ مِنْ أَكْبَرَ وَأَكْثَرِ اَلدُّوَلِ إِنْتَاجًا وَتَصْدِيرًا لِلنِّفْطِ وَذَاتَ مَرْتَبَةٍ أُولَى عَالَمِيًّا فِي إِنْتَاجِ وَتَصْدِيرِ اَلْغَازِ اَلطَّبِيعِيِّ إِلَى دُوَلِ اَلْعَالَمِ وَتَحْدِيدًا اَلدُّوَلَ اَلْأُورُوبِّيَّةَ.

وَيَعُودَ هَذَا اَلتَّقَلُّصِ فِي صَادِرَاتِ رُوسْيَا فِي مَجَالِ اَلطَّاقَةِ بِسَبَبِ اَلْكَمِّ اَلْهَائِلِ مِنْ اَلْعُقُوبَاتِ اَلْأَمْرِيكِيَّةِ وَالْأُورُوبِّيَّةِ عَلَيْهَا ، وَهَذِهِ اَلْحَرْبُ اِنْعَكَسَتْ بِشَكْلٍ سَلْبِيٍّ عَلَى اَلنُّمُوِّ وَالتَّعَالِي اَلِاقْتِصَادِيِّ فِي اَلْعَالَمِ وَخُصُوصًا بَعْد أَزْمَةٍ coved 19 ) ) بِالتَّالِي حَاوَلَتْ أَنْ تُعَوِّضَ اَلدُّوَلُ اَلْمُنْتِجَةُ لِلنِّفْطِ بِحُدُودِ 5 مَلَايِين بِرْمِيلِ مِنْ اَلنِّفْطِ يَوْمِيًّا بَدَلاً مِنْ رُوسْيَا .

2. سُوقُ سِلَعِ اَلْمَوَادِّ اَلْغِذَائِيَّةِ اَلْأَسَاسِيَّةِ ، حَيْثُ شَهِدَ هَذَا اَلسُّوقِ اِرْتِفَاعًا مُفَاجِئًا فِي أَسْعَارِ بَعْضِ اَلسِّلَعِ اَلْغِذَائِيَّةِ وَتَحْدِيدًا اَلْقَمْحَ وَالشَّعِيرَ وَالذُّرَةَ وَالْحُبُوبَ ، حَيْثُ تُقَدَّرُ إِنْتَاجِيَّةُ كُلٍّ مِنْ رُوسْيَا وَأُوكْرَانْيَا لِلْقَمْحِ 25 ? مِنْ اَلْإِنْتَاجِ اَلْعَالَمِيِّ .

3. سُوقُ اَلْأَسْمِدَةِ وَالْكِيمَاوِيَّاتِ وَالْمَعَادِنِ حَيْثُ تَحْتَلُّ رُوسْيَا مَوْقِعًا مُتَقَدِّمًا عَلَى مُسْتَوَى اَلْعَالَمِ فِي هَذَا اَلْمَجَالِ حَيْثُ إِنَّ مُشْكِلَةَ خُذَا اَلسُّوقَ قَدْ أَثَّرَتْ بِشَكْلٍ كَبِيرٍ عَلَى قِطَاعَاتٍ أُخْرَى فِي مُقَدِّمَتِهَا اَلنَّقْلَ وَالسِّيَاحَةَ وَالْمُشْتَقَّاتِ اَلنِّفْطِيَّةَ وَالْمَاكِينَاتِ حَيْثُ تَأَثَّرَ اَلْعَالَمُ بِشَكْلٍ كَبِيرٍ وَتَحْدِيدًا اَلْمِنْطَقَةَ اَلْعَرَبِيَّةَ نَظَرًا لِاعْتِمَادِهَا اَلْمُفْرِطِ عَلَى اَلِاسْتِيرَادِ فِي كُلِّ شَيْءِ تَقْرِيبًا.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

أ.عبد النبي الشلالدة

كاتب وباحث سياسي
زر الذهاب إلى الأعلى