سياسة و تاريخ

الثورات العربية.. نخب الفكر التي تغيب وأصنام السياسة التي تحضر!

لا ينفك الجدل بخصوص لزوم أن يفرز الحراك قيادة ترشده وتوجهه في مواجهة أجندة الاحتواء والتذويب في إرادة من يدعون أو ادعوا في السابق مرافقته حتى يحقق مطالبه يتصاعد، في ظل استعصام السلطة الفعلية بخارطة طريقها الماضية بها مهما كان الثمن، نحو انتخابات تؤشر كل المعطيات على أنها ستكون عامل أزمة إضافي في تاريخ الجزائر السياسي المشوب والموشوم بخطايا اغتصاب الشرعيات.

والمؤسف هو أن هؤلاء المطلبين بالتأطير الحراكي، تغيب عنهم حقيقة أن الحراك قوة ثورية في مقابل قوة الأمر الواقع المناوئة، يفترض أن تسمو وتعلو عن غيرها من القوات مهما كانت طبيعتها، مالية، عسكرية، سياسية أو أيديولوجية، وأنه في حال ما لم تطغى بطبيعة قوتها الثورية على جميع تلك القوات فلا يمكن أن تأخذ صفة وميسم الثورة، وخطأ القبول بمقولة مرافقة الحراك حتى يحقق مطالبه كان قاتلا، ذلك لأنه تضمن معنى يمضي عكس التوجه الثوري للحراك حين يحجم مسبقا الهبة الشعبية العارمة وينتقص من بعدها الثوري وينزلها إلى مستوى الاحتجاج، وبالتالي عدم شمولية مسارها الثوري لمصادر القوة الأخرى بكل أشكالها ووسائلها.

إن أجلَّ ما كشفه الربيع العربي للناس عبر موجتيه، هو أن العقل الثوري العربي كان ولا يزال يحتاج إلى الوعي بمستوى تاريخانية الثورة بوصفها مرحلة نقضية لما سلف، ويتوجب أن تنفذ إلى الأغوار النفسية والثقافية لمجتمعها ولا تقف عند قشرة الثقافة السياسية اليومية، فثورة الشعب لدى العرب كانت ولا تزال تستوحي مبادئها من فكر غيرها فهي تتمخض وتتراكم في رحمة الأمة ثم يقطع حبلها السري فتغرب وتغيب عن وعي الشعب وتجربته، لترعى وتترعرع هناك في أحضان جماعات سياسية عسكرية تسميها بميسمها العضوي الحزبي وتلبساها لباسها الإيديولوجي، ثم يتم إخراجها للشعب فيؤدلج الشعب والتاريخ الوطني معا.

هكذا كان ديدن الزعامات الوطنية التي صادرت عبقرية الشعوب وتطور وعيها تدريجيا بالقوة العسكرية والغواية الوطنية، فمن أين للثورة العربية بالتاريخانية؟ ومن بوسعه أن يهتم ويتم مسار هاته التاريخانية المأمولة؟

الحاصل عادة في قصة العرب مع الثورة، أنه في الميلاد الثوري يسبق عادة العسكري السياسي والمعرفي، ثم لا يلبث أن يتحالف الأول مع الثاني ويرمى بالثالث في هامش المجتمع، لهذا لم تتمكن التجربة الثورية العربية من تحقيق شرط التأمل في موضوعاتها بسبب تهريبها وتغريبها السياسي والعسكري!

هذا التأمل المفقود صار مع التجربة الوطنية المُسيسة والمعسكرة، ثقافة سائدة لدى النخب، فالأحزاب السياسية الحاكمة منها والتي تعيد السياسات في مشاريع الوهم الوطني، ومعها المعارضة التي تنتقد هاته السياسة، كلها تشتغل داخل النسق السياسي الظرفي ذي معطيات الواقع المجرد، في ظاهر ومظاهر تفاعلاته البسيطة وتستنكف عن الإيغال في تاريخ التجربة الوطنية بغرض إنتاج فكر جديد يسهم في تطوير مساراتها ويعطي للمراحل المتعاقبة معناها وخصوصيتها في العمل الوطني، لهذا كانت الشعوب أسبق استفاقة وانتفاضة على الواقع من النخب والأحزاب السياسية التي يفترض أن تكون السباقة في ذلك بحكم أرصدتها المعرفية ورصدها النظري للمشهد السياسي وأثره الشامل على المجتمع.

جل الأحزاب العربية تفتقر لأوراش دائمة تشتغل على مافوق السياسي (التكتيكي) أو ما يضفي الموضوعية والتاريخانية على التصور السياسي في المجتمع، و ما يعبر عن ذلك خلو الحقل السياسي العربي من مرجعيات فكرية كبرى تفتح رؤية السياسي في التدبير والقرار على آفاق شاسعة تنأى به عن التكلس الخطابي والتخلف عن مجرة التطور السياسي في الحاصل بوتيرة سريعة في العالم اليوم، وهذا ما أسهم في عزوف المواطن العربي عن الأحزاب وعن السياسة وعن الصالح الوطني العام، وأفرز ما يشاع من أزمة هوية وغياب المشاريع المجتمعية الوطنية، فالكل مرتهن للمشروع السياسي والسياسة عند حدها التكتيكي الانتخابي وهو مشروع واقع في قبضة السلطة فكرا وعملا.

وهم أن نعرف هنا بأن الفرق بين الزعامة السياسية الحاكمة والنخب الفكرية الثورية، هو أن الأولى تؤسس لخطاب ثوري مغلق على زمن التجربة الثورية، ينتزع التاريخانية من خلال تجريدها من عوامل الانتقال من منطلقها التفجيري إلى سياق الانبساط في التاريخ وفق مشروع يجعل من حركتها مصدر حفر مستمر في الوعي الثوري الأول، وهو ما لا يضمنه سوى العقل العميق لنخب الثورة الجادة المنطلقة من الخصوصية المحلية والممتدة بفكرها في سحيق التجربة الإنسانية في الانتقال المرحلي الحضاري منه والسياسي على حد سواء.

وهذا ما لم يتسنى مع الأسف لكل تجارب الثورة في عالمنا العربي منذ أن تشكل كفضاء جغرافي وتاريخي مع تمدد الفتوحات، حيث كان العقل تابعا بل وخاضعا للسيف في معركة السياسة والحكم.

ومع أن الوحشية الديكتاتورية في “الجاهلية الوطنية الأولى” قد تراجعت نسبيا في الوطن العربي مع التحول الإعلامي والمعلوماتي الدولي وبروز الديمقراطية الإليكترونية، بما بات يسمح للنخب من الإقلاع شيئا ما عن مخاوفهم وجبنهم في بعض الأحيان، إلا أننا نلحظها في معترك التاريخ الحاصل في كبرى شوراع العواصم الحواضر والأرياف العربية، باهتة الظهور، منطوية على محصولها النقدي النظري تعيد به وبما حملت من نظريات أكاديمية قراءة المشهد العربي الذي هو نموذجي في أسلوبه ومقصده الثوريين.

نخب العرب الفكرية تتنازل عن الثورة ولحظتها الوقادة الوهاجة تاركة فضاء التأويل والتحويل الثوري للسياسي العربي الجديد القافز على النزوع الإيديولوجي الوطني الشعوبي العسكري الفاشي أحيانا، إلى المنزع الانتفاعي المادي في ظل إفلاس النخب السياسية والعسكرية وفسادها المالي والمادي، وهذا في نظري أخطر خطأ يرقي إلى مستوى الخطيئة التاريخية يقترفها النخبي الفكري أو المفكر في حق الأمة والوطن، فكم من عبقرية شعبية في الانتفاضة، لقد دق جرس التحول إذن و يتوجب على الشعب النهوض بها كي يستفيق العقل الثوري ليحميها من المصادرة السياسية؟

في التجربة الجزائرية، حرص الثائرون في شوارع الجمهورية منذ البداية على تسمية انتفاضتهم بـ”الحراك الثوري”، والتسمية لها عدة دلالات فلسفية وتاريخية، فحين يسبق لفظ الحراك الثورة، ليس  يعني هذا أكثر من أن ثمة ثورة ناجزة هي بصدد التململ والتحرك والاستفاقة في ضمير الشعب وأجياله المتأخرة، كما ويدلل ذلك على الانحراف الذي حصل في المسلك والنهج الثوري الذي به انتزع الاستقلال، لكن المشكل هو في كيفية العودة إلى فضاء التأسيس الأول في ظل الانهيارات الكبرى التي حصلت على مستوى البنية المجتمعية وطرائق التعامل والتفاعل مع الماضي الثوري المشترك، وذلك بسبب مخلفات المشروع الوطني الذي حُرفت به الثورة تلك عن منطلقاتها؟

هنا طفت على السطح ملامح الإخفاق النخبي في تغذية الحراك الثوري بما يستحق من معقولية توصله إلى منتهى مقصده، ومن ثم الشروع في بناء فكر ثوري جديد لا يقطع مع أصوله النوفمبرية والتوصيات الكبرى، وإنما يعيد ترسيخها وفق شروط اللحظة التاريخية للأمة والعالم أجمعين، بيد أن النخب هاته وبسبب نشاز خطابها ذي المنزع الإيديولوجي، ضلت عن المسلك الثوري حيت عجزت عن حسم خلافاتها بخصوص رؤيتها لطبيعة الحراك الثوري وآفاق وسُقف مطلبيته، وما إذا كان الأمر يتعلق بتصحيح لثورة التأسيس للدولة الوطنية الجزائرية الذي تضمنه بيان أول نوفمبر 1954، مثلما يطالب به البعض ممن يُعرف بالتيار الديمقراطي الحداثي، أم هو فقط تصحيح للسلوك الثوري الذي شذ به أصحابه عن قيم ومبادئ وتوصيات الثورة مباشرة بعد الاستقلال مثلما يتبناه التيار الوطني العام!

هكذا ساهم عدم حسم استراتيجي في نفاذ النخب إلى عمق المطلب الذي رفعه الحراك الثوري في الشارع، في جعل النظام (السياسي – العسكري) يعيد الكرة ويبادر مرة أخرى لمصادرة الهبة الثورية الشعبية بالقول بمرافقتها عبر التضحية ببعض الأطراف منه، وحتى وإن واجه عنتا من الشارع لأسباب موضوعية وتاريخية تتعلق بالوعي الجيلي الجديد، إلا أنه وجد له موطئ قدم أنقذه جزئيا من الانجراف بقوة المد الشعبي الثوري الأول.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق