أسلوب حياة

الجرح النفسي.. عندما تجري واهمًا الوصول لشط الأمان

قد لا ينزف دمًا ولكنه أشد تأثيرًا في النفس بكثير، لا يلتئم بسهولة وقد يمتد لشهور أو سنين أو يلازمك طوال العمر، لا يطلبه الإنسان لنفسه بل يأتي له على طبقٍ من ذهب. فقليلٌ من المشاعر والأحاسيس قد تسبب لك الجرح النفسي أما الفرح والإحساس بالنشوة قد يصاحبهما أيضًا الجرح النفسي.

أنواع الجرح النفسي كثيرة جدًا وتختلف من شخصٍ إلى آخر، ومن مجتمعٍ إلي آخر. الجرح العادي يكون مكانه ظاهرًا ويمكن علاجه والشفاء منه أما الجرح النفسي يكون مخفيًا؛ إما في داخل العقل وهذا أيسر قليلًا من وجوده وتوهانه في داخل القلب.

كثيرٌ من الناس يمتلكون المال ويتنعمون في خيراته ولكنهم يعانون في نفس الوقت نفسيًا؛ لغياب الحب والمشاعر الفياضة والأحاسيس المرهفة واللذة بالحياة والعيش في جمع المزيد ثم المزيد من الأموال وكيفية المحافظة عليه.

والبعض الآخر ممن يمتلكون المال ثم يفقدونه يتجرعون الألم عند فراقه ويبكون على جدران الأطلال ويتحسرون، مع أن امتلاك الإنسان الصحة والسعادة ونعم الله التي لا تعد ولا تحصى بخلاف المال، أفضل مليون في المائة من فقدانها نتيجة المرض المستعصي الذي ليس له علاج أو المرض الذي علاجه يكلف الكثير من الجرح النفسي والوجع البدني والأنين وكره الحياة وما فيها.

ولكن الإنسان المؤمن بربه والمتوكل عليه في السراء والضراء يخفف عنه الله كثيرًا ويلهمه الصبر لمواجهة الجرح النفسي ويكون راضيًا بحكمه متقبلًا لشتى أنواع الجرح بصدر رحب وقلب مؤمن بقضائه سبحانه وتعالى. وعمل سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم- للدنيا قليلًا وللآخرة كثيرًا، فقد ذاق ما لم يذيقه أحد، وتحمل ما لم يتحمله بشر، ولكنه ظل حامداً وشاكراً وراضياً بقضاء ربه.

طبيعة البشر تفرح عند السعادة وتبكي عند الحزن، وفي نفس الوقت تجد عند بعض الأشخاص تختلط الحكاية، فالاثنان متلازمان سواء عند الفرح أو الحزن، فقدان الأحبة والأقارب والأصحاب بلا شك تسبب جرحًا نفسيًا نافذًا في القلب وتشويشًا في العقل، ومعها يفقد المرء القدرة على المواجهة؛ فيغيب في الظلمات وتسحب روحه منه وهو لا يدري. ولكن بقدرة الله تعالى وعدله وآياته في خلق الموت والحياة والإيمان بعفوه والتقرب إليه بالعبادات وقراءة القرآن الذي ينزل السكينة والطمأنينة في الجسد والروح.

وبفضل خلقه -سبحانه- نعمة النسيان يخف الجرح النفسي قليلًا، ولولاه لمات الإنسان في الحال من شدة التأثر والبكاء والحزن الشديد. مشاعر حب الآخرين وتوادهم وتراحمهم وتعاونهم ومواساتهم لك في الفرح والحزن لها من الفضل الكثير في تذليل معظم الصعاب والمحن والمواجهة والنصر على كافة الأوجاع مهما كثرت الجروح.

حب الإنسان للطرف الآخر قد يجعل السعادة تتملك من القلب وتأمل أن تتم العلاقة وتدوم، ولكن عند ضياعها يصيب الإنسان جرحًا نفسيًا يظل تأثيره قاصمًا على ظهره، وقد لا يفيق منه أبدًا لمتانة العلاقة وتوحد المشاعر وتماس العقول في الفكر وتوارد الخواطر في القلب.

يخطط الإنسان لحياته ويرسم المستقبل له ولأهله وأبنائه ويغفل وجود الله الذي كتب حياته من البداية للنهاية وأنت ببطن أمك، تخطفك الدنيا وبريقها وتجري كالأمواج واهمًا أن تصل لشاطئ الأمان ولكن هيهات من النهايات وكسر المعنويات وطفح التوجعات وبلوغ العمر أرذله والندم حين لا ينفع الندم. في أول الجرح أو أوسطه أو آخره تنادي النفس صاحبها ويأتيها شعاع النور، ما أفضل من سبيل غير الموت في سبيل الله والدفاع عن دينه ومقدساته ومساعدة الفقراء والمحتاجين والمساكين.

اقرأ أيضًا: ميزان الحقيقة الضائع.. الوهم مفتاح التضليل وربما الجنون

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق