سياسة و تاريخ

الجريمة المنظمة.. أية مقاربة نظرية تطرحها؟

بدأت الجريمة مع الإنسان منذ أقدم العصور بأشكالها البسيطة، وتطورت مع تطوره وظلت تصاحبه عبر الزمان، بل أنها انتقلت من البساطة إلى التعقيد، وظهرت أنماط جديدة ومتنوعة من الإجرام، من بينها الجريمة المنظمة التي استغلت الظروف المختلفة التي يمر بها العالم من الحروب و الصراعات الدولية و الإقليمية، إلى البطالة و الفقر والهشاشة في بعض دول العالم خصوصا العربية منها.

إذ أخذت الجريمة المنظمة في التوسع والانتشار وتعاظم شأنها، حتى غدت الجريمة المنظمة ظاهرة من أخطر الظواهر الإجرامية التي تغزو المجمع الدولي، فهي تعبر الحدود الوطنية و تتحدى القانون الوطني و أجهزة إنفاذه، فضلا عن أنها تثير مشاكل قانونية متعددة على أصعدة كافة، تهدد سيادة الدول وتزعزع الأمن و الاستقرار والتعايش المجتمعي في العالم.

الجريمة المنظمة من أكثر المشاكل الأمنية خطورة، حيث تهدد استقرار العلاقات الدولية و الأمن الداخلي للدول، بما تمارسه عصابات الجريمة المنظمة من تأثير على الحياة السياسية و الإدارة الحكومية والسلطات القضائية ووسائل الإعلام و الاقتصاد، عن طريق هياكل تشبه هياكل التجارة و الأعمال التجارية والاقتصادية، وذلك من خلال النمو المذهل للجريمة المنظمة على مدى العقد الماضي و امتدادها العالمي.

هذا وقد كان لظاهرة العولمة أثر كبير في انتشار الجريمة المنظمة وامتدادها على نطاق واسع، حيث تمخض عن ظاهرة العولمة نتيجتان:

الأولى : إزالة الحدود بين الدول بحيث أصبح العالم وكأنه قرية واحدة.

الثانية : تداخل القضايا بما هو سياسي و اقتصادي و اجتماعي وثقافي، فأصبحت هذه الموضوعات وكأنها في وعاء واحد لا يمكن الفصل بينها، مما أدى إلى امتداد ظاهرة العولمة إلى الدوائر الإجرامية، وذلك من خلال الأسلوب المنظم للجريمة وارتكابها من المؤسسات الإجرامية التي تعتمد المنهج العلمي في إدارة أعمالها، تماما كما تنتهجه المؤسسات المشروعة، وتستفيد من التطور العالمي مثلما استفادت منه الأجهزة الأمنية، وتظهر بالسوق على أنها مؤسسات مشروعة.

هكذا أصبحت الجريمة المنظمة عبر الوطنية تشكل خطرا حقيقيا على المجتمع الدولي بأسره، لما تحدثه من آثار مدمرة على جميع جوانب الحياة لشعوب الأرض قاطبة، ولا توجد أية دولة محصنة ضد هذا النمط من الإجرام، لذلك الحاجة ملحة إلى تكثيف الجهود على مستوى الوطني و الإقليمي والدولي لإيجاد استراتيجية مثلى لتوقي خطر الجريمة المنظمة وآثارها.

إن الخطر الحقيقي للجريمة المنظمة يتمثل في انتهاكها لمجموع حقوق الإنسان سواء الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية والثقافية، حيث تتسبب العمليات التي تنتج عن الجريمة المنظمة خسائر فادحة في الأرواح والمعاناة الإنسانية، وتهدد السلام والاستقرار في مناطق عديدة من العالم، إلا أن العديد من الإجراءات المتخذة لمواجهة هذه الممارسات تتعارض في بعض الحالات مع الحريات الأساسية، خاصة وأنها مسألة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالحق في الحياة والصحة والغذاء، كما تشمل هذه التحديات الأمراض الوبائية وتدهور البيئة والصحة التي تهدد الجنس البشري.

على ضوء ما سلف تعد الجريمة المنظمة من أخطر التهديدات التي تواجه المصالح العامة و سلامة  أمن الأفراد و المجتمعات، و هذه الجريمة و إن كانت ترتكب في الماضي بوسائل بسيطة، و في حدود جغرافية معينة، فإن التطور الحاصل في مختلف المجالات الاقتصادية و التكنولوجية وخاصة في قطاع الاتصالات، أدى إلى تطور الجريمة بحيث برزت الجريمة المنظمة العابرة للحدود، و التي تقوم بها منظمات إجرامية خطيرة، إذ انتقلت هذه الأخيرة في ممارسة نشاطها من النطاق الداخلي للدول إلى النطاق الدولي، فزادت خطورة هذه الجرائم بحيث لم تعد الدول قادرة على مواجهتها بمفردها بما في ذلك الدول الكبرى و المتقدمة، مستغلة في ذلك عدم وجود تنسيق كافي بين الدول في مختلف المجالات خاصة المجال القانوني و القضائي و المجال الأمني.

هذا يوضح لنا أنه لا يمكن إيجاد حلول لمكافحة هذه الظاهرة في النطاق الداخلي للدولة، فالجريمة المنظمة بأنشطتها المتعددة و المختلفة تسعى للتأثير على تماسك المجتمعات واستقلال الدول، و كذلك التأثير على المؤسسات الاقتصادية و السياسية الدولية و الوطنية، وهذا ما دفع المجتمع الدولي إلى الاهتمام بهذه الظاهرة، وتكثيف تنسيق الجهود الدولية لمكافحتها.

المراجع المعتمدة :

شريف سيد كامل : “الجريمة المنظمة“، الدار العلمية و الدولية ودار الثقافة للنشر و التوزيع – عمان، طبعة الأولى – 2001.

كوركيس يوسف داوود : “الجريمة المنظمة”، ( رسالة دكتوراه ) ، الدار العلمية للنشر و الثقافة – عمان الأردن، 2001.

تقرير المجلس الاقتصادي و الاجتماعي و المؤتمر الوزاري العالمي المعني بالجريمة المنظمة عبر الوطنية، نابولي من 21-23 نوفمبر 1994 / (المشاكل و الأخطار التي تطرحها الجريمة المنظمة عبر الوطنية في مختلف مناطق العالم)، وثيقة معلومات خلفية، رقم « E-CONF.88/2 ».

سمير ناجي :”التعاون في مكافحة ومنع الجريمة المنظمة العابرة للحدود و غسيل الأموال المستمدة من الإجرامالمنظم و تمويلها“، المركز العربي للدراسات الأمنية و التدريب، القاهرة، يوليو 1967.

محمد فاروق النبهان :”مكافحة الإجرام المنظم“، المركز العربي للدراسات الأمنية – الرياض، 1989.

 

برجاء تقييم المقال

الوسوم

منى دلوح

منى دلوح طالبة باحثة في سلك الدكتوراه في القانون العام بجامعة عبد المالك السعد -طنجة ، حاصلة على دبلوم الماستر في حقوق الانسان، موازاة مع مساري الدراسي فأنا ناشطة في العديد من الجمعيات منها مركز ليكسوس للدراسات القانونية والسوسيولوجيا، متطوعة بشبكة حقوق الانسان بمعهد بروميثيوس للديقراطية وحقوق الانسان، رائدة بالفضاء المدني... كذلك مشاركة في برامج تدريبية وتكوينية سواء على المستوى الوطني وكذا الدولي من بينها أكاديمية المجتمع المدني، منتدى شباب العالم في مصر، سفراء نوابك...

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق