ثقافة و فنون

الحب الأفلاطوني الذي لم يُترجَم

كثيرًا ما تَنَزُّل على أسماعنا جماليات الحب الأفلاطوني، مخبرةً عن سموه الأخلاقي، وقيمته الوجدانية، وأنه حبٌ عذريٌّ يذود عن حوائج الجسد المادية، ولا يطلب إلا سدًّا لفَغَرَات الروح، وشغور الوجدان، وينأى عن النواقص التي تتأتى عن طلب المحسوسات المؤقتة والزائلة؛ إلا أن الحب الذي عبَّر عنه أفلاطون في ندوته الأصلية –على الرغم من تملك تلك السمات منه أيضًا– كان حبًا مختلفَ الطبيعة، وصريحَ التعبير، لا يتناقضُ والحضارةَ الأثينية آنذاك، التي عرفت هذا النوع من الحب ووعته. وأما أفلاطون فقد كان مجرد ناقد ومحلل أتى على ذكره غير مبتَدِعِه، لينقضه في النهاية مثبتًا آخر، ويترفع هو عن إتيانه بعد حين، مشيرًا إليه على أنه ناقض للمجتمع، ومتحولًا هو إلى البتولية الزاهدة.. أتراك تدري ما ذاك الحب يكون؟

يعتبر أفلاطون أول من روج للمثلية بمفهومها ذلك (أي الذي يحصرها في الشعور الوجداني ويفرق بينها والطَلَبِ) في الندوة The Symposium، إلا أن هذا الاحتفاء في نسختها العربية مسكوت عنه، فلست أدرى أهو فن الترجمة الذي لم يكن بكامل قواه في عصر العباسيين الأوائل، أم أنه التحفظ أم أنها الرقابة؟ وكيف إذا كان مجتمعهم نفسه آنذاك لم يخلُ من تلك الظاهرة التي تفشت في قصورِ حتى الخلفاء، وتَغَنَّى بها أشعارهم الصريحة، ثم لم يرفض المتاجرة بالخِصْيِ والغلمان في أراضيه؟

ولكنك على كلٍ واجدُه في النسخة الإنجليزية جليًا لا ريب. على أن الأمر كان شائعًا لدى الطبقات الأرستقراطية أكثر منه في طبقة العوام؛ مما دل على أنه من علامات الاختلاف على الترف، والرغبة في إيجاد أنواع جديدة من اللذات غير تلك التي اعتادها هؤلاء المترفون وزهِدوها، تمامًا مثلما كان في المجتمع العباسي من مجون وانكباب على ألوانه.

بيد أن العرب -في أدبهم الذي بدا- لم يعرفوا ذلك المعنى الأفلاطوني الذي تطرق إليه، كما لم تكُ لترتكزَ عليه أيضًا دوافعُ أرستقراطيي الإغريق جميعًا في عصرهم؛ وإنما أصل الدوافع تجاه كِلتَي الممارستينِ دائمًا الغرائزية التعطشيةً للمادة، وهو فقط الذي لفت انتباه أفلاطون للتغني بالمنفعة الوجدانية للحب دون تلك المادية، مشيرًا إلى السمو الروحي لمن استطاع أن يترفَّع على حاجته ويرتقي فوق محسوساته المجردة إلى تلك الباطنة.. وبالطبع نراها في أشعار بعض العباسيين كذلك لذةً أسمى، وحبًا أرقى من مجرد المادة، حتى ذهب بعضهم لأن يصفها متعةً لا تقتصر على الأثرياء والخلفاء والسادة من عِلية القوم كما كان يحكي عنها الجاحظ في أدبه  –عدا أني لن يسعَني المقامُ هنا أوردُ من أدبهم- وأما الإغريق فقد اتخذوا المثلية حضارةً وتقليدًا، وقد عدها أفلاطون –الذي حفَو بمفهومه عن الحب– في الندوة أسمى أنواع ومظاهر الوَجد والوجدان، بل إنه لترجمَ منزلتَها تفوقُ الحب الغيري -أي حب الرجل للأنثى- معتبرًا أنها لا تقوم على أية مصلحة مادية ابتداءً -فيما لاح له- لا جنسية، ولا تناسلية، ولا ما إليهما، كتلك التي تشوب علاقة زواج بين ذكر وأنثى. 

وقد أشار بين تلك السطور في الندوة إلى العلاقة المثلية في صورتها التي راجت عليها في الحضارة الأثينية العتيقة –البيدوفيليا أو الغلمانية– علاقةً بين الثلاثيني الناضج، المربي الحكيم، والشاب الصغير الذي يتدبر له شئونه، ويعلمه، وينفق عليه، ويتولى أمره، في حين يتخذُه الأخيرُ نموذجًا، وحذوًا، ورمزًا فخريًا يُتأسى به؛ فتكون العلاقة بذلك -كما يصفُها أفلاطون- تكاملًا روحيًا، وسموًا عاطفيًا، وتأسيًا أخلاقيًا.. ثم ليأتِ الإشباع الجسدي في آخر ذلك كله ليُثْبِتَ آخر أطوار الترابط بالاتصال الجسدي. أما علاقة الرجل بالأنثى فقد رأى أنها لا تقوم في البداية على غير الطلب المادي والحاجة المجردة من المعنى والوجدان؛ الأمر الذي رسمته في مخيلته النظرةُ الأثينيةُ إلى المرأة -آنذاك- التي حقروا قدرها ورسموها وعاءً للبنين والعيال، وأداة للذة المؤقتة، التي علموا أنها لا تطولُ معها. وعليه إذًا فإن الإشباع الجسدي عند أفلاطون في العلاقات الغيرية يكون هو أساسَها وأولويتَها، أما في العلاقات المثلية فيكون مجرد وسيلة، والعتبة الأخيرة في السلم العاطفي لتوطيد الحب الوجداني السامي الخالص -كما وصفه- دونما تمثل لب العلاقة. 

تقول الأسطورة الإغريقية القديمة أن البشر خُلقوا على هيئة أزواج: لكل منهم أربعُ أرجلٍ، وأربعُ أيدٍ، ورأس بوجهين اثنين؛ حتى قام الإله زيوس بشطرهم أنصافًا، وهكذا يسعى كل واحد في هذه الحياة لأن يجد نصفه الآخر.. فيترجمُ أفلاطونُ الحبَّ على أساسِ هذه الأسطورةِ من خلال السطور التالية في كتابه الفلسفي الندوة على لسان أحد أبطاله.. الكاتب المسرحي أرستوفانيس:

أما الرجال الذي كانوا ينتمون إلى تلك الطبيعة المزدوجة (التي عُرِفَت قديمًا بالخُنْثَى) والتي جمعت بين رجل وامرأة؛ فهم راغبون في النساء، ومن هذا الفصيل أكثر الزناة والمَاجِنين، وإليه أيضًا تنتمي الدواعرُ اللاتي يشتهين الرجال ولهم شَبِقَاتٌ؛ وأما النساء اللاتي كُنَّ يُرافق طبيعَتَهُنَّ الأولى نساءٌ أخريات لا يرغبْنَ في الرجال، ولكنْ كنَّ أولاتِ حواسٍ أنثوية؛ فأولاء تَطَبَّعْنََ بهنَّ، ويمثلُ هذا النوع من النساء نصفهنَّ الآخر.. ولكنَّ أولئك الذكورَ الذين وُصِلوا بأبناء جنسهم -الذكور أيضًا- ثم بينَما هم أحداثٌ تكْمُنُ لديهم عاطفة تجاههم، وتتعانقُ أرواحُهم -إذ هم أنصافُ رجال في عباءة رجلٍ ناضج- فهؤلاء هم أفضل الصبية والفتيان؛ لأنهم يحظون بأغلب الطبيعة الرجولية، ويمثلون الطبيعة الأصلية للرجل.

ومن هنا يذهب أريستوفانيس إلى ثلاثة أجناس -لا اثنين- كان على أساسهم أصل الخلق؛ نوع أنثى وأنثى، ونوع ذكر وأنثى، وثالث عبارة عن ذكرين هو الأفضل فيما رأى هو.. وقد نرى حضور هذه الندوة -صفوة أثينا- يعتبرون الحب هو الدافع وهو الذي يجعل المحب أقوى وأشجع لأن يواجه الحياة.. ضاربًا المثل بالجنود العسكر الذي يملكون حبيبًا يقاتل إلى جوارهم فيتشكل لديهم الدافع والأمل أكثر من الذين لا يحبون أو لا يجدون إلى جوارهم من أحبوا.. مقابل الذي كان الإغريق الأوائل يذهبون في كتاباتهم من أن الحب يولد اللامسئولية عند الرجل المحب ويقود العاشق إلى الوسوسة والجنون.

وكانت هذه العلاقة البيدوفيلية في أثينا تربط الغلام بصاحبه حتى سن راشدة يتسنى بعدها له أن يلحق بركب المجتمع كذكر حقيقي بالغ ناضج، ليعيدها مع غيره، وليختار إما أن يطأ فيسود كما يسود الرجال، أو يوطأ فيندو ويُلحق به عار النقصان والدونية؛ لأن ذلك عُدَّ لدُنْهُم من علامات الطفولة، أو الضعف الأنثوي الذي لا يؤهله للمسؤولية المجتمعية، ويذره تابعًا دون سيادة.. فيتعاملُ معه المجتمع بوضاعة وانتقاص كأنه من الدرجة الثانية لأنه معال لا عائل –سيان أكان ذلك بمعنى مادي أو ثقافي أو عاطفي أو جنسي– فكانت تلك معتقداتهم عن أي طرف سالب في العلاقة. 

يبقى المرادُ قولُه أنها ليست بالظاهرة الجديدة، وإنما هي طَور من أطوار التطور الحضاري، ومشهد ثابت في كل سيرة تَأْريخِيَّة، قد شهدته كل الحضارات تقريبًا على مر التاريخ؛ فلم تبرأ منها حضارة، بما في ذلك حضارتنا العربية قبل أو بعد الإسلام على السواء -وهذا من التاريخ المندثر لعارِه الذي ارتُئيَ فيه  وسواء اقتصرت على طبقات دون أُخَرى، أو قوبلت بالقبول أو الرفض -من بعض الشرائح المتحفظة في تلك المجتمعات- أو التعميم أو الحصر؛ وإن عدتها الأخلاق الدينية اعوجاجًا، والفطرةُ اضطرابًا.

وإذًا كان ما عناه أفلاطون بمفهومه عن الحب الطاهر أو العذري، أنها تتنصل -فيما يبدو- عن الممارسة المجردة، سامية إلى  شعور عاطفي راقٍ، وانجذاب وجداني تُؤسِّسُ له قوة الصداقة والارتباط، ثم يسبقها ويعلو عليها.. حتى وصلوا إلى أنها الوسيلة التي جعل بها الرجال لأنفسهم حمايةً من الزلل في شباك المرأة، وخلقوا الاستقلال التام الذي توجَّبَ لمَّا أن باتوا أسياد الحضارات، وقاهري العوالم، فكأنه –بمنظور آخر– تقديس لجنسهم، كما أرخ لها الجاحظُ ناقدًا.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

أحمد محمود القاضي

كاتب ومترجم، حائز ليسانس الألسن جامعة عين شمس، تتمحور كتاباته في مجالات الأدب السردي، وقضايا الفكر النقدي والفلسفي؛ باحث في مجالات اللغة، والدين الإسلامي، ومقارنة الأديان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق