سياسة وتاريخ

السودان.. خطوة إلى الأمام تليها خطوتان للخلف

في تطور ملفت للأحداث على الساحة السودانية، أعلن عن ترقية رئيس المجلس العسكري الانتقالي الحاكم للسودان بقوتي الأمر الواقع والسلاح عبد الفتاح البرهان إلى رتبة المشير، بالرغم من عدم خوضه حروباً كبرى أو تحقيق انتصارات تاريخية لبلاده، كما رقي ياسر العطا وشمس الدين كباشي رفيقاه في المجلس المشئوم لرتبة فريق أول.

يبقى هذا الحدث الهام والخطير أربعة أحداث ذات دلالة تنذر بالخطر على الثورة السودانية ومن قاموا بها:

الأول: اعتداء قوات الأمن يوم الحادي والعشرين من الشهر الجاري على متظاهرين رافضين لتدهور الأوضاع المعيشية، مطالبين لحكومة عبد الله حمدوك بتحمل مسئولياتها.

الثاني: اندلاع أزمات مفاجئة في قطاعات الوقود والتموين والمواصلات بشكل لم يحدث سواء أيام البشير أو الثورة، مما أربك حياة المواطنين السودانيين.

الثالت: احتدام الجدل حول محاكمة الرئيس المخلوع عمر البشير على جرائمه في دارفور، سواء بنقله إلى المحكمة الجنائية الدولية أو محاكمته على الأراضي السودانية أمام قضاء مختلط.

الرابع: اتفاق الولايات المتحدة مع الحكومة الانتقالية على رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، مقابل دفع السودان تعويضات لذوي الضحايا الذين قضوا نحبهم في تفجير المدمرة كول بخليج عدن عام 2000، والتي ارتكبها تنظيم القاعدة الذي استضاف نظام البشير زعيمه أسامة بن لادن بين 1992 و1996.

أقلقت هذه الأحداث المتتالية متابعي الشأن السوداني والثوار على حد سواء؛ فذلك يحدث بعد فترة وجيزة من اللقاء المخزي بين البرهان ونتانياهو في أوغندا، والذي روج البرهان بأنه ما كان ليتم لولا المصالح السودانية التي ستتحقق من ورائه، والذي اعتبره الكثيرون صك موافقة على قفز البرهان على كرسي السلطة بعدما قدم فروض الولاء والطاعة لحاكم الصهاينة.

ولا يمكن فصل الصفقة الأمريكية لرفع اسم السودان من لائحة الإرهاب عن الانبطاح المخزي أمام الدولة العبرية، فغني عن التعريف أن نيل رضا واشنطن عن هذا العميل أو ذاك مرهون بعد تحقيقه للمصالح الأمريكية برضا إسرائيل عنه، وهو ما أثبته البرهان عن طيب خاطر بأوامر من النظامين الإماراتي والسعودي.

ولا يتفائل السودانيون أيضاً بطرح قضية محاكمة البشير عن جرائمه خلال حكمه الطويل، فهم يعتقدون أن الأمر أثير فقط لتشتيت الانتباه عن تصرفات المجلس الانتقالي المتعارضة مع الثورة جملة وتفصيلاً، وكثير منهم متأكدون أنه حتى لو مضى أمر المحاكمة بسلاسة فسيغتال البشير بطريقة أو بأخرى؛ لأن إدانته ستعني جر كل أعضاء المجلس العسكري للقضاء، كونهم شاركوا في هذه الجرائم في مقابل تنعمهم بثروات الشعب المنهوبة.

أما عن الأزمات المعيشية التي ظهرت بين عشية وضحاها، فلا ينطلي على الثوار أبداً أنها أزمات حقيقية، بل إنهم متأكدون مليار في المائة أنها مصطنعة ليكره الناس الثورة ويحنون لأيام الاستبداد الخوالي، تماماً كما حدث في جارتهم الشمالية مصر خلال حكم مجلس طنطاوي، أو في الهزيع الأخير من حكم محمد مرسي.

يحاول السودانيون منع الفصل الأخير والمنقول حرفياً من انقلاب 2013 في مصر وهو تجييش المأجورين لمطالبة البرهان بإتمام معروفه وترؤس السودان، والذي سيحدث حتماً حال وقف صناع الثورة مكتوفي الأيدي، فهم بعد ما رأوه من بؤس حال المصريين في سنين السيسي العجاف، لا يريدون أن يصبحوا أمثولة جديدة في كيفية فشل الثورات، وسيتحركون في أقرب وقت لمنع البرهان وعصابته من إرداء السودان في هاوية الثورة المضادة التي يحيكها غلمان الخليج، حفاظاً على عروشهم الزائلة يوماً ما لا محالة.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

أحمد زكي

كاتب مصري شاب صدرت لي عدة كتابات سياسية بين 2013 و2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق