مدونات

الحب الخادع.. لا تراني من الخارج ابحث عن الأعماق

يختلط الأمر علينا في بعض مشاعرنا لإدراك حقيقتها من حيث الشفقة والحب. فهُناك طيف شاسع من المشاعر يمكن أن نعتقد أنها “حُب”، لكنها في الحقيقة ليست سوى مشاعر أقل درجة منه، وجودها لا يعبر عنه، حتى إن كانت تشبهه قليلًا.

” الانبهار مثل الشفقة وجهان لعملة واحدة، معناها أنك لا تراني بعمق، بل تراني من الخارج فقط”

د.نهلة فيليب، استشاري الطب النفسي

فمثلًا الانبهار، قد يكون موجود في علاقات الحُب والارتباط ولكن ليس بالضرورة كل ما هو مبهر نحبه حقًا. قد يجعلنا الانبهار نقترب من الآخر ونحاول امتلاكه ولكن بالتأكيد لن يجعلنا نضحي له، وإن ضحينا من أجله لن نضحي ببراءة من أجل الآخر، بل سنضحي لنكسبه.

الحب أسمى من تلك المشاعر، ففيه تضحية خارجة بوعي بلا هدف سوى محبة الآخر. قد يحتوي الحُب على الانبهار، ولكن الانبهار وحده ليس حبًا. مثل شعور الشفقة.

” الُحب لا ينشد إلا تحقيق ذاته”

جبران خليل جبران، رواية النبي

الشفقة والحب تفاوت كبير في المشاعر

إذا كان الانبهار هو رؤية أن الآخر لا يوجد مثيل له في الجمال أو في عمل ما، فإن الشفقة هي رؤية أن شخص ما ضعيف جدًا ويستحق أن تحنو عليه. الشفقة هو ذلك الشعور الذي تقابله عندما يمد لك شحاذ ذو ساق مبتورة يده، وتلك المشاعر التي تنتابك لدى رؤية طفل لا يستحق الأذى يُقتل في الكوارث والصراعات، الشفقة هو ذلك الشعور الذي يجعلك تنزل من مكانتك الفُضلة وحُسن حظك الجليل وتتلامس مع احتياج الغير لبُرهة من الزمان.

الشفقة تقول إنك قادر على التعاطف والتنازل لبضع الوقت. ومَنْ أمامك يستحق تقديم المساعدة، ولكن الحُب بالتأكيد ليس ذلك.

“أن تحُب يعني ان تُقدم نفسك بلا ضمان، يعني أن تُقدم نفسك بالكامل أملاً فإن حُبك يخلق حُبًا في الآخر. الحُب هو قفزة إيمان، لذلك مَنْ إيمانه قليل، محبته أيضاً قليلة.”

إيريك فروم، كتاب فن الحُب

المواجدة حبٌ أم شفقة؟

الحب يرى المحبوب على أنه مساوي لك، على عكس الشفقة. الحب يبحث عن تقديم النفس كاملة وليس جزءًا منها. الحب لا يشوبه الأنانية، ولا النرجسية، وليس له أهداف سوى تقديم الذات. ويوجد داخل الحُب المواجدة (المعاناة الشعورية) التي قد تشبه الشفقة لكنها في الحقيقة ليست مثله.

تكمن المواجدة في حالة الشحاذ، أن تعرف لماذا صار شحاذًا وما قاده لهذا المصير، وفي حالة المحبوب أن تفهم منبع احتياجه وتتلامس مع دوافعه. لذلك قد نعتقد أن المواجدة تشبه الشفقة، ولكن إن لاحظت ستجد في المواجدة، أنك أنت والآخر على نفس المستوى. صحيح أنك في المواجدة تنزل من مكانك ولكن ليس لأنك أفضل من المحبوب وعندك ما تقدمه، بل لأنك لا تفهم وتريد أن تفهمه.

“المواجدة صفة تُميز الشخصية التي في مقدورها أن تغيّر العالم.”

الرئيس الأمريكي السابق، باراك أوباما

الوعي بحقيقة مشاعرنا

تتشابه الشفقة والحب كمشاعر إنسانية، لأننا بعيد عن عدم وعينا بالمشاعر، نريد تلك القوة التي نجدها عندما نشعر بالقيمة. عندما تقدم مالًا لفقير تشعر بداخلك بطاقة الخير تلك، أنك جيد وتضحي بمالك لمن هو أقل منك، ولكن لا ينفع أن يكون هذا شعورك تجاه من تحبه، لأنك هكذا تستخدم من تحبه لتجد قيمتك أو تخلق من مشكلته وحلها معنًا لحياتك. القيمة في الحب هو الحب ذاته، لا أن تدخله باحثًا عن إثبات ذاتك.

إن تعاملت مع الشفقة على أنها حُب، هذا يعني أنك سترى المحبوب طفلًا يحتاج للمعونة، وليس شريكًا لك في علاقة، أنت تبحث هنا عن نفسك، والحب يبحث عن الآخر. إن دخلت علاقة الحب ودافعك هو الشفقة، ستجد أن مشاعرك تتغير نحو المحبوب عندما لا يصير محتاجًا لك، أو عندما لا ينتهي احتياجه أو تتغير ظروفه بالرغم مما فعلت أو عندما لا تجد التقدير. هنا يجب أن تلاحظ أنك دخلت العلاقة لهدف آخر ليس الحب.

تقديم المساعدة ليس شيئًا سيئًا في حد ذاته، بالعكس، لكنه سيء عندما نغير اسمه لشيءٍ آخر. قد يبدو للبعض أن هذا سمو وتفلسف لا داعي منه ولكن هذه هي الحقائق ويجب أن توضع في نصابها، ويجب أن نسمي الأشياء بأسمئها، حتى لا نهدر عُمرنا القصير أو طاقتنا في غير موضعها.

اقرأ أيضًا : رواية “أيتها الغجرية ستمرضين”.. بين الحب والثورة

 

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

ريمون بحر

كاتب/طبيب أسنان

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق