سياسة وتاريخ

الثورات العربية: الخريف العاصف متى يعود ربيعًا؟

يجد الناظر إلى واقع الثورات العربية في الوقت الحاضر التشرذم الخطير الذي حاق بالأمة على جميع المستويات، وتنامى الحاجة إلى تغير جذري للوصول إلى بر الأمان.

وحاولت الأمة الخروج من عنق الزجاجة بثورات الربيع العربي ولكنها فشلت لأنها عملت بعاطفة المواطن العربي البسيط دون تخطيط مسبق للسير قدمًا نحو الحرية والعيش بسلام.

ومن أهم مبادئ التخطيط هو دراسة الواقع الداخلي والخارجي والوقت الزمني المناسب والظروف المحيطة بالأمة العربية.

خطأ الربيع العربي وخطئية الثورات المضادة

كانت ثورات الربيع العربي تعتمد على شباب متعطش للتغير ولا يوجد عنده رؤية لما ستأول إليه الأمور بعد إعلان الثورة من تحديات سياسية واقتصادية ومصالح دولية.

وكان كل هَم هؤلاء الشباب الخروج إلى الشارع لإسقاط الرئيس ويبقى النظام قائم بأجندته القديمة أو ما يسمى بـ«الحرس القديم».

ولم يدرس أصحاب فكرة الثورات العربية التحديات الدولية المعادية للأمة العربية، مع أن الذين أفشلوا الثورات بسياستهم وأموالهم هم بعض قادة الدول المتنفذين ماليًا أو المهيمنين اقتصاديًا خوفًا من أن اتصل النار إلى كراسيهم وعروشهم.

كما لعبت الآلة الإعلامية الغربية والأمريكية من شيطنة القائمين على الثورات العربية باتهامهم بالراديكالية والأصولية وأحيانا بالإرهاب لتحريض المتضررين من الثورات عليهم.

وبعد وقت قصير من بدء الثورات العربية تسلمت القوات المسلحة في الكثير من البلاد زمام الأمر حتى تنتهي الفترة الانتقالية وبدؤوا بالتجهيز للانتخابات الديمقراطية.

ومن هنا بدأت تظهر بعض الأحزاب الدينية الراديكالية في المشهد فتحركت الآلة الإعلامية الغربية بتشوية المشهد الديمقراطي في البلاد العربية.

فمن كان ينادي بالديمقراطية وتعدد الأحزاب أصبح لا يروق له مشهد التعددية في الوطن العربي لأن النتائج لم تأت حسبما خُطط لها.

صعود الأحزاب الإسلامية وفشل الثورات

تصدر الإسلاميون المشهد من خلال الديمقراطية وصناديق الاقتراع، وشعر المواطن العربي بأنه سيحقق ما حلم به من الاستقرار في ظل هذه الأحزاب التي تنادي بالعدل والمساواة وشرعنة الحكم.

وما هي إلا أيام وشهور حتى واجهت هذه الأحزاب مشاكل المواطن التي لا تنتهي والمسؤوليات الكبيرة التي ستقع على عاتق الحكومات الجديدة وبدء التخبط بالقرارات.

وبدت الصورة قاتمة ليس لأن الاسلاميين غير قادرين على الحكم، ولكن لأنهم يعيشون في محيط سياسي خطير وهم عديمي الخبرة في ألاعيب السياسة.

وتناسى الإسلاميون أن هناك أحزاب راديكالية من نوع آخر، يسارية وأخرى ليبرالية مدعومة من الغرب والشرق تضع العراقيل أمامهم، ونسوا أيضًا أن الاقتصاد العالمي بيد المتنفذين من دول الغرب أو بعض العرب الذين يمقطون استخدام الأحزاب الإسلامية للديمقراطية للوصول للحكم.

ومن هنا لم تستطع هذه الحكومات السير قدمًا فبدأت الثورات المضادة السلمية منها والدموية.

الراديكالية بنوعيها.. مَن يتحمل المسئولية؟

السؤال المهم: هل الراديكالية الدينية أو الأحزاب الإسلامية هي السبب في فشل ثورات الربيع العربي؟

قد تختلف الآراء في الإجابة على هذا السؤال، فمنهم من يجيب بنعم وهم تلك الأحزاب التي تعتمد العلمانية الليبرالية منهاجًا والتي تنادي بفصل الدين عن الدولة بطريقة سلبية معتمدين على المقولة الشهيرة التي صاغها الإمام المجدد محمد عبده «لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين»، وكذلك مقولة زعيم حزب الوفد سعد زغلول الشهيرة أيضاً «الدين لله والوطن للجميع».

ومن تلك الوجهة، لابد أن تحترم جميع الأديان والتعامل معهم بالتساوي، وتعتبر الحكم والحكومات ما هي إلا مهمات إدارية وقوانين وضعت وتتغير حسب الحاجة.

ويجمل أصحاب الفكرة طرحهم بـ«فصل الدين عن الدولة»، يعني احترام الدين وقيمه الروحية، وهو يعني أيضاً حماية الدين والعقيدة من العابثين بهما وعدم السماح باستغلال الدين والشعائر والطقوس من أجل إشباع المصالح الخاصة.

والناظر إلى وضع العلمانية في العالم وقد قسمت إلى فئات وأحزاب يسارية ويمينية مسيحية ويهودية وغيرها.

فمن هذه الأحزاب المتطرفة والتي تحقد وتكره باقي الديانات والأجناس وتتعامل معهم بأنهم من الفئه الثانية. وتصريحات الكثيرين من زعمائهم لهي خير دليل عن عنصريتهم.

وهذا ما يلاحظ في أمريكا وأوروبا من معاملة العرب والمسلمين والسود والآخرين من الأقليات، وعدم السماح لهم بدخول البلاد واتهامهم بالإرهاب، وأحيانا التضييق عليهم.

أين الخلاص؟

نجد من ينادي بالدولة الدينية ويقول هي الخلاص من القهر وخاصة في عالمنا الإسلامي، وصولًا إلى قيام الدولة الإسلامية العادلة.

ويعتمد هذا التوجه في طرحه على ما قال الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم والسنة النبوية.

وأمر الله الأمة بالاجتماع على أن يكـون أساس هذا الاجتماع الاعتصام بالكتاب والسنة والحكم بما أنزل الله. فقال سبحانه “إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا” ال عمران 105، وقال تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً”. النساء 59.

فالإسلام هو الدين العظيم الذي ارتضاه رب العالمين للبشرية جمعاء وكان الإسلام دينا ودولة.

فالإمبراطوريات الإسلامية العظيمة والتاريخ خير شاهد على مهابة دولة الاسلام.

وكان لدى أمراء الإسلام مستشارين من المسيحيين، وقادة عسكرين من ديانات أخري وعلماء وفلاسفة يهود ومسيحيين ولقد كانت عاصمة الاسلام تعج بالعلم والمعرفة والتسامح والمحبة.

ولقد عاش اليهود والنصارى بين المسلمين بسلام وأمان، وأعطيت لهم حقوقهم وكانت أول دولة إسلامية هي دولة رسول الله.

والملاحظ أن الأمة العربية اليوم تجهل تاريخها وتسير خلف الأفكار الغربية، فالأمة تحتاج إلى استعادة أمنها واستقرارها أولًا ثم فتح باب الحوار والتفاهم بين جميع الأحزاب والطوائف الوطنية والدينية التي كانت في الحكومة والمعارضة.

وبذلك تصل الدول العربية إلى أجندة واحدة تضعها على بر الأمان، وبدلًا من التعصب للحزب أو للطائفة فليكن التعصب للوطن وبناء التنمية السليمة لمستقبل أطفالنا بعيدًا عن الكراهية.

والسعي لذلك لا يكون إلا باحترام نتائج صناديق الانتخابات الشرعية، وعلى البرلمانات العربية أن تصدر القوانين التي تحترم واقعنا الديني والأخلاقي والقيمي.

فللأمة العربية عادات وتقاليد ومبادئ خاصة لابد من احترامها، وهي جزء من ديننا الحنيف.

ولا داعي للاختلاف والكراهية، ولا داعي للتعصب والتشبث بالراديكالية أين ما كانت للوصول للحكم.

فقط، بالتسامح الديني والمحبة وخلق بيئة طيبة تكوّن نموذجًا للدولة الواعدة، فتنعكس الصورة الجميلة داخليًا وخارجيًا، ويعيش الجميع في وطن واحد بأمان واستقرار كباقي الشعوب المتقدمة.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق