مدونات

الجائحة الخالدة في الذاكرة لعشرات السنين

شهدت أواخر عام 2019 بالضبط في شهر ديسمبر ظهور الفيروس الفتاك COVID 19، من أشرس أنواع الأنفلونزا التي هددت ولا تزال تهدد العالم اليوم، فما هي تداعيات كورونا وتأثيرات هذا الفيروس الاجتماعية والاقتصادية؟

سمعنا الكثير عن كورونا إنه فيروس مدمر، وتداعياته الاقتصادية والاجتماعية المدمرة، لكن القليل ممن انتبه للدرس الخفي الذي علمنا إياه كورونا.

كم منا أناس لم يعرفوا قيمة الأهل وتضامن وتكافل والمساعدة في الأعمال المنزلية إلا مع كورونا، فأصبحنا منزوين في بيوتنا مما فرض نوع من الرقابة على سلوكياتنا، والتزامنا نحو أبناءنا والقيام بالأعمال المنزلية من صيانة لمعدات البيت، أو الالتفات للأبناء والجلوس معهم والقيام على شؤونهم وفق نوع من تواصل لم يسبق له مثيل.

من تداعيات كورونا أنه جعلنا نمعن إعادة النظر لسلوكياتنا التي تحتاج تقويم، وهو فرصة لتنمية المواهب والقدرات عبر الانخراط في دورات تكوينية أو قراءة الكتب، كم من أشخاص كانت حياتهم مستهترة يعوزها الانضباط والتأمل في الذات، لكن مع كورونا صرنا نمعن النظر لأنفسنا ونحاسبها،بل أصبح هناك تكافل اجتماعي ونوع من المودة وإعادة إحياء الذكريات القديمة بين الأصدقاء، كلها أشياء من دون الوباء ما كنا لنلتفت إليها.

من لم يتعلم من كورونا أشياء جميلة كالنظافة والنظام ومراعاة مصلحة الآخرين والحرص على سلامتهم، فلا أظنه فهم الدرس الخفي للوباء، خلاصة القول فيروس كورونا فرض أشياء وقيم بل ونعم لن نكن نلتفت لها، كنعمة الحرية والصبر والتضامن وتكافل الاجتماعي، لولاه ما عرفنا قيمة هذه الدروس الحقيقية.

كذلك من تداعيات كورونا توطيد الوباء نظام تعليم عن بعد والالتفات إليه باعتباره دعامة متجددة مواكبة لروح تطور العصر، ويبقى التعليم عن بعد مثله كالتعليم الحضوري من ناحية القيمة العلمية، بل إن التعليم عن بعد يضمن لك خاصية التحكم في الوقت ودراسة وفق جو مناسب، ليس فيه ضغط الأقران والمنافسة الشرسة.. إنه نظام تعليمي جديد يفرض نفسه بقوة في عالم متطور.

كورونا أصبح ليس فقط رمز لفيروس جديد، بل توجه اجتماعي واقتصادي علمنا الكثير، وإن كان الكل ركز على تداعياته على الخارج، متناسين منافعه والفرص التي وفرها لنا لنتأمل في أعماقنا ومراجعة أنفسنا وإصلاح علاقة ذات البين.

لقد بث الفيروس الرعب في قلوب الناس، وأخذوا كل الاحتياطات اللازمة لمنع تفشي هذا الداء، من تباعد اجتماعي وارتداء للكمامة وتعقيم اليدين، وفرض كذلك عدم التصافح باليد والعناق، وإن كان بعض الناس يحرجونك حينما يمدون إليك يدهم بالمصافحة، فتعزف عن عدم مد يدك احتراماً لهم مع إشعارهم أنك لن تصافح في المرة المقبلة تفاديًا للعدوى ولحماية النفس.

لقد أولى ديننا الحنيف عناية قصوى لحفظ النفس، بل جعلها في قائمة الأولويات وذلك لما كرم ديننا الإنسان وجعله في هرم الخلائق، من هنا كانت ضرورة حماية أنفسنا من هذا الداء الفتاك ضرورة لا محيص عنها، حيث لما ضرب الطاعون قديمًا في عهد حكم الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فرضوا حجرًا صحيا لمنع تفشيه وفتكه بالجنس البشري، حيث كان من دخل لمكان بؤرة طاعون لا يخرج منها ومن خرج لا يدخل لها.. الداخل مفقود والخارج منها مولود.

ستظل تداعيات كورونا في الذاكرة، مستعرضًا جنبات التاريخ، مستحضرًا معه كل الاحترازات الوقائية التي علمنا إياها وكيفية التصدي لوباء مشابه في المستقبل.

لا ننسى طبعًا القيم الجميلة التي علمنا إياها كورونا من خلق جو من التواصل وتضامن وتكافل بين الأسر، وسنظل شاكرين له، معترفين بجميله في ظل توطيد العلاقات الإنسانية وخلق آفاق إبداعية أرحب لتصدي لفيروسات مماثلة.

اقرأ أيضاً: القرية الكونية أصبحت «كورونية».. ماذا قدمت العولمة غير الدمار؟

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

أيوب حطوبا

أيوب حطوبا العمر : 31 سنة طالب باحث في التنمية الذاتية وعلم نفس بدأت مسيرتي ب قراءة الكتب(التنمية الذاتية وعلم نفس) لما يقرب من 15 سنة، ثم توجت هذه التجربة بتلخيص الكتب وأخيرا كتابة مقالات عند مدونة 22 arabi. أتمنى أن أفيد وأستفيد معكم. شكرا

اترك تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق