سياسة وتاريخ

الجندر والمقاربة التمكينية للمرأة

بادرت معالم تمكين المرأة من حقوقها خلال المؤتمر العالمي الرابع للمرأة الذي سنه المجتمع الدولي سنة 1995 بيجين، ارتكز على إقرار وضعية عادلة ومنصفة للمرأة في العالم، والمغرب لم يكن بمعزل عن إعرابه وموافقته على التوصيات والنتائج التي خرج بها المؤتمر، جلها كانت تهدف إلى اتخاذ العديد من التدابير والإجراءات العملية والمؤسسية، ذات هياكل ومقاربات تعزز النهوض بأوضاع المرأة وحقوقها في الدول العربية والمغاربية.

مصطلح “تمكين المرأة” ولد من ثقافة الجندر التي ظهرت في بداية الأمر مع الحركات النسائية الراديكالية، مما يجعل مرجعيته تجسد منطلقات وأهداف منافية للثقافة والخصوصية الدينية للمجتمعات العربية والإسلامية، مثل مفهوم المساواة المطلقة بين الجنسين.

يمكن القول إن ترجمته الحرفية “استقواء”، فتمكين المرأة وفق الأجندة المعرفية والنظرية لا يكون من خلال السعي لتزويدها بالكفاءة اللازمة، وتوفير الفرص الحقيقية لها لتحقق ما تصبو إليه من تقدم علمي ومهني يخدم دورها الأسري والاجتماعي والذاتي، إضافة إلى عدم تعارضها مع تشريعات دينها وثقافة مجتمعها، بل يجب أي يكرس من خلال تطبيق التخصص النسبي الذي يجعلها مساوية للرجل بكل شيء، بل يجردها من انتمائها الجنسي وميولها الفطرية لتكون أقوى وجوديًّا.

المقاربة التمكينية بمعناها الأوسع يعني زيادة سلطة المرء، وقدرته على التحكم في الموارد والقرارات التي تؤثر على حياته، باعتبارها العملية التي تحصل المرأة من خلالها على السلطة التي تتيح لها التحكم في حياتها وقرارتها، وتكتسب القدرة على اتخاذ خيارات إستراتيجية منتجة وفاعلة، ولهذا تبقى قضية إدماج المرأة ومشاركتها في جميع مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية داخل المجتمع صمامًا حيويًا للاستمرار في إنتاج مجتمع فاعل ومنصف.

النهوض بحقوق المرأة ونشر قيم المساواة والإنصاف خيار وضرورة تتحملها كل مكونات المجتمع، سواء تعلق الأمر بالسلطات العمومية والحكومية، أو المنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية كذلك وباقي القوى الاجتماعية الفاعلة.

إن مناصرة قضايا المرأة لا يرتبط فقط بفتح باب مشاركتها وولوجها إلى البرلمان والمجالس ومراكز القيادية، بقدر ما يرتبط بتمكينها الفعلي الذاتي في اتخاذ القرارات الحيوية داخل الدولة، وإشراكها في صنع السياسات وتدبيرها، وهو ما يعني أن المرأة مطالبة أكثر بمزيد من العمل والوعي بحقوقها، كما أن حكومات الدول والمجتمعات مطالبين بمزيد من الإنصاف والمساواة بين الجنسين، وإدماج مقاربة الجندر في السياسات والبرامج التنموية والحيوية، وكل ما له علاقة بنهضة المجتمع الديمقراطي المشاركتي.

بالرغم من جل التدابير التي استهدفت المستوى التشريعي والمؤسساتي في دسترة العمل على إدماج مقاربة الجندر، أو ما يعرف بالنوع الاجتماعي في سن السياسات العامة، إلا أن عدم فهم المقاربة ساهم في فشل العديد من السياسات العمومية التي اعتمدت في استراتيجيات القطاعات منها الحكومية، وهذا تمثل في عدم استفادة فئات عريضة تمثل المجتمع وخصوصًا النساء منها نساء المناطق القروية.

فسوء فهم المقاربة تسبب في صعوبة التنزيل على أرض الواقع، وعائق من طرف العديد من الفواعل منها السياسيين، الحقوقيين والباحثين في الدول العربية مثل الدولة المغربية مثلاً، حيث نلاحظ من خلال قوانينها وتنظيماتها لم تكرس بشكل كامل تفعيل مقتضيات دستور 2011  كالمادة 19 التي تضمنت المساواة بين الجنسين في جميع الحقوق والحريات من جهة، ومن جهة أخرى عدم مراعاتها بالالتزامات والاتفاقيات الدولية التي صادق المغرب عليها في إطار النهوض بمنظومة الإنسانية، وخصوصاً حقوق النساء.

على غرار ما سبق ذكره، فإن عدم الالتزام والعمل بالمقاربة والوفاء بها أمام المجتمع الدولي سيشكل عائقاً من حيث ملائمة المخططات السياسة العمومية التنموية، وعرقلة مؤسستها كرافدة في تعزيز وإقرار الإنصاف والعدل للمرأة ككل، علاوة على ذلك، فإزالة اللبس المفهوم في واقعنا العربي عامة والمغربي خاصة، يمكن أن يتحدد معناه في مجموع الخصائص والأدوار الاجتماعية لكل من الجنسين التي تحدد وفق ثقافة وأعراف كل مجتمع، بأنها أدوار وسلوكيات ووظائف خاصة بكل من المرأة والرجل، أدوار تتغير بتغيير الزمان والمكان داخل المجتمع نفسه، تشترك في تحديد طبيعة الأدوار، وتتمثل أساساً في عملية التنشئة الاجتماعية التي يتلقاها الطفل مند وجوده.

لكن هناك عوامل أخرى تساهم بشكل أو بأخر في تحديد طبيعة الوظائف الاجتماعية (الأسرية، الإنتاجية، المجتمعية، الاقتصادية والسياسية..إلخ)، تتمثل في سلطة اتخاذ القرار لكل من المرأة والرجل في المجتمع.

وهذا ما يجعلنا نقول بأن إسهام الباحثين والمهتمين في جل المجالات والقطاعات في موقع مسؤوليتها يعزز بالعمل الجاد والفعال في نهج الوعي للتصميم المستقبل، ويبقى الخيار الصحيح لتذليل الصعاب والتوجه نحو مسار التنمية الفاعلة والمنتجة للمرأة، ولذلك علينا تمكين النساء من المشاركة الاقتصادية، الاجتماعية، السياسية، الإنسانية بصفة عامة لأنها مدخل وآلية مهمة لمعادلة تفعيل مقاربة الجندر في تدبير صنع القرار التشاركي.

بعض المراجع المعتمدة:

  • هويدا عدلي: المرأة والمشاركة السياسية، نشر من قبل مؤسسة فريديرش ايبرت مكتب مصر، الطبعة الأولى 2017.
  • ليلى الرفاعي: مقال حول” تمكين المرأة …اشكالية مصطلح ووعورة التنفيذ”، منشور على الموقع التالي: https://midan.aljazeera.net/miscellaneous/2017/2/26/، تاريخ الاطلاع 13/09/2019 ساعة : 20:45.
  • التقرير السنوي 2017-2018 “عشر سنوات في مكافحة البطالة والتطرف وتهميش الشباب والمرأة”، من اصدرات مجلة صلتك، 2018.
جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

منى دلوح

منى دلوح طالبة باحثة في سلك الدكتوراه في القانون العام بجامعة عبد المالك السعد -طنجة ، حاصلة على دبلوم الماستر في حقوق الانسان، موازاة مع مساري الدراسي فأنا ناشطة في العديد من الجمعيات منها مركز ليكسوس للدراسات القانونية والسوسيولوجيا، متطوعة بشبكة حقوق الانسان بمعهد بروميثيوس للديقراطية وحقوق الانسان، رائدة بالفضاء المدني... كذلك مشاركة في برامج تدريبية وتكوينية سواء على المستوى الوطني وكذا الدولي من بينها أكاديمية المجتمع المدني، منتدى شباب العالم في مصر، سفراء نوابك...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى