مدونات

الثورة و«البانديّة»

اجتمعنا في مقهى تقليدي في جهة سوسة، مقهى من الزمن القديم قيل أنّ ملكيته انتقلت من مورث إلى وارث حتى استقرت لدى أحد المهتمين اشتراها قبل ثورة الرابع عشر من يناير، هو مقهى يغلب فيه الخشب على الإسمنت، صور فنانين عمالقة كأم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وفهد بلاّن، وفريد الأطرش وعبد الحليم وعلي الرياحي ونعمة ووردة، وعليّة والشيخ العفريت وفيروز.

كراس صغيرة وطاولات من الخشب، وقهوة ناضجة على النار في “زَزْوة” لها مشد طويل، وزبائن كثيرون من موظفين وعمال وسياح باحثين عن معرفة سرّ المكان وعن أسرار حضارة عربية أمازيغية تقبل الاختلاف رغم كل ما مرّ عليها. كنا ثلاثة أصدقاء من خريجي كليّة الحقوق بصفاقس، إلتقينا قبل عقدين في المبيت الجامعي حيث تبادلنا المعلومات والضحك قبل أن نفتح حقائبنا لنوظب أغراضنا في الخزانات. كانت سنة ثمانية وتسعين تحديدا.

اليوم أنا محرر مقالات بجريدة تكاد تعلن إفلاسها، وأصدقائي هم عبد الرزاق صاحب قاعة حلاقة قريبة من المقهى، وحمده عامل بمصنع منتوجات بلاستيكية ونور الدهر محام وهو الوحيد الذي استفاد من شهادة الحقوق.

المقهى جميل وجيّد إلى درجة عدم الشعور بالوقت يمر، إذ تنبثق من زواياه روائح الحياة العتيقة وزمن السهرات الغنائية و”الكافيشانطات” والخروج بعد آذان الفجر بكل اطمئنان وسعادة. يشتغل به ثلاثة شبان من الطبقة الفقيرة مستأجرين شقة كما قال لنا عبد الرزاق الذي يعرف كل كبيرة وصغيرة عن المكان. أحدهم يشتغل وراء “الكونتوار” والثاني يوزع المشروبات والشيشة للناس والثالث يعد الشيشة ويجهزها قبل أن يجلبها الثاني، ويضع الجمرات بصفة دورية وخاصة حين يسمع أحدهم بحاجة إلى ولعة. الولعة يطلبها الزبون من النادل، والنادل يصيح بقوة ويطلب ولعة من زميله الذي يأتي بسرعة ويعرف الزبون بخبرته الطويلة، كنون في يده ومقص في يده الأخرى، يزيل الجمرات المنطفأة وينفث الهواء في مؤخرة الكسكاس ويعيده إلى مكانه بإحكام ويضع فوقه جمرات جديدة متوهجة تحرق المعسل فيعج المكان بالدخان المنبعث من أفواه الزبائن. هذا الأمر هو ما جلب السياح إلى هذا المقهى، يريدون أن يكتشفوا هذه الحضارة التي تمنح اهتماما لكل التفاصيل، يريدون معرفة سبب اهتمام الناس بالقهوة والمعسل أكثر من معرفة أجواء الديمقراطية هنا أو غلاء الأسعار بالنسبة لطبقتنا الفقيرة أو التضخم أو هجرة أدمغتنا.

السياح نعرفهم بمجرد النظر إلى وجوههم، لهم بشرة حسّاسة بيضاء عكس بشرتنا الجافة والقمحية التي تنبأ بأزمات عديدة ومتتالية لا نهاية لها. يتكلمون لغات مختلفة، لا نفهمها أبدا، لكننا نفهم أنها متعددة وخاصّة الفرنسيون حين ينطقون حرف “الغاء” عوض “الرّاء” أو الصينيون الذين تغلب على كلامهم عبارات “تسين” أو “تشين” أو الجزائريون الذين يتكلمون خليطا من العربية والفرنسية أو المغاربة الذين يقحمون داخل كل جملة “ديالي” أو “ديالك” أو “ديالنا”. نحن باعتبارنا مواطنو هذا البلد نشعر بالفرح حين نرى سياحا يختارون بلدنا عوض بلدان أخرى، لكننا نتسائل ونستاء حين لا نرى نتيجة للسياحة على أوضاعنا الهشة وحيواتنا المهددة رغم أنها تحتضر منذ زمن.

المكان قريب من البحر، لقد زادت رائحته المنعشة الجلسة حلاوة. جلب لنا النادل فنجاني قهوة وقارورة كوكاكولا وكأس شاي، وجلب لنا الشيشة ووضع واحدة بجانب كل واحد منّا، وقال لنا مرحبا بكم ومرحبا بعبد الرزاق العظيم أفضل حالق رؤوس وذقون في العالم. النادل لا يعرف شيئا غير كلمة تفضل بكثير من اللغات ليفهمها جميع رواد المقهى.

قال لنا حمده حين سألناه عن الأحوال، أنّ المصنع الذي يشتغل به هو على ملك أحد الرأسماليين المتوحشين الذي يريد عصر أجساد العمّال لتأتي مرابيح خيالية لا يدفع منها سوى مرتبات ضعيفة لا تسمن من جوع، بل إنّ معظم العمّال يعانون من ديون متراكمة لدى الدكاكين والمحلات وقروض غير خالصة من البنوك. وقال لنا أنّ عبد الرزاق شاهد على ديونه لعدة حلاقات غير خالصة. فصاحب المصنع لا يأتي أبدا للمصنع، بل كلّف منذ زمن صهره ليمسك بزمام الأمور ويمتص المشاكل كإسفنجة، مقابل سيارة تويوتا ومرتب شهري أفضل من مرتب أكبر العمال وأكثرهم خبرة. صهره هذا يهدد العمال بإغلاق المصنع في صورة التخطيط لإضراب عن العمل، بل سيطرد جميع العمال ويبيع المصنع حتى لو كلفه الأمر دفع التعويضات لهم.

أما نور الدهر فيرتدي ملابس واسعة دون مقاس له ودون عناية، ربطة عنقه سوداء تميل إلى الجهة اليسرى، وحذاءه متسخ وبعض الشعر في لحيته غير محلوق بما أنه يتبع سياسة تقشف أبرز ركائزها حلق اللحية في المنزل وتوفير ثمن حلقها عند الحلاق لغايات أخرى. هو محام لدى التعقيب لكنه يعاني من أزمات مالية مثلنا تماما، قال له عبد الرزاق بفضل احتكاكه بالناس باختلاف وظائفهم أن عليه أن يستغل عمله جيدا وأن يدخر المال للأيام الصعبة. قال له أن هناك من المحامين من هو مالك لشقق وأراض وسيارات من طراز جيد.

قلت لعبد الرزاق أنّ نور الدهر إنسان صاحب مبدأ في الحياة، منذ أيام الجامعة، فهو يخير أن ينام دون وجبة عشاء على أن يتوسل للعون في المطعم الجامعي. فنور الدهر لو استغل وظيفته لما تزوج وهو في منتصف الأربعين، متى سيكبر إبنه ومتى سيحصل على شهادة جامعية وعلى عمل؟ فحمده على الأقل تحمّل ظروفه وتزوج باكرا ولا يغرف من القدر لقمة أكبر من فمه، لقد تداين واشتغل ليلا ونهارا من أجل توفير مصاريفه ومصاريف زوجته وأول مولود لهما. ثم اِلتفت لي نور الدهر وقال لي أنّ الإنسان مهما حاول التغير والتأقلم إلا أنه يبقى دائما خاضعا لقدره، وأن كل تلك المحاولات هي ضرب من ضروب الهذيان وتسلق اللاممكن.

جلب لنا النادل قارورة ماء وكأسين، ثم وضع زميله ولعة فوق كل شيشة. شعرت بمرور سريع للذكريات التي جمعتنا في الماضي، فحمده كان لامباليا أبدا، ولا ينام إلا فجرا بعد أن يقضّي سهرة طويلة في لعب الورق والتدخين في مطبخ الطابق الذي نسكنه. كنّا نور الدهر وأنا لا نطيق أبدا ضحك حمده في المطبخ رفقة أصدقاءه القادمين من الطابق العلوي، ولا رائحة التبغ التي تتسرب إلى الغرفة من تحت بابها، ولا موالات أم كلثوم ولا ضرب فناجين القهوة والشاي بقوة على طاولة المطبخ التي تحطمت مع بلوغ آخر السنة.  الأمر الذي منع حمده من الاستيقاظ باكرا وحضور دروس القانون صباحا، بل يستيقظ عشية ليستحم ويغير ملابسه ويسرّح شعره ويضع بعض العطر الرخيص ثم يخرج ليواعد إحدى الفتيات.

كان شابا نظيفا ومرموقا لدى الفتيات أكثر من أي واحد منّا، بشوش، يتكلم بحرية وثقة في النفس كالزعماء، حتى رأيت كثيرا منهن يرغبن في صداقته وحتى السهر معه. كنت مصمما على النجاح وعلى الإحراز على الشهادة دون إضاعة للوقت، أسهر أنا ونور الدهر في الغرفة حتى العاشرة أو أكثر بقليل، نلخص المواد القانونية ونستعد للفروض قبل موعدها بأيام وبأشهر، لكن حمده كانت نتائجه أفضل من نتائجنا ففهمنا أن الأمر لا يتعلق بالمواظبة بقدر ما يتعلق بالفطنة وبالذكاء. أنا اليوم في إجازة منذ أسبوع، لقد كرهت هذا العمل الذي يجبرني على الجلوس كامل اليوم على كرسي خشبي أصابني بأوجاع في الظهر والرقبة. أصابعي دائما على لوحة المفاتيح، أحرر مقالات لن يقرأها أحد وأطلع على أخرى لأقرر الموافقة على نشرها أو رفض ذلك، فقط لأكسب مرتبا تافها بالكاد يوفر ثمن الحفاظات والحليب للولدين.

زوجتي أصبحت بمثابة غريب يقيم معي في نفس الشقة، حين أنهي العمل وأحاول تفريغ الغضب في المقهى ليلا أجدها قد نامت حين أعود، أحرص على غلق الباب دون إحداث ضجيج، أجد طبق العشاء فوق طاولة المطبخ، ونادرا ما أزيل من فوقه الغطاء وآكل قليلا. لكن أدخن سيجارة في الشرفة وأنام. كل ليلة أعيش صراعا مع النوم. خاصة حين يستيقظ أحد الصغيرين أو كلاهما من أجل الحليب، تستيقظ هي لتضع الحليب على الموقد وترضعهما، وفي الآونة الأخيرة صرت أنا الذي يسخّن الحليب لأنني مستيقظ ولأريحها بعض الوقت. شحب وجهي وهزل جسدي بسبب الروتين والقلق والتبغ وقلة النوم، زد على ذلك الظروف المادية وقلّة الوقت الذي نتحدث فيه أنا وزوجتي أو نخرج لنتجول بعض الوقت. أنا خجول منها لأنني السبب في كل ذلك، لا يصدقني أحد حين أخبره بأنني لم أعاشرها منذ أشهر. لا يمكنني معاشرتها دون حديث ودون مداعبة، حتى صارت مثل غريب لا أعرفه.

قلت لعبد الرزاق متهكما أنني سأفتح صالونا فاخرا للحلاقة، بجانب محله. لم يغضب، بل قال لي إن الرزق بيد الله وحده، واسمه خير دليل على ذلك، فهو عبد الرزاق، أي عبد من بيده الرزق. فعبد الرزاق يشغّل شابين ومع ذلك يوفر مصاريف المحل ومرابيح محترمة ومورد رزق لشخصين. لقد أنعم عليه الله بهذا العمل الذي لا قلق ولا مشاكل فيه، ولا وقتا محددا ولا رأس مال ضخم يعرضه للإفلاس، ولا مؤجرا يراقبه ولا ديون في ذمة الحرفاء. تعجبت من كيفية تصرف وتفكير بعض الناس، فهمت أنني أنا من صنعت سجنا لنفسي، كملايين الناس في هذا العالم. كان هدفي منذ نيل شهادة الباكالوريا هو وظيفة مكتبية، أشتغل ساعات على مكتب لأتقاضى شهريا مرتبا سيزداد بمرور السنوات. هكذا سأحقق حلمي وحلم والدي رحمه الله الذي نصحني بعمل مكتبي ليشعر بالإطمئنان. خيرت هذا الحل على أن أدبر لنفسي شغلا حرا لا وقت يظبطه ولا رقابة ولا أي شيء. العمل المكتبي أنهكني ودمّر حياتي، والمرتب لا يكفي، وانفصال حاد بيني وبين زوجتي والصغيرين.

لو كان الأمر بيدي لباشرت عملا آخر، أو حتى عملين في اليوم على أن أمكث في كرسي أحرر المقالات وأقرأ أخرى وأشاهد العشاق في الخارج عبر النافذة كيف يضحكون والتجار والمتسولات والمتسكعين. لقد هاجرنا القرية منذ زمن باحثين عن الرفاهية، فاكتشفت بعد كل تلك السنوات أن الرفاهية ليست في المدن المكتضة بالناس الآليين المبرمجين، ولا أيضا في القرية التي تركناها وراءنا كما تركنا جيراننا القدامى والهضبة ومقام الولي الصالح. ولكن اكتشفت أنّ الرفاهية هي ما يريح أذهاننا، لا ما يمتع أجسادنا. لقد راهنت على الدراسة وعلّقت أملي على شغل لائق يحفظ كرامة العائلة، بعيدا عن استغلال المصانع وعبودية المقاهي. وفي النهاية ها أنا أشتغل عملا كله استغلال وعبودية، بل أكثر من ذلك، لا علاقة له بدراستي الجامعية ولا بشيء. وصل بي الحال إلى الحسد، صرت أحسد من يعمل في مجال بسيط مع أنه يضحك ولا يبالي بشيء، أحسد الذين ينهون أعمالهم باكرا، والذين يحافظون على وحدة أسرهم. هؤلاء من لم يتقيدوا بأحلام معقدة ولا بأفكار قديمة رجعية مفادها عبارة العمل اللائق.

حتى نور الدهر يشبهني كثيرا، فهو الآخر لم يستفد بشيء من المحاماة غير التجول يوميا بين أروقة المحاكم ومكاتب عدول التنفيذ، وبالكاد يوفر مصاريف المنزل ومعينات كراءه وكراء المكتب وفاتورات الماء والكهرباء والإنترنيت وأجرة الكاتبة التي يشغلها. الكاتبة مستمتعة أفضل من المحامي، فهي تغادر العمل قبله وتأتي صباحا بعده، ولا تبالي بمداخيله أبدا، بل عليه أن يصرف لها مرتبها كل شهر في الوقت المحدد سواء كان خاسرا أم رابحا. إنها الساعة الخامسة مساء، فالوقت يمر بسرعة إذا ما تعلق الأمر بجلسة حلوة مع أصدقاء قدامى. لم نلتقي منذ ستة أشهر تقريبا إلا هذا اليوم بما أنه يوم عطلة، أو كما تقول جدتي التي ماتت بعد أن قهرها الزهايمر: “فيشتة”.

إنه عيد ثورة الرابع عشر من جانفي التي نعتوها بثورة الياسمين في وقت ما، وكما ينعتها معظم الناس اليوم بالمصيبة التي عوض إنقاذ الناس فإنّها خنقتهم و دمرتهم ونغست حياتهم. اليوم يصادف يوم إثنين، وقد مرت ثمانية سنوات بتضحياتها وحماسها وصعوباتها، إلى أن وصل بنا المطاف إلى صراع دموي مع الزمن لا ندري متى نهايته. حمده يعلم جيدا أن الإضراب اليوم يعني إغلاق المصنع وتشرد عشرات العائلات، لذلك وبما أنه أحد المتطوعين لتمثيل زملاءه والمطالبة بحقوقهم، فلم يدفعه تحمسه ولا مساندة زملاءه له من أن يرتكب حماقة ويندم جميعهم. هو يعلم كل العلم أن الوضع حساس جدا، بل وأكثر من ذلك، فإنه سيحمي المصنع وسيشتغل أكثر من الوقت إن لزم الأمر، لكي لا يخسروا مورد رزق يسد نافذة الفقر والاحتياج. وكل ذلك رغم استقرار المداخيل مقابل غلاء المعيشة، هذا دون التحدث عن مصاريف الأطفال.

أما صديقي عبد الرزاق، فهو من يعلم تقريبا كل ما يحدث في البلد من كبيرة وصغيرة، أكثر حتى من الأمنيين الذين يتسربون إلى الأحياء عبر الهواء والماء، إذ يزور قاعته للحلاقة حرفاء من كل الطبقات. يسمع حديثهم ويفهم آراءهم ويقارن ذلك بما يسمعه من خطابات عبر تلفازه الكبير المعلق فوق المرآة. يعرف جيدا أن الكثير من حرفاءه لا يزورونه إلاّ لحلق الشعر فقط دون اللحية، فاللحية بعد الثورة أصبح الكثير يحلقونها داخل المنزل وشراء علبة حليب عوض حلقها عند عبد الرزاق.

صديقي عبد الرزاق لم يتضرر أبدا من الثورة، لكنه يسمع تشكيات الناس التي موضوعها غلاء المعيشة وقلّة المداخيل، دون أن يتعمقوا في أسباب قلة المداخيل وغياب الإنتاجية وكثرة الإيرادات وآثار كل ما سبق على المقدرة الشرائية والتضخم وانهيار الدينار أمام اليورو ثم النتائج المتمثلة في كثرة السرقة والإدمان وكثرة السلع المهربة التي ستعدم وجود المنتوج الوطني الأمر الذي سيترك المجال لغياب الإنتاج فالتوريد فغلاء المعيشة مرة أخرى فالسرقة والإدمان. إلى أن يقتنع الناس شيئا فشيئا أن الثورات هي حكر على دول دون أخرى.

حين يتكلم نور الدهر نصمت جميعا. فهو يخلط كلامه بعبارات قانونية والتحدث عن جرائم كثيرة، يعجبنا كلامه ويشعرنا بالفضول لمعرفة ما سيقولة والإنصات أكثر. هو يتحدث دائما من منطلق قانوني. سألته ذات مرة عن رأيه في الثورة، قال لي دون تفكير بعد أن أشعل سيجارة رخيصة رغم أنه محام صاحب خبرة، أن الثورة يجب أن تسبقها بنية ثقافية محترمة أو على الأقل حد أدنى من الوعي الشعبي لكي يبطئ قطار الدولة من سرعته في وقت ما دون أن يتوقف ويعجز عن التحرك إلى الأمام. قال لي بحزن أنّ الثورة أتت دون موعد، وهو ما يعكس عدم تلقائيتها ويدعم فكرة المؤامرة الخارجية، أنا أعلم جيدا أنه يريد أن يقارن بينها وبين الثورة الفرنسية التي ولدت من رحم الفكر والتطور ورغبة المجتمع آنذاك في التخلص من شباك الكنيسة التي تريد بسط نفوذها على كل ذرّة في الدولة.

قال لي أنّ الثورة التونسية جاءت دون سابق إعلام، احتج الشعب وسقط النظام فقفزت الدول الأجنبية لتبارك الثورة بعد أن كانت قبل أسابيع تندد بما يحدث في تونس وتعتبره بمثابة التمرد والعصيان الخطير. رمى حجرة صغيرة في البحر بكل قوته، ثم جلس بجانبي على صخرة تاركا وراءه المدينة وناسها وأحلامها وجرائمها وأوجاعها، ثم قال لي أنّ المشكلة تكمن في تغيير الناس والإبقاء على نفس المنظومة. وهذا أمر يحسب له وأعتبره صحيحا إلى حد ما. لم تطارد الثورة أبدا من أجرموا في حق هذا الشعب الأعزل والبريء، اليوم أصبحت تلك الثعاببن ثورية وتشارك في الإنتخابات وتطالب بعودة بعض الشخصيات بما أنها تسوق للناس فكرة مفادها أنّ لها من الكفاءة ما سينتشل تونس قبل أن تغرق. أنا أحرر المقالات كل يوم، وما أقرأه ضعف ما أكتبه عشرات المرات. أنا أعتبر أنّ الثورة تعرضت لتحويل وجهة. فالأمر يشبه تماما وقوف رجل مخمور في مفترق سكك القطارات، وضع يده على محول الإتجاهات وحركه شمالا وقذف زجاجة الشراب على حجرة بعد أن كرع من فوهتها، حتى أتى القطار وأخذ وجهة غير تلك التي تحرك من أجلها منذ البداية. لقد أوهموا الناس بأنّ الثورة هي حمام دماء، وتعني العنف والسرقة وتفشي الجرائم، وأنّ غلاء المعيشة وإنهيار الدولة مجرد نتيجة حتمية للثورة. هذه الثورة إقتلعت النظام القديم بسرعة، رغم وقوف رجال الأمن بمدرعاتهم وكلابهم ومعداتهم وغازاتهم المسيلة للدموع ضد هبّة شعبية مسالمة، قصد إجهاضها قبل أن تولد.

ورغم ذلك نجحت، وعمت محبة غير عادية بين الناس. لكن كانت الثعابين متربصة من بعيد، لم يكتفوا بما فعلوه في الماضي بتقاريرهم المكتوبة إلى لجان تنسيق الحزب آنذاك، وبتسببهم في ترمل النساء وتشرد الأبناء، وقهر الشباب العاطل عن العمل وإبتزاز باعثي المشاريع المبتدئين وما إلى ذلك. فقد تبنت بعض وسائل الإعلام أفكارهم ونصبتهم كالحكماء في كل برامجها، صباحا مساء، وحتى يوم الأحد المخصص للبرامج العائلية والحصص الثقافية. إلى أن إقتنع معظم الشعب بأن الثورة مصيبة، أو كارثة، أو الطامة الكبرى التي تحدثت عنها الأساطير والحكايات الشعبية.

أحيانا يروي لنا نور الدهر طرائف تحدث في المحاكم، كملحمة الطلاق كما نسميها نحن بعد أن ضحكنا طويلا حتى سال لعابنا على سراويلنا. لقد قال لنا نور الدهر أنه ذات يوم كان في جلسة ينوب إمرأة تريد الطلاق للضرر من زوجها لأسباب جنسية بحتة. وحين سألها رئيس الجلسة عن التفاصيل قالت له أنّ حياتهما الجنسية لم تعد مثل الماضي أبدا، ثم إلتفت لزوجها وقال له: هل كلام زوجتك صحيح؟ فردّ عليه الزوج بفصاحة أنّ كلامها صحيح، والسبب راجع إلى تقدمه في العمر والعمل الشاق الذي يمتهنه والمتمثل في ملأ الرمل في العربات التي تجرها الجرارات من المقاطع. الأمر الذي جعله لا يضاجعها مرّة واحد في اليوم على عكس الماضي حين كان يضاجعها مرّتين وثلاث مرّات يوميا، وهو ما إستهجنته زوجته وإعتبرته ضررا فادحا. يحدثنا نور الدهر بعد أن يتوقف عن الضحك، ويقول لنا أنّ كل المحامون وممثل النيابة العمومية والحضور والقضاة قد أصابهم ضحك هستيري، ونحن أيضا نضحك بكبت كبير كلّما نلتقي ويروي لنا ملحمة الطلاق هذه.

مواضيع الحديث كثيرة والوقت قصير جدا، فغدا ثلاثاء، أي عودة إلى العمل بعد يومين مرّا بسرعة بالنسبة لهم، وإجازة لأسبوع بالنسبة لي، فالعودة إلى العمل تعني لي العودة إلى المشاكل والروتين والغضب والقلق والعصبية، وتعني لي أيضا حقدا على الطبقات الثرية التي لا تعلم كيف يعيش خدمتها من العمّال وأصحاب المهن الصغيرة. تركنا المقهى حين حان وقت صلاة المغرب، اتجه عبد الرزاق ونور الدهر إلى المسجد القريب، وعاد حمده إلى زوجته، وسلكت أنا الطريق المختصر وراء مكتب البريد للوصول إلى حانة يعتادها أشخاص هادؤون وناضجون من بعض المتقاعدين من الأمن وبعض الأطباء والأساتذة.

في انتظار لقاء آخر وحديث آخر، وسماع ملحمة الطلاق مرّة أخرى.

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق