سياسة وتاريخ

الثنائيات القاتلة والأولويات المركبة في العقل الوطني العربي

انتقد الإعلامي والإطار الجزائري المقيم في بريطانيا غاني مهدي، الذي كان ينتوي الترشح لرئاسيات الجزائر الملغاة الصائفة الماضية، بشكل لاذع الرؤية التي أسس عليها بوتفليقة حكمه في ما يتعلق بتوظيف العقول والطاقات الوطنية سواء منها المقيمة في الداخل أو الخارج، حين أقام منطق الولاء على مصير الأمة، وهذا بتهميش الطاقات ذات الرؤى الجادة والجديدة، لا سيما تلك التي أقامت بالخارج ونهلت من معين الحضارة فيما يتعلق بشؤون إدارة الدولة الحديثة التي لا تنفك تتطور على صعيدي المفهوم والممارسة، إلا في الفضاء العربي أين لا تزال أبعد ما تكون عن مبارحة أصولها الأولى من ولاءات العصبية والقبلية والشللية، بتواطؤ مع نخب فضلت ولائم السلطان الفانية على صيانة سمعتها الاجتماعية وخدمة أوطانها التي درست، ليس بالمجان كما يشاع خطأ في الخطابات الممجدة للزعيم المجمدة للوعي فحسب، بل بأموال الشعب وتعلمت من لحم أكتافه على تعبير أهلنا في مصر.

غاني مهدي انطلق في معرض نقده ذلك، من رداءة البناء الإلكتروني للدولة وأجهزتها التي أشرف عليها شقيق بوتفليقة (السعيد)، واعتبر مواقعها على الشبكة الإلكترونية أسوأ من مواقع دول متخلفة من القارة السمراء، في بلد كبير كالجزائر يمتلك قدرات عقلية في التحكم الالكتروني فاقت قدرات خلفيتها التكوينية بالغرب.

أرجع مهدي السبب في ذلك لحساسية بوتفليقة تجاه العبقرية ومقته المضمر لها باعتبارها تنزع عنه قداسة الزعامة الكاذبة وتهمشه من التمركز في الوعي الاجتماعي والوطني الذي حاول أن يستديم فيه، وأشد ما كره بوتفليقة وبقية إخوانه من “الزعماء” العرب العقول المعارضة المتعلمة في الخارج لكونها جمعت بين الاقتدار التقني وأخلاق المسؤولية الوطنية.

لهذا ظل عبر أبواق الخطاب الوطني في الإعلام المأجور أو النشاط الحزبي المقهور يشكك في وطنية تلكم القدرات لا في كفاءتها التي لا مراء فيها، متواصل وفق النسق الخطابي المقرف الذي وشم حالتنا العربية في التاريخ المبني على ثنائيات قاتلة نهضت عليها قطرياتنا العربية، عطلت كل سبل البناء الوطني والاختزال المرحلي في مسارات التطور، بل وحالت دون وضع الأمة على سكة المسارات هاته، حتى تبدأ عملية التطور رغم ما تحوزه على ظهر وبطن أراضيها وجغرافيتها من إمكانات.

الكونية الكاسحة والوطنية الكسيحة

في الحقيقة لا تزال حركة الوعي الوطني تواجه آلية التجريف والتحريف عن المسارات الجادة من قبل الدوائر المتصارعة على السياسة وبالسياسة في عالمنا العربي، إذ في الوقت الذي نرى فيه المفاهيم ماضية بسرعة تكاد تكون نورانية في التطور تماشيا والإيقاع التطوري الذي تمضي عليه الكونية الإنسانية اليوم، والذي نغيب عن الفعل والفاعلية فيه كعرب مع الأسف بسبب غيابنا الطويل عن صناعة التاريخ لعدم قدرتنا على ذلك، لا زلنا نلوك في خطابتنا مفاهيم قديمة متعلقة بأدب الوطنية والوطن وانبثاق السلطة وكيفية تحقيق الفصل الموضوعي بين مختلف مكوناتها، مع أن هذا الفصل لم ولن يتم أبدا طالما استمر العتم في الرؤية المفروض قهرا من قبل الحكم ودوائر الاستعلام والاستعمال فيها.

ثمة إرادة ظهرت مع ظهور الوطنيات العربية عقب انجلاء الاستعمار في توظيف التناقض الثنائي الذي تم رسمه بإحكام للهيمنة على الوعي الوطني، ومن ثم التأسيس لاستدامة طُغم الحكم بكل أشكلها في عالمنا العربي، من أسر وعسكر وعصب وعصابات، كإيقاع الوعي الوطني في طاحونة الصراع الحداثي التراثي الذي يستأنس به المفكرون السامرون في حوانيت وحانات الجدل الثقافي سواء منه العائدة القهقرى حيث رماد حرائق الماضي، أو المستورد في علب النظريات من البلاد الباردة.

بين العسكري بوصفه أس أقداس الأمة لقتاله التاريخي عن شرفها، والسياسي أس داس الأمة لدفاعه عن مصلحته، فتشكلت الصورة معتورة ومشوهة عن الوطني في وعي العامة بأن بناية الثكنة العسكرية (بناية للصلاة) ومقر الحزب السياسي (بناية للدعارة).

كان من أخطر ما صنعته الثنائية المركبة وسياق توظيف الأولوية الجدلية فيه، هو المفاضلة المقيتة بين كفاءة الداخل والخارج، من خلال تهميش الثانية والتمكين للأولى بدعوى أصالتها (الوطنية) ومعرفتها الدقيقة بالواقع الما – فوق نظري والأكاديمي الذي تشبعت به عقول الخارج، وليس الطعن في كفاءة عقول الخارج يتأتى من غير تخوف طغمة الداخل من عدوى التحديث الفعلي الذي رأته وخبرته العقول المتعلمة والمعلمة في الخارج، ذلك التحديث الذي يواصل اختزال الجغرافيا والتاريخ في قرص كوني مضغوط جدا وكاسح للأفراد والجماعات والشعوب، يصطدم والحامل في أولى شروطه تحديث الدولة وميكانيزمات سريانها وجريانها، وهي الميكانيزمات التي لا تسري ولا تجري في عالمنا العربي بسبب إرادة الملك والتملك والخلود فيهما ضد منطق الطبيعة وموضوعية التاريخ حتى، ما أصاب الوطنية العربية بالكساح الأبدي الذي يكاد يعرضها للانقراض في التاريخ.

ارتهان المصير بامتهان العبقرية

لعل من أهم عناصر تعطيل الإقلاع هو وضع العقول العارفة في مواجهة سلطة العقول “العالفة” (من العلف) في صدر صف اتخاذ القرارات المصيرية للأمة، وهذا بالمناسبة اتجاه عربي، بل واختراع أسس له الرئيس المصري السابق محمد أنور السادات يوم ورث الرئاسة بالشرعية الثورية عن سابقه جمال عبد الناصر، إذ سارع إلى إحاطة نفسه بكل من ليس يقدر على أن يرتقي بفهمه إلى فهم مخططه وفك شفرة خارطة طريقه، وأن يغدو حسبه من المنصب الذي بوأه إياه أن يُنفذ على شاكلة موزع البريد، وكان أبرز من عينه هو نائبه حسني لمبارك المتفق على أنه كان أدنى من أدنى ما كانت تعج به التجربة (الثورية) والعقول السياسية في الحظيرة الوطنية بمصر.

ذات السلوك مارسه بوتفليقة مذ استلم السلطة سنة 1999، فبعد أن أغرى بعض العقول بخبثه السياسوي بمشروعه الهادف إلى بناء وطن يقوم على قواعد وسواعد الكفاءات، ما جعله يفلح في استدراج إطارات عليا ذات كفاءات مشهود لها وعلى رأسها الخبير الاقتصادي أحمد بن بيتور الذي رأس أول حكومة لبوتفليقة قبل أن يصطدم بالإرادة الفرعونية والرغبة في التمركز في الحلم الوطني ولو على مصير وطن يعاني من شروخ عدة لا يمكنه الخلاص منها إلا بتضافر جهود كل الطاقات السياسية والمعرفية، ما أضطر الرجل (بن بيتور) على تقديم استقالته والتفرغ بعدها لنقد دولة بوتفليقة والتحذير من المآلات التي آلت إليها بالفعل بعد عشرين سنة من التخريب المُمنهج والشامل لكل أركانها ومؤسساتها.

ثنائية جديدة قاتلة أضافها بوتفليقة إلى قصة الثنائيات التي طرزت بالدم والدموع التجربة الوطنية في الجزائر، محبطة كل إرادة فيه للإقلاع صوب الآفاق التي تحملها وتحلم بها الأجيال المتوالية منذ استعادة البلد سيادته الجغرافية سنة 1962، وهي ثنائية السياسي المتسلط والمعرفي المهمَّش.

لا لنخب التصنيع الفكري والثوري

من هنا تنبغي الإشارة إلى أن نخب الرفض والنقد الثوري مدعوة أكثر من أي زمن مضى إلى معاودة تفتيش وتشريح التجربة الثورية العربية التي شهدها الربيع العربي، كونها الثورة الشعبية الوحيدة في تاريخ التجربة الوطنية، والتي لم تخرج لا من ثكنات ولا من مقار حزبية أو سراديب إيديولوجية، بل من شوارع مفعمة بالحيوية مليئة بالتناقضات على كل المستويات متنوعة المشارب ومتعددة الأفكار، لكنها متفقة على رفض الواقع ومتأملة لغد أفضل، فهي صناعة ثورية وطنية محلية عربية بامتياز، فهي غير مصنعة ولا مستوردة بأي صفة من الصفات ولا صيغة من الصيغ من الخارج، ومادامت الثورة كذلك فإنه ليظل بالجهة المقابلة على هاته النخب أن تضع عنها استثناء قوالبها الأكاديمية الجاهزة ومعرفتها النظرية الجامدة في الزمان والمكان وتشتغل داخل هذا الفضاء الزمكاني الثوري من أجل تفكيك بنى الأزمة القُطرية العربية المعقدة أو التي أريدها أن تلبس ذلك التعقيد.

هذا كله من أجل فتح خطاب نقدي جديد على صعيدي الفكر والسياسة يضعان الأمة على سكة التاريخ الموضوعية، ليمضي باتجاه حل لمشاكلها الواقعية والخاصة، فتنخرط بالتالي في الكونية المتصارعة اليوم ليس المتنافسة.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق