مدونات

الحب بين سمو المعنى وابتذال الفعل، العشق هو الحب حينما يتخذ مسارًا مرضيًا

الحب هو معنى سامٍ خلقه الله عز وجل، وأودعه في قلوب الناس، وهو أكبر من أن يحصر بين ذاتين، الحب يشمل خلق الله كله، ولا يستثنى من التفاعل مع الحب إلا جماد ينتفي عنده الحس، الحب ليس هو حب بين الجنسين فقط، وإن كانت خلفياتنا المعرفية في العالم المعاصر وتحت تأثير الميديا، صارت تحصر الحب بين الرجل والمرأة فقط، لأن زخم المسلسلات والأفلام والأغاني والروايات جعلتنا نختزل الحب في رابطة تجمع أو جمعت رجلًا بامرأة.

بل إن الحب جعل رديفًا للعشق، وهو أمر مغلوط، فالحب عام، والعشق خاص، الحب هو معنى سام تتوازى فيه العواطف بالحواس، فهو ميل تجاه شخص أو شيء معين، وفق ضوابط معينة قد تكون دينية أو عرفية أو أخلاقية.. أما العشق فهو مرض ووسوسة، وإفراط في الحب، العشق هو الحب حينما يتخذ مسارًا مرضيًا. لا يستوعب فيه العاشق محيطه، بل يتجاوز كل الخطوط الحمراء الموجودة في مجتمع ما. والعشق هو وعاء وباب الاستكانة والغرام والهيام، فالاستكانة ذل وخضوع للمحبوب، والغرام تعلق بالشيء، بصورة لا يمكن التخلص منه، والهيام هو أعلى درجات العشق وهو الجنون الخالص في الحب.

الحب من منظور إسلامي

من هذه التعاريف الموجزة عن الحب والعشق، يتضح أن الإفراط في الحب مذمة تؤدي إلى العشق، الذي لا تتوازى فيه العاطفة القلبية بين المدرك الحسي الدماغي، وهذا أمر منهي عنه شرعًا. فالله جلّ في علاه، يريد عبادةً له عن حب، يحضر فيها العقل بتمامه، لا عبادة يغيب فيها العقل، بحجة حب الله كما يفعل الصوفية. فتلك العبادة مخولة لنوع من الملائكة مكلفون بعبادته طوعًا وحبًا، أما كونك إنسان فالمطلوب منك عبادة الله بعقل واع، لا بعقلٍ تاه به العشق وأسكرته الشطحات.

من هنا، وبالحديث عن الدين الإسلامي واهتمامه بمسألة الحب، يتضح أن هذا الدين لا يمنع الحب ولا يحرمه، ما دام منضبطًا بضوابط معينة، يراعى فيها الشرع، ويراعى فيها الحفاظ على العرض وصحة الإنسان العقلية والجسدية. قال تعالى: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ سورة الروم 21.

فالحب غير محظورٍ في الإسلام كما يروّج البعض، لكن سدًا لباب الذرائع، فلا بد للحب من وعاء يتجسد فيه، فحب الله عز وجل ينضبط في صلواتٍ خمس ونافلة محددة الأوقات ودعاء وذكر منضبط، وشرائع وحدود محترمة، وأي زيادة يراد منها المبالغة في إبراز الحب لله، هي بدعة ما أنزل الله بها من سلطان، لأن طاقة الإنسان محدودة ولن تستطع مراعاة ذلك الحب إلا بالوجه الذي حدّده الله سلفًا. قال تعالى: ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ۖ فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ 27. سورة الحديد.

كذلك حب الأنبياء والرسل الكرام والصحابة رضوان الله عليهم وتابعيهم وعلماء الأمة الأجلاء، فحب هؤلاء حب منضبط واجب، يراعى فيه التبجيل والاحترام، دون التقديس الموصل بهؤلاء العظماء مقامًا من الربوبية والتأليه، فالعشق الذي يجعل المحب يتغنى بالمحبوب، وكأنه إله يعبد، هو حبٌ مُحرّمٌ شركي، فالله وحده المقدس في أسمائه وصفاته، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ ) رواه البخاري.

وهناك حب الوالدين والأقارب والزوجة والأبناء، وهو كذلك واجب فطري، تعززه الشريعة الإسلامية بالنصوص، وتؤطره إطارًا يمنع مداخلة هذا الحب، مع أي شكل من أشكال الإضرار بعقيدة المسلم. كما وجب أن يستبق هذا الحب بأنواعه، حب الله عز وجل، ورسوله، وحب المنافحة عن الدين، وجهاد عدوه، قال تعالى في سورة التوبة الآية 24: «قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإِخوانكم وأَزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وَتجَارَة تخشون كسادها ومساكن تَرضونها أَحب إِلَيكم من الله وِرسوله وِجِهَادٍ في سبيِله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين. صدق الله العظيم.

أما الحب الذائع الصيت بين الرجل والمرأة، فهو حب ليس محرمًا في الإسلام، إذا كان القصد من ورائه نبيلًا، يتكلل بزواج شرعي، وتتخلله عفة عن جميع الطرق المحرمة، فهذا الحب مباح، ما دام فيه إحكام للعقل الذي يتقيد بنصوص وضوابط الدين والأخلاق والقيم، لكن إذا تحول هذا الحب السامي في مدلوله، إلى عشق، هنا نكون أمام حالة مرضية، لا تُحمد عقباها، حالة يوجب فيها التحريم، مراعاةً لدين وأخلاق وقيم العامة، بل مراعاةً لصحة العاشق وصونًا لصحته النفسية والعقلية كذلك، فهذا إفراط في الحب، وجب منعه.

بل إن الرهان على حب العاشق هو رهان على أساس هش، فحب العاشق لا يؤتمن إذا غاب فيه العقل المحكم وهذا ما سنراه في النقطة الموالية.

هل يمكن المراهنة على العشق؟

الحب الذي لم يدخل مرحلة العشق أو دخلها بحذر وخرج منها، هو الحب الناجح بين رجل وامرأة، الذي يكلل بزواج ناجح أيضًا، لأن هذا الحب يقوم على أساس متعقل، فالمحبان هنا تلقحا نفسيًا بعيوب بعضهما البعض، هذا لأن قلباهما لا يعانيان خصاصًا من حيث الحب، فقلب المحبين ها هنا، يوجد فيهما حبٌ لله عز وجل، هذا الحب السامي هو بمثابة بوصلة فيه تتحدد كل أشكال الحب الأخرى، وتتخذ طابعًا من التدرج، فتبدأ بالحب المتكامل الذي قلنا هو حب الله عز وجل، ثم يلي ذلك حب الرسول والدين والوالدين، مرورًا بحب المرأة والرجل المتعارف عليه، وصولًا إلى حب الأشياء الصغيرة في قيمتها طبعًا، ولكي تتضح الصورة أقول، أن الحبيبين هنا سينظران إلى بعضهما بصورة إنسيين، يمشيان في الأسواق ويدخلان الخلاء، بمعنى هناك عيوب لهما، لأن الحب السامي لله عز وجل هو الذي حدد هذا، لأن هناك يقينًا بأن الكمال لله وحده عز وجل.

لكن الحب الخال من حب الله عز وجل، سيجعل العاشقان، ينظران إلى بعضهما البعض بصورة التأليه، لأنه لا توجد فوق حبهما ذاك تراتبية معينة تبتدئ بحب الله، ثم تتخذ طابع التدريج، فالعاشق سينظر إلى معشوقته بعين الكمال، كأنها ملاك نزل من السماء، حاشاه أن يكون كباقي الإنس، هكذا سيُخيّل له، ستمضي الأيام وسيتيه في هذا الشعور، وسيظن أن الجنة في كف من يحب، وبدونها فالعيش جحيم، إنها طبعًا حالة مرضية وهلوسة ستنتابه، وقد برع العرب في وصف العشق بالمرض حقا، فهو حالة غير طبيعية، حالة تخمد نارها بقرب الدواء الذي هو تلك الذات المعشوقة، ويزداد لفيحها بالبعاد. هنا يتبادر إلينا سؤال محوري، ماذا لو أصبح الدواء قريبا بصفة دائمة؟

تحوّل الحب إلى عشقٍ فارتباط، ثم؟

أصوغ السؤال السابق بشكل آخر، ماذا لو ظفر العاشق بمعشوقته، وصارت دائمًا بجانبه صباح مساء؟ لابد أن دوام الدواء سيبرئ المريض، وستنجلي تلك الحالة المرضية، وسيتلاشى ذلك العشق الذي كان لوعة بحب المعشوق حال بعاده، فالمرأة والرجل اللذان عانيا البعاد وألم الشوق، ها هما قريبان من بعضهما في أي وقت شاءا، هذا التقرب لعله الخنجر الذي يصيب العشق في مقتل، لأنه بكل بساطة، عشق لم ينبن على أساس عاقل، إنه عشقٌ لا يُؤتمن، فالعاشقان أضحيا يريا في بعضهما البعض، عيوبًا لم تكن تبدو في سكرة الهيام، إنها مرحلة صدمة العاشقين، مرحلة التساؤل، أهذا من أحببت؟ أهذه من أحببتها؟

ستأتي حتمًا تلك اللحظة التي ينهار فيها ذلك التصور المبني على أساسٍ هش، تصوّر لم يُلقّح فيه العاشقان نفسيهما، ويحدّثا النفس بأن هذا مجرد إنسان مال الفؤاد إليه، له ما له وعليه ما عليه، وأنه ناقص، والكمال لله عز وجل.

انهيار هذا التصور يُدخل العلاقة مرحلة الجفاء، والشقاق المؤدي إلى الانفصال، ما لم يُجدَّد هذا العشق بدماء حب متعقل يراعي التراتبية التي ذكرناها سالفًا، والتي على رأسها حب الله عز وجل.

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

مالك بوروز

كاتب وباحث مغربي

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق