مدونات

الحب الهندي والحب الغربي المعاصر… محاولة للمقارنة

بعد استجلاء موقف الإسلام من الحب، وبعد تحليل مرض العشق في مقال سابق هنا بموقع 22 عربي، لا بد من مقارنة وجيزة بين تجسيدين للحب، لهما حضور في الميديا المعاصرة، حتى يتخذ مسار هذا البحث، نسقا متناغما فيه بعض التنوع والإلمام.

الحب الهندي يعتبر المادة وسيلة تؤدي فقط إلى سمو الحب الروحي، على عكس الحب الغربي المعاصر، الذي يعتبر الطاقة أو العقل أو العلم أو القدرة، محفزات للوصول إلى المادة أوالى الآلية الجنسية، فالميديا الهندية انسجاما مع المعتقدات والثرات الهندوسي ككتاب الكاماسوترا مثلا، تنظر إلى الحب بوصفه فنا، له آليات وعلم وقواعد، تتضمن غناء ورقصا وعزفا وطبخا ولباسا وألوانا …فهي شرارة تنطلق من الجسد وصولا إلى الروح، وهذا يتجلى في الأفلام والرقصات الهندية، التي تركز على الجسد الراقص الجذاب، كأولى مراحل الجذب الروحي الموصلة للسمو.

الحب الغربي المعاصر والذي تحدد في ظروف التطور المعرفي والإنتاجي، ينظر إلى الحب كقدرة أو طاقة معينة، هدفها الوصول إلى الآلية الجنسية او الميكانيك الجنسي، فالحب هنا عبارة عن اعجاب بقدرات شخص معين، قد تكون عقلية أو جسمية أو مالية… تؤدي بالنهاية الى الوصول إلى الآلية الجنسية وانتهى، هذه الآلة الجنسية تمتد لوقت معين وتنتهي بانتهاء صلاحيتها عند بروز آلة أخرى وهكذا، وهذا ما يفسر كثرة العلاقات العاطفية في المجتمعات الغربية، بل هذا ما يفسره التعاطي المصطلحي الذي أبدع فيه الغربيون، وهو مصطلح ممارسة الحب Making love – Faire l’amour.

فلاحظوا معي الرؤيتين الهندية والغربية للحب، ألا تعتبر الرؤية الغربية بواقعيتها فيها نوع من الابتذال لمعنى الحب السامي، بل وتشييئا له، ألا ترون أن المصطلح أعلاه، خلط الحب بسموه، مع الجنس بشهوانيته، مع أن هناك فارقا بين الاثنين، وهو فارق لا يمنع التقاءهما، لكن أن يتم وصف أي عملية بين شخصين وفق تعبير ممارسة الحب، فهذا استهتار بهذا المفهوم السامي، فالجنس ليس إلا فصلا من فصول الحب، وليس هو الغاية بعين ذاتها، في بوتقة الحب توجد غايات أخرى غير الجنس، منها استمرارية النسل، المودة والتعاون وصلة القربى بين الناس، بناء الأسر، تكوين المجتمعات…

إن تعمق الغربيين في المادية، جعلهم يبحثون عن تعويض للمعنى الروحي للحب، بتجسيد مادي آلي، تمثل في الجنس، وهذا لتسريع عملية الإنتاج وزيادة تركيز الشباب والشابات، فمعلوم أن الحب إذا ما اتخذ مسارا عشقيا، فانه يكون مؤثرا على صحة الشاب والشابة، ومؤثرا على تركيزهما وإنتاجيتهما، وهذا لا يتوافق مع السعي الرأسمالي المحفز للإنتاج، فكان لا بد من صبغ حالات العشق التي ترتاد الشباب العاملين، بلون ثقافي جديد يساعد على الإنتاج، ولا يعرقل تطوره، لهذا عملت الميديا الغربية مبكرا، على تغيير نمط الحب الكلاسيكي الذي عبر عنه أدباء النهضة، ومن سبقهم، بنمط جديد مادي، ينظر للحب كوسيلة فقط من اجل الوصول إلى الجنس.

وهنا كان اختلاف الغربيين المعاصرين مع الإسلام، فمع أنهم اتفقوا مع الإسلام على ضرورة تأطير الحب في وعاء خاص، إلا انهم اختلفوا معه، في طبيعة ذلك الوعاء، فالإسلام نظر الى الحب بوصفه هدفا نبيلا وجب الحفاظ عليه في إطار مؤسسة الزواج، أما الغربيون فغيروا معانيه واعتبروه جسرا نحو المتعة والجنس، بل ليس هذا فقط بل نظروا إلى الحب نظرة التاجر البراغماتية، وجعلوه موردا للربح تستغل فيه العامة، حيث ابتدأت عمليا هذه البراغماتية، مع استر هاولاند الشابة الأمريكية، ابنة صاحب المتجر الكبير للكتب والأدوات المكتبية، التي كانت صاحبة فكرة أو مشروع بيع بطاقات الحب سنة 1847، وقد تزامن مشروعها ذاك، مع جعل ذكرى وفاة القديس فالانتين، عيدا قوميا بأمريكا، وفيه حققت الشابة الأمريكية مداخيل جد مهمة من بيع تلك البطاقات، ليمتد هذا التقليد من حينها ويستمر إلى اليوم، في جو عولمي يفرض سيطرته على اتجاه الذوق العام العالمي، وفيه طبعا تحقق الشركات أرباحا ضخمة، خاصة شركات الشوكولاته والتزيين والهدايا الخاصة…

إن الحب السامي الان تمت عولمته، وصار يخضع لقانون العرض والطلب، فبعد حصره كموضوع بين رجل وامرأة، زاد الاختزال أكثر فأكثر، ليصبح مختزلا في جنس وأجساد تستبدل باسم الحب، صار في الحب تقليعات وموضة، وصار المعشوق والمعشوقة لا ينسجمان مع ميل الروح، بل ينسجمان مع مدى إحقاق ذلك الشخص المعني لمواصفات الموسم، والتقليعة المطلوبة في السوق، فعامنا الذي ودعناه مثلا كان عام اللحية، كوصف ضروري للشاب، وعام الحاجب العريض والشفاه المنفوخة كوصف مثالي للفتاة المعشوقة…

بين هذا الابتذال في الحب والهوس تتيه أجيال من الشباب، وتزيد مداخيل الشركات الضاحكة على الذقون.

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

مالك بوروز

كاتب وباحث مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق