سياسة و تاريخ

الثورة السورية والتفاوض على دم الشعب!

في تراجع جديد شهدته الثورة السورية سيطرت قوات نظام الأسد على مدينة سراقب، بعد سلسلةٍ من العمليات العسكرية المتواصلة منذ الأحد الماضي، وكنوعٍ من الإجراءات الاحترازية أعلنت القيادة السياسية التركية إنشاء نقاط مراقبةٍ جديدةٍ في إدلب، بدلاً من تلك التي باتت في مرمى أهداف النظام السوري، كما أعلنت قيادة الجيش التركي عن إرسال مزيدٍ من التعزيزات العسكرية لشمال سوريا حمايةً للأمن القومي التركي.

كان فتيل الأزمة بين حكومتي أنقرة ودمشق قد اشتعل منذ الأحد الماضي، بعدما استهدفت القوات السورية بعض نقاط المراقبة التركية في إدلب، مما أسفر عن مقتل خمسة عسكريين أتراك، وهو مالم يمر دون ردٍ من الحكومة التركية التي قصفت مواقع للنظام السوري في آخر معاقل الثورة السورية، موقعةً نحو ثمانين قتيلاً في الثالث من فبراير الجاري.

اعترض الدب الروسي الراعي الأول لنظام القتل الأسدي على ما بدر من تركيا، لكن موسكو الحريصة على استرضاء الشريك الروسي نفت علمها المسبق بنية نظام الابن استهداف القوات التركية المتواجدة في إدلب، بينما استمر نزوح عشرات الآلاف من المدنيين السوريين إلى الحدود التركية، على وقع المعارك المتلاحقة بين وكيل الكرملين والقوات التركية.

المتابع لمسار الثورة السورية يجد أن تلك الثورة اليتيمة أصابتها ضربات موجعة تسببت في تراجعها منذ الثلث الأخير من 2016، والقاسم المشترك الأعظم في هذه الضربات كان التدخل التركي في شمال البلاد، والذي سددت فاتورته من دماء السوريين التي خطوا بها أكبر الملاحم للتخلص من نظام القمع الذي يجثم فوق صدورهم.

مع انطلاق عملية درع الفرات في الرابع والعشرين من أغسطس 2016، اشتدت قبضة النظام وهجمات القوات الروسية على حلب أهم معاقل الثورة وقتها، ثم أحكم الحصار على عاصمة سوريا الاقتصادية، وخلال استمرار العملية العسكرية التركية ضد الفصائل التركية المسلحة في ريف حلب الشمالي، سقطت حلب في أيدي النظام العلوي ومرتزقته، ثم خرجت تسريبات صحفية لتؤكد ضغط حكومة العدالة والتنمية على مقاتلي الفصائل التركية المسلحة، في مقابل الجلوس مع النظام على طاولة المفاوضات، تارة في سوتشي، وأخري في أستانا؛ كثمنٍ متفق عليه بين روسيا وتركيا للتحرك ضد الخطر الكردي، والذي يشكل أكبر كوابيس أي حكومةٍ تركية.

بعد سقوط حلب بعامٍ ونصف، تدخلت تركيا مجدداً ضد القوات الكردية في عفرين، وكان الثمن فقدان الثوار للغوطة الغربية وريف دمشق الشمالي ودرعًا، بعدما قطعت الحكومة التركية الدعم عنهم؛ لإجبارهم على الانصياع للحل الروسي المفصل على مقاس بقاء بشار الأسد في الحكم.

أما الطامة الكبرى فكانت العام الماضي، بعدما تسربت برقية تشير لموافقة تركيا على سيطرة النظام على إدلب، في مقابل شن عمليةٍ جديدةٍ ضد الفصائل الكردية شرق الفرات، وهو الأمر الذي لم ينفه وزير الخارجية التركي عندما ووجه به.

هكذا اختزلت ثورة الكرامة السورية قي مجموعة من الصفقات يسيطر بها الأتراك على مناطق الأكراد لإجهاض مخططاتهم الانفصالية، والروس على الموانئ البحرية والغاز السوري، فيما تلقى بعض المناطق للنظام ليبسط عليها سيطرته، ولا عزاء لنحو مليون شهيدٍ سوريٍ تحولوا لقرابين على مذبح المصالح.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق