مدونات

الحب فوق البناية

أحب المشي كثيرا.. يشعرني بحالة من صفاء الذهن والارتياح، أمر في شوارع حي الدقي حيث طريقي المعتاد للوصول إلى الصالة الرياضية، لا أنظر حولي كثيرا، في العادة أكون سارحة في ملكوت حياتي منصتة لصوت الموسيقى المنبعثة من سماعات الأذن الخاصة بي. لكن، منذ فترة ليست بقليلة لمحت عيناي بيت كبير من طابقين، مكتوب على بابه “فيلا نينا”. 

أحب المعمار التراثي والبيوت القديمة، يضفوا إحساسا بالبهجة بداخلي، لكنه لم يكن قديم جدا بل أضيفت عليه لمسات الحداثة دون تدمير لأصالته. اعتقدت أن الأمر انتهى إلى هنا، لكني رأيت امرأة، أظن أن عمرها تجاوز الستين، شعرها أبيض قصير، ترتدي نظارة تشبه نظارة جدتي وقميص أبيض طويل. وعند الاقتراب أكثر ظهر بجوارها رجل بنفس العمر تقريبا أو أكبر، فانحنائة ظهره تقول أنه بلغ من العمر عتيا. يجلسان فوق سطح البيت سويا، للأسف يتوجب علي قطع الطريق وأن أدلف من شارع أخر.

لا أعلم لما ظلت صورتهما عالقة بذهني. نسج خيالي الكثير من السيناريوهات الدرامية لحياتهم، بدئاً من قصة حب أفلاطونية، لمصاعب وأزمات، وسفر الأولاد وبعدهم عنهم. كل هذا جعلني أنتظر العودة بفارغ الصبر، لكنهما مع الأسف لم يكونا بانتظاري. 

في اليوم التالي تكرر المشهد، ركزت بصري من مسافة أبعد لأحصل على أكبر قدر من التفاصيل، نفس المكان والتوقيت تقريبا وهما في نفس الوضع جالسان أمام بعضهما يحمل كل منهما كوبا من الشاى ويتحاورا. لوهلة تمنيت أن أستمع لما يقولا، لم يكن التحديق فى الأخرين أو اقتحام مساحتهم الشخصية من شيمي أبدا. شعرت بالخجل من نفسي لبعض الوقت، لكني بررت هذا التصرف بأن الأمر أكبر في داخلي من مجرد رجل وامرأة مسننان يجلسان في شرفة منزلهم. ما الأمر إذا؟

أظن أنني في حاجة لصورة ذهنية عن الحب، صورة حقيقية ليست كالنسخة الزائفة الباهتة التي يروج لها عن الحب حولنا، تجسيد حقيقي أن الحب وحده باقي وكلنا زائلون، وأن العمر والحياة والمصاعب لن يمرا إلا بوجود الرفيق المناسب. حالة الحب والانسجام الواضحة عليهم والتي وصلت لغريبة عابرة مثلي من مجرد بضع نظرات متطفلة جعلتني أتيقن أن الحب الحقيقي لايحتاج لصخب أو إثباتات وقتية. قد يكون مجرد كوب من الشاي، أحتسيه مع رفيق الدرب حين يهن الجسد، ويغدر بنا الزمان ويسرق جمالنا، ويظهر الشيب جليا وتهزأ بنا الدنيا.

لندرك حقيقة أن ركضنا وراء المال، والمكانة، وحتى البنون كان ركضا لم نجنِ منه سوى قطع الأنفاس. وأن البناء الحقيقي المستحق هو بناء الحب والعطف. لم أتمنَ سوى هذه النهاية الهادئة، التي أعلم جيدا بعد تجارب الحياة أنها خير نهاية، ولكن لا يسهل الحصول عليها. تمنيت فى سرى دوام الحب لهم حتى يمدا الغرباء والقرباء بطاقة الحب واعادة ترتيب المشهد الحياتي، فلم أشأ أن أتسبب بحسدهم دون قصد حتى. فدعوت لهم كثيرا وشكرتهم بداخلي على اللحظات السعيدة التى يمنحاني اياها دون أن يعلما.

ظللنا على هذا المنوال كل أوقات ذهابي، فأصبحا ركن هاديء لا يعلمه أحد سواي. إنهم يذكرونني حتى بأشياء ولت، أعيش معهم حالة النوستالجيا كاملة، حتى أنني لمحت في جراج المنزل الصغير عربية من فئة السيات موديل الثمانينات ذكرتني بأول سيارة امتلكناها في طفولتي، لكن لم نكن محظوظين مثلهم للاحتفاظ بها. في مرات كثيرة كنت أشعر أنهم يلمحاني، كنت أدير وجهي حينها سريعا خجلا منهم.

حتى أتى هذا اليوم، فاجأتنى المرأة ونظرت لي، وقبل أن أدير وجهي لوحت لي مبتسمة، نظرت حولي لم أدرك لثوان، هل حقا تقصدني؟ لم يكن أحد غيري في الشارع، اندفع الدم من جسدي، لا أعلم فرحا أم خجلا. لكن أحمد الله أني لم أتخشب كعادتي، وقمت بالتلويح لها بكلا يداي فى حماس زائد، كحماس طفلة تلوح لطائرة عابرة لاتحمل أى شخص تعرفه خجلت أكثر بالطبع، إن أقسمت لكي سيدتي بأغلظ الأيمان أنني شخص بالغ ناضج لن تصدقيني، وستكونين محقة، دلفت للشارع سريعا وعند العودة، لم أجدهما كالعادة.

وجه السيدة الملائكي وابتسامتها الصادقة، جعلتني أتمنى أن تصبح صورتي انعكاسا لها، إن أراد الله أن أصل يوما ما لمثل هذا العمر.

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

 
الوسوم

خلود محمود

الاسم خلود محمود السن ٢٤ عاما حاصله على بكالوريوس اعلام جامعه٦ اكتوبر أعمل مراسله تليفزيونيه لدى قناه عراقيه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق