ثقافة وفنون

الجوانب النفسية للكتابة النسوية في ظل الثقافة الكونية

إيلاف شفق ” حليب أسود”

إنّ مصطلح النسوية و إن كان مأخوذًا من أصل النوع البيولوجي (مذكّر/مؤنث)، و للتعبير عن هوية النّوع المكتسبة بحكم الثقافة، إلا أنّ ما يثير الجدل في الكتابة النسوية هو أنها قد لا تكون منطلقة كلّها من منظور قيم مؤنّثة، و أنّ الرجل نفسه تجاوز الحدود سابقا، حيث كتب عن المرأة، لكن رغم إمكانية إدراكه و استهجانه لانعدام العدالة الاجتماعية بين النّوعين، إلا أنه لا يمكن أن يمرّ بخبرة المرأة بتلك التفرقة.

و رغم أن تاريخ النسوية شهد تغيرات كثيرة تتعلق أساسَا بالمبادئ ، إلا أنه يمكن تلخيصها جميعًا في :

الجوانب النفسية للكتابة النسوية

  • النسوية الليبيرالية:
  • ترتكز على الفلسفة الفردية و التنافسية.
  • تنادي بالمساوات بين الرجل و المرأة في الفرص.
  • تعدّ أقدم التيارات النسوية.
  • النسوية الراديكالية:
  • التشدّد و الدعوة إلى الانفصال عن الرجل و عدم التعامل معهم ( عكس الذكوري)
  • ترى الراديكاليات أنّ جسد المرأة علامة على تفوّقها( يعمل على قلب ثنائية (ذ/أ))
  • القيام على الحتمية البيولوجية التي لا دخل لنا فيها
  • النسوية الماركسية:
  • التأكيد على البعد الاقتصادي للتفضيل النوعي
  • يطالبن بضرورة المساواة في الأجر و ساعات العمل
  • النسوية ما بعد البنيوية:
  • ترى أن التفرقة بين الجنسين قائمة على اللغة (لا بيولوجية، لا طبيعية، لا اقتصادية ، لا استغلالية)
  • الصفات تمّ تجنيسها لغويا.
  • ترى أنّ القسمة اللغوية نسق قهري يدمّر الشخصية.
  • تدعو لقبول الاختلاف
  • النسوية السوداء/ نسوية العالم الثالث:
  • تؤكّدن على خصوصيتهنّ الثقافية.
  • تقرّر بحق الاختلاف مبدأ، و تنادي بحقّ الاختلاف عن الرجل.
  • استدعاء مفهوم سياسات الموقع ، و أهميته في تشكيل رؤيته المتحدّث (الموقع الجيوثقافي)[1]

يقول  محمد حسن علوان :” الكتابة بذهن مشتّت تشبه النوم أثناء السباحة، كلاهما يؤدي إلى الغرق” ، و عليه فإنّ الكثير من الأعمال لا تنال الرضى ليس لغياب فنياتها ، و لكن لغياب الوعي بما يُكتَب، و لماذا يُكتب؟ و لمن يُوَجّه؟

إننا في زمن الثقافة الكونية نشهد أعمالا نسوية نالت شهرة واسعة، فممّ تأتى لها ذلك؟

  • وهل يمكن للمرأة المعاصرة أن تتحمّل أعباء الثقافة الكونية بمعايير المثقّف الكوني، الذي وصفه إدوارد سعيد مثلا بكونه ” وُهب مَلَكة عقلية لتوضيح رسالة ، أو وجهة نظر، أو موقف، فلسفة ، أو رأي، أو تجسيد أيٍّ من هذه ، لجمهور ما، و أيضا نيابة عنه، و لا يمكن القيام به دون شعور المرء ( المثقّف) بأنّه إنسان ، مهمّته أن يطرح عَلَنا للمناقشة أسئلة مُحرجة، و يكون شخصا  ليس من السهل على الحكومات أو الشركات استيعابه.”

و إن كانت هذه هي أهم ميزات المثقف الكوني كما يوردها إدوارد سعيد ، فهل المنتج النسوي حاليا نجح في توفّر أعماله على هذه المعايير؟، و ما الذي يمكن أن يتغيّر في المجتمع المعاصر إذا مارست المرأة الكتابة كفعل تحرّري بدل التعرّي؟ لأننا طوال السنوات الماضية لم نفهم من تعرّي المرأة إلا شيئا واحدا هو أنّ فكرها أعقد من لباسها، و ليس المجتمع بحاجة لمعرفة ما يخفى خلف لباسها بقدر ما هو بحاجة لمعرفة كيف تفكّر؟، كما أنّها لم تثبَت على رأي و معرفةِ غاياتها، هل حرّيتها المنشودة دينية أم فكرية أم لغوية؟

الأمومة و الكتابة و الحريم: إيلاف شفق و رواية ” حليب أسود”

يكاد يكون العمل خالصًا لشرح الجوانب النفسية  باعتبارها الهدف المنشود في كتاب ” حليب أسود”، و ذلك لأنه يصف بشكل دقيق حالة نفسية قلّما عبّر عنها المثقّف الكوني، ألا و هي ” اكتئاب ما بعد الولادة”، و ما يصاحبه من تغيرات و تأثير كبير على نفسيات الأمهات، كتابٌ يدور موضوعه حول تأمّلات الكاتبة التركية  التي تُعَدّ ناشطة حقوقية و روائية، اشتهرت بأعمال أشهرها: ” قواعد العشق الأربعون، لقيطة استنبول، الفتى المتيَّم و المعلّم، شرف ، بنات حواء الثلاث…”

و هذا العمل هو أكثر كتاباتها تعلّقا بمواضيع النسوية و إشكالاتها، وأسئلة عن الوجود و الحرّية، و التي تراود النّساء على اختلاف توجّهاتهن..

تركّز الكاتبة على ” الكتابة و الأمومة و الحريم”، و تطرح أسئلة كثيرة أهمّها:

  • هل يمكن أن تجتمع في المرأة صفات المدبّرة المنزلية و ربّة البيت الناجحة، و في الوقت نفسه تكون كاتبة أو ناجحة في أيّ عمل تحبّه؟
  • و هل الأمومة عائق أمام النّجاح؟
  • وهل يمكن النّجاح دون تنازلات؟
  • و هل يمكن للرّجل أن يتحمّل أعباء المنزل في سبيل نجاح مسيرة زوجته في الكتابة ؟
  • ألا تشكّل رغبة النساء في حياة مرفّهة و عيش رغيد في ظلّ وجود خادمات يخدمنهنّ و مربّيات تهتمّ بأطفالهنّ تناقضا صارخا مع ادعائهن الرّغبة في التّحرّر؟ إذ إنّ في رفاهية الواحدة منهنّ تعب جيش آخر و تعاسته.

تسترسل الكاتبة في تأملاتها من تلك اللحظة التي تجلس فيها بجانب تلك المرأة الأمّ لتوأم ، على ظهر مركب يطفو في البوسفور، و تستمر تساؤلاتها و حيرتها و ذكرياتها، عن مواقفها التي سبق و تغيّر أحدها ، ألا وهو موقفها من الزواج، وشعورها قبله أنّه أمر لا يتصوّره عقلها، و لا يستوعب من حولها أنها من الممكن أن تتخذ قرار الزّواج يوما، فهو بنظرها أمر سيحدُّ من حرّيتها أو يقيّدها، هي المرأة التي تخاف الروتين و تخشى البقاء في مكان واحد لمدّة طويلة، كيف ستتحمّل البقاء في منزل واحد مع  الرجل نفسه ودون أن يعكّر ذلك صفو مزاجها؟

لكن مع ذلك يأتي قرارها بالزواج مباغتا لكلّ من راهنوا على أنها لن تتزوّج ربما أبدا، و أوّلهم والدتها، التي تنصدم بقدر ما تسعد، بهذا الزواج الذي لم يكن كغيره من الزيجات التقليدية.

تزداد حدّة الشعور بالحيرة و التناقض عندما تكون أمام مواجهة سؤال الأديبة التركية  في جلسة شاي ببينها، و هي ” عدالت آغا أوغلو” ، و هناك تظهر تناقضاتها التي تمثّلها في نساء صغيرات الحجم، يسكنّها و يحاورنها، و يحدثن ضجيجا  دائما برأسها، بسبب عدم اتفاقهنّ، إنهنّ بنظرها يشكّلن جوقة موسيقية غير متجانسة، و هي تكره الصمت و الهدوء لأنها إذا هدأت يبدأن بالعزف وأزعجنها بنشازهنّ.

” الصّمتُ هو أسوأ شيء، فكلّما ظلّلتنا سحابة كثيفة من الصمت ، باتت الأصوات المثرثرة في أعماقي أكثر دويا، صافية على السّطح، صوتا إثر صوت، أو أن أعتقد أني أعرف كلّ الحريم في داخلي، و لكن ربّما هناك أولئك اللواتي لم ألتقهنّ قطّ، فهنّ يشكّلن جوقة موسيقية لا تعرف كيف تحتضن أصواتها ، و أنا أسمّيها جوقة الأصوات المتنافرة”.[2]

نساء بحجم الإصبع تسمّيهنّ النّساء الإصبعيات الصغيرات، يمثّلن هواجس الكاتبة، و التي هي هواجس نساء كثيرات، الطموحة و القنوعة، و المضحيّة ، و العقلانية، و المتديّنة و …

السّيّدة الدرويشة أو الصّوفية، و الآنسة التشيخوفية نسبة لأنطون تشيخوف، و الآنسة الساخرة رفيعة الثقافة و الآنسة العملية الصغيرة.

تسجّل الكاتبة تجارب نساء من مشاهير الأدب و الفنّ و السياسة و المجتمعات قديمها وحديثها، في الأمومة و الكتابة و قضايا الحريم،  ما ساورهنّ من مشاعر الحيرة و التّردّد في اختيار حياتهنّ، من أمثال الكاتبة التركية عدالت آغا أوغلو، و زوجة الأديب الروسي ليو تولستوي ” صوفيا أندريفنا بيرس”، و توني موريسون، و إميلي ديكنسون، و بيرل باك، و فيرجينيا وولف، و إيميلي برونتي ، و غيرهنّ.

إنّ ممارسة الأمومة أو الزواج و مسؤولياته في ظل العمل خارج البيت أو الكتابة، هو انشطار بالنسبة للمرأة ، على عكس الأبوّة التي لا تمثّل انشطارا كبيرا في حياة الرجل، كما توضّح الكاتبة ذلك في رأيهلا و تأمّلاتها لحياة و سيرة سيلفيا باث.

لعلّ تلك الصعوبات التي تواجهها المرأة المبدعة في أي بلد هي التي تجعلها تنظر لإنتاجاتها على أنها أولادها، أطفالها الذين أنجبتهم، لأنها ترى في ذلك شبها كبيرًا بعسر ومشاكل الولادة العسيرة والمخاض الصّعب الذي يسبق ولادة أطفالها. فسيلفيا باث مثلا ” كانت عندما تتكلّم عن أعمالها التي لم تكتمل، فإنّها كانت تطلق عليها عبارة (أطفال لم يولدوا بعد).[3]

و لكنّ هذا السعي اللاهث خلف الكمال ، و خلف تحقيق كلّ الأحلام دفعة واحدة، يحطّم المرأة بعد إنهاكها في حلم المثالية كما حطّم سسيلفيا باث التي عاندت و أصرّت على أنها يمكن أن تكون والدة مثالية و شاعرة ممتازة، الأم الشاعرة المثالية، هذا الانشطار عبّرت عنه في روايتها الأولى و الوحدة ( الناقوس الزجاجي) عندما كتبت مفصّلا عن الانهيار العقلي و العلاج بالصدمة الكهربائية، و الرتابة الخانقة التي تميّز الحياة العصرية.”[4]

في ظلّ هذا الصراع النفسي المرهق جرّبت سيلفيا باث الانتحار مرّتين، الأولى في العشرين و الثانية في الثلاثين، فشلت في الأولى و نجحت في الثانية بعدما تركت حليبا لطفلَيها.

ومن الكاتبات اللائي يرد ذكرهنّ في العمل ” جورج إليوت” التي أخذت هذا الاسم الذكوري و اختارته ليكون اسمها الأدبي ككثيرات غيرها من النساء، حتى يبدو كأنّ تلك عادة النساء و طبعهنّ : ” تغيير الألقاب”، فالشابّة قبل الزواج بلقب، و بعده بلقب ، و بعد الطلاق لقب، و مثل ذلك في التوقيعات.

إنّ نشر كتاب باسم ذكر يوفّر حماية للمرأة ، ليس في المشرق فحسب؛ بل حتى في الغرب، و ” ماري آن إيفانز” التي باتت تعرف ب”جورج إليوت” واحدة، منهنّ في العصر الفيكتوري ، و كذا الأخوات برونتي، و ليست هذه الملاحظة الوحيدة بخصوص تناقضات النساء الأديبات، بين ما يدعين إليه و ما يمارسنه، فهنّ ضد الرجل لكنهن يسرقن الأسماء الذكورية،   و هنّ مدافعات عن حقوق المرأة ولكنهنّ كارهات لأعمال بعضهنّ، ناقدات صارمات لبعضهنّ.

ولعلّ أشرس تلك المواقف نقد ” أليس ووكر” و معالجتها مواضيع بطريقة مباشرة، ككراهية النّساء و النفور من المرأة ، و العنصرية، و مقاومتها مصطلح النسوية، لما يحمله في نظرها في طياته من لامبالاة بالنساء الملوّنات، و اقتراحها بدلا عنه مصطلح ” الأنثوية”.

غير أنّها هي الأخرى لم تسلم من الانتقاد من أقرب الناس إليها، ابنتها “ربيكا” التي تحدّثت في الجزء الثاني من مذكّراتها عن الأمومة، و اعتبرت ” النسوية ظلمت العديد من النساء، بل خدعت جيلا برمّته، عندما شجّعتهن على عدم الإنجاب”[5].

المراجع:

[1]  ينظر: بام موريس، الأدب و النسوية، ترجمة : سهام عبد السلام، مراجعة و تقديم: سحر صبحي عبد الحكيم، المشروع القومي للترجمة، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة/ مصر، ط3، 2003م.

[2]   إيلاف شفق، حليب أسود ـ الأمومة و الكتابة و الحريم ـ ترجمة: محمّد درويش، دار الآداب /، بيروت/ لبنان، ط3، 2008م، ص 56

[3]  إيلاف شفق ، حليب أسود، ص 140

[4]  إيلاف شفق ، حليب أسود، ص 142

[5]  إيلاف شفق، حليب أسود، ص 392

آمنة عيساوي

أستاذة لغة عربية عاشقة للكتب طالبة دكتوراه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى