مدونات

سن قوانين الثواب والعقاب

أنا شخصياً أعتبر الترتيب المتعارف عليه في ذِكر “الثواب” قبل “العقاب” في مجمل أدبياتنا معكوس.. حيث أن البشرية قلما تسن قوانين الثواب والمكافأة مقابل سن قوانين العقاب والمخالفات والتصيد لكل مخالف للقوانين والاشتراطات الموضوعة للتحكم في مسارات مجتمعاتنا، سواء في دولنا النامية أو تلك المتبجحة بمصطلحات الحرية والديموقراطية!

يقول “د. سعيد بن علي العضاضي” في موقع (الاقتصادية) أن “الثواب والعقاب” مبدأ مؤصل في موروثات الحضارات البشرية لدفع الناس لبذل مزيد من الجهد أو لتصحيح أشكال الانحراف في السلوك.. كما أنه يصنف كأحد أهم أنواع الحوافز أو الدوافع لتشجيع بعض الممارسات الايجابية أو للتصدي لتلك التي تعتبرها سلبية.. ويقول “ألان ويس” صاحب كتاب (الدليل غير الرسمي للمدير المتميز): “إن منهج الثواب والعقاب أصبح منهجا بدائيا وفظا ولا يليق أبدا بالمرحلة التي نمر بها”.  ويضرب لنا مثلا عن الثواب فيقول: لو كان أحد أبنائك كسولا وغير جاد في تحقيق أهدافه وأهداف الأسرة وأردت استخدام الثواب متمثلاً في المكافأة المالية مثلاً كحافز لتغيير سلوكه ودفعه إلى ما تريد تحقيقه فإنه سيلبي طلبك بأقل مجهود ممكن وبأقل حماس.. وسيظل ينتظر منك أمراً آخر، ولكنه في الوقت نفسه ينتظر منك المزيد من المال، والنتيجة ستكون ابناً كسولاً بات لديه مزيداً من المال.. كما أن “العقاب”- الذي يطلق عليه “الحافز السلبي” – ليس حافزاً هو الآخر وقد يؤدي إلى نتيجة أكثر ضرراً من “الثواب” لأن “العقاب” يُشعر الفرد بالخوف، والخوف بدوره قد يحرك السلوك بشكل مؤقت أو بنتائج لحظية وقصيرة المدى والأمد.

ونريد في هذا المقال أن نلقي الضوء على مبدأ “الثواب والعقاب” من منطلق السؤال: هل هو بالفعل حافز، أم أنه مجرد محرك للسلوك؟  كما نريد معرفة تأثيره ليس فقط في مجال الأعمال مثلاً، بل في كافة مناحي الممارسات الحياتية والتربوية والمنجزات والإنتاجية والعلاقات الاجتماعية والحياة الزوجية وتربية الأبناء، وهكذا.. ويشرح “د. العضاضي” الوضع بالنظر إلى الاسلوب الروماني القديم في الحروب حيث كانوا يضعون صفوفاً من المقاتلين المدججين بالسلاح في الصفوف الأمامية ومن خلف كل مقاتل محارب آخر يحمل رمحين أمامه موجهين لظهورهم.. أما المحاربون في الصف الثاني فهناك رماح موجهة إلى ظهورهم أيضاً، وهكذا في جميع الصفوف الخلفية.. وبهذا يتحرك جيشاً بأكمله يقاتل أفراده بدافع الخوف على أنفسهم في المقام الأول، وهكذا تحرك لا يمكن اعتباره حافزاً ايجابياً لأن الجنود يتحركون من أجل إنقاذ حياتهم من الرماح الموجهة لظهورهم، وبهذا يتم دفعهم نحو سلوك معين، لولا الخوف ما فعلوه.

ومبدأ الثواب والعقاب ليس مقتصراً على العصور الغابرة بل مازال يستخدم حتى الآن في كثير من الاقتصادات والمنظمات والمدارس والجامعات لتحريك الأفراد ويُنظر إليه على أنه عامل محفز للدوافع.. فلو أخذنا العقاب مثلا فإننا نراه يستخدم بكثرة في تحريك الموظف في مقر عمله، والطالب في مدرسته، والمرأة في بيتها، والمواطن في بلده، الذي قد يختلف بين موقع وآخر هي الأدوات فقط.. ففي العصر الروماني كان يستخدم الرمح ليشعر المحارب بالخوف فيتحرك إلى الأمام ويقاتل، أما الآن فيستخدم بدلا من الرمح أمور كالخصم من الراتب للموظف، والتهديد بالطلاق للزوجة، والتشكيك في الوطنية للفرد.

وكذلك الأمر في مجال التربية مثلاً، فقد تنوعت الرماح الموجهة إلى ظهور البنين والبنات من قبل الآباء والأمهات والمربين والمعلمين ما بين ضرب مبرح، فتعنيف شديد، أو حبس، وقد يكون العقاب بالتهديد أو الحرمان من الكماليات كالترفيه مثلاً، أو الحرمان من المصروف، بل قد يتعدى الأمر إلى الحرمان من الضروريات في بعض البيئات.. وينبغي علينا معرفة أن الثواب والعقاب عبارة عن أداتين قصيرتي الأجل لتغيير السلوك فكل ما يفعلانه هو الشعور المؤقت بالطمع في حالة “الثواب” والشعور المؤقت بالخوف في حالة “العقاب” فيتحرك الفرد، وهذا التحرك لا يمكن أن يكون تحفيزاً.. فإذا استخدمنا الثواب لدفع الأبناء على نهج سلوك ما فإننا نحتاج إلى منحهم هذا الثواب في كل مرة نطلب منهم شيئاً.. وعند استخدامنا للعقاب فإننا نرغمهم بالقوة على اتباع سلوك ما فيتحركون نحو ذلك، وإذا أردناهم أن يفعلوا ذلك مرة أخرى فأننا مضطرون لتطبيق العقاب بشكل مستمر ولو بطريقة أخرى لأنهم سيفعلون ذلك دون رغبة أو رضى واقتناع، وهذا أيضا لا يعتبر تحفيزاً ناجعاً.

ففي دراستي لنيل الدكتوراة تحت عنوان “سيكولوجية تعلم اللغات” اكتشفت أن مسألتي المكسب والخسارة في عملية اكتساب وتعلم اللغات يؤديان بالضرورة لتحفيز الدوافع نحو التعلم.. وبينت نتائج الدراسة الميدانية أن الخوف من عدم كسب اللغة الإنجليزية كمثال هو الأقوى والأعم بين المتعلمين لما يجدون من أثر للتقاعس في اكتساب مهارات اللغة الإنجليزية في مجتمعاتنا وكم التأثيرات السلبية في مستقبل حياتهم العملية وفرص الاستزادة من مناهل العلوم والتطور.. وفي الجانب الآخر بينت الدراسة أن من يقبلون على تعلم اللغات من منطلق حبهم ورغبتم الداخلية للتعلم وكسب لغات جديدة تكون دوافعهم ايجابية وبالتالي يكتسبون هذه اللغات بشكل أقوى وأكثر رسوخاً واقتناعاً.

قد يعتبر البعض بأن الحافز بالضرورة يجب أن ينبع من داخل النفس الإنسانية بفعل القناعة والرغبة وحب الشيء، أما “الثواب والعقاب” المفروضين فيبقى تأثيرهما خارجياً وقد لا يصل إلى أعماق النفس، ولهذا لا يمكن أن يطلق عليهما حافزاً طبيعياً.. وهذا قد لا يعني بالضرورة أن الثواب والعقاب لا يحدثان تغييراً في السلوك، بل هناك تغيير ولكن يظل هذا التغيير مؤقتا لأن تأثيرهما يظل خارجياً ولن يلامس المشاعر ويقتنع به المتلقي.. كما أنهما عرضة للانتكاس بمجرد أن يختفي المؤثر ولهذا فهما ليسا وسيلة تحفيز يمكن أن تستخدم لتغيير سلوك الأبناء بشكل عام وفي كل المواقع.. فالتحفيز يجب أن ينبع من داخل الفرد ويؤدي إلى تغيير سلوكي عميق وطويل الأمد وعندما يصل إلى هذا الحد فليس هناك حاجة إلى تكراره كما هو الحال في الثواب والعقاب، لذا ينبغي على الآباء والأمهات والمربين والمعلمين ألا يبالغوا في استخدام مبدأ “الثواب والعقاب” ويبقى للضرورة، وقد يتساءل البعض فيقول وما هو البديل؟

ويمكن هنا الاسترسال قليلاً في موضوع حاجة المجتمعات لسن القوانين العقابية بكل صورها.. فهل جل هذه القوانين تمنع تفشي السلوكيات المرفوضة كالجريمة والتعدي على حقوق الآخرين؟   وهل نجحت السجون مثلاً في التحكم أو في تقليص معدلات الجريمة في العالم؟   كل المؤشرات تدل على أن الجرائم في ازدياد وأن السجون لم تعد تعييد التأهيل أو تصلح في نفوس المجرمين واللصوص ليصبحوا بعد فترات العقاب أكثر إيجابية نحو ممارساتهم بشكل عام.. فيبدو الأمر وكأنما الأحكام القضائية بالعقاب لم تعد مجدية بالشكل المرجو منها.. بل أن معدل الإجرام والاغتصاب والسرقة وكافة أشكال العنف سواء كانت فردية أو على مستوى الدول في ازدياد مضطرد.. وكذلك الصراعات والمجازر والفظائع حول العالم.. حتى النوازع النابعة من الأديان في موضوع الثواب والعقاب في الآخرة لم تعد مجدية لثني الناس عن الممارسات المرفوضة ولا يبدو أنها تحثهم على الانخراط في ممارسات مطلوبة لبث الطمأنينة والعطاء وعمل الخير واحترام الغير.

بل يتمادى التفكير في الولوج في مسألة “الجنة والنار”.. فهل نجحت الأديان في ترغيب البشرية في كسب الآخرة وكسب “الثواب” الأعظم بعد الممات، وهل نجحت الأديان عبر الترهيب من ويلات “النار” في دفعهم نحو الكف عن الممارسات المنهي عنها.. حتى قال البعض في هذا الشأن إن كان هنالك عقاب أو ثواب “إلاهي” و “أبدي” في فكرتي “النار” و”الجنة” فما حاجتنا إذن لسن القوانين العقابية الدنيوية “المؤقتة” في الأرض، وهي في أغلبها نابعة من الأديان؟   فأكثر المجازر والعنف والعنصرية البغيضة والكراهية المتفشية بين الأمم ومنذ أمد عمر البشرية نجدها نابعة ممن يحسبون أنفسهم مقتنعون بممارساتهم المشوهة من منطلق التدين والتعصب والطائفية والغلو في الممارسات والتفسيرات الدينية ومن منطلق رفض كل من لا يدين بذات الدين ويتبع ذات المذهب، وهكذا.. والمفروض أن يكون المتدينين هم أكثر الناس إيماناً بكسب الثواب الأعظم في آخرتهم عبر نشر الخير بين كافة ملل الأرض.

ويقال بأن “دلاي لاما” (القائد الديني الأعلى للبوذيين في ‏التبت) قال في رد عن سؤال يتعلق بالعقيدة الفضلى: “العقيدة الأفضل هي تلك التي تجعلك أقرب إلى الله.. ‏هي تلك التي تجعلك شخصاً‎ ‎أفضل، أكثر رحمة، أكثر حساسية، أكثر ‏محبة، أكثر إنسانية، أكثر‎ ‎مسؤولية، أكثر جمالاً.. العقيدة ‏التي تفعل معك كل هذا تكون هي الأفضل‎.‎”

فالكون هو صدى لأفعالنا وصدى لأفكارنا، وأن ‏قانون الفعل ورد الفعل ليس يخص فقط عالم‎ ‎الفيزياء، ‏بل هو أيضاً قانون يحكم علاقاتنا الإنسانية.. فإذا ما ‏امتثلنا للخير سنحصد‎ ‎الخير، وإذا ما امتثلنا للشر فلن ‏نحصد إلا شراً.. وسوف نجني دائماً ما نتمناه للآخرين، ‏فالسعادة ليست شيئاً يخص القدر‎ ‎والقسمة والنصيب بل ‏هي اختيار وقرار!

وتضيف في هذا الشأن الأستاذة “فاطمة ناعوت” على موقع (المصري اليوم) أن “دلاي لاما” قال: “انتبه جيداً لأفكارك لأنها سوف تتحول إلى كلمات.. ‏وانتبه إلى كلماتك لأنها سوف‎ ‎تتحول إلى أفعال.. ‏وانتبه إلى أفعالك لأنها سوف تتحول إلى عادات.. ‏وانتبه إلى عاداتك‎ ‎لأنها سوف تكوّن شخصيتك.. وانتبه ‏جيداً إلى شخصيتك لأنها سوف تصنع قدرك، وقدرك ‏سوف‎ ‎يصنع حياتك كلها…”.

أما في مجتمعاتنا الإسلامية فنجد في “الثواب والعقاب” وسيلة من وسائل التربية التي يعتمدها القرآن لصيانة المجتمع من أهوال الانحراف ولمنع الإتيان بالمنهيات والمحرمات والمظالم والشذوذ عن الطريق القويم، ولتأديب الجناة والمخالفين وللترهيب من الجناية، ولحث المؤمنين على أن يتمسكوا بدينهم ودفعهم إلى الاستزادة من العمل الصالح رغبة فيما عند الله ورجاء عفوه ومغفرته في الدنيا والآخرة.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

د. محمد العباسي

أكاديمي من البحرين.. دكتوراة في سيكولوجية تعلم اللغات.. أكثر من 30 سنة في إدارة وتعليم اللغة الإنجليزية في كليات وجامعات في البحرين والكويت.. درست وعشت سنوات الدراسة و العمل في قطر والكويت وكاليفورنيا ولانكستر في إنجلترا وكارديف في ويلز.. متقاعد، وأكتب مقالات في كافة المجالات التربوية واللغوية والاجتماعية والسيكولوجية والفلسفية والسياسية، إلخ. وأيضاً لي مشاركات أدبية و مطبوعات شعرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى