مدونات

التواضع.. بين إذلال النفس ورُقيّها خيط رفيع

كان في ما مضى، أحد معارفي مشهوراً بين الناس بشدة التواضع إلى حدّ طأطأة الرأس خنوعاً لمن يقف معه مسلّماً عليه، والقيام من مجلسه لإفساحه لمحدّثه وإن كان أصغر منه سنّاً، وموافقة آراء محدّثه حسنها وقبيحها.

وكان الناس في أمره مختلفون متفرّقون في أحكامهم عليه، فمنهم من يُعجبه فعله؛ فهو يعزوه إلى تواضعه العظيم المتأتّي من حُسن خلقه، ومنهم من يمجّه ويحتقر فعله عادّاً إيّاه من أفعال المتملّقين المتزلّفين إلى الناس بإراقة ماء وجوههم.

أمّا البعض الآخر منهم فعلى قسمين، في حُكميهما شيء من التشابه: قسم يتّهمه بالمراوغة والمخاتلة والنفاق لكسب ودّ الناس والحظوة عندهم، والقسم الآخر يرمونه بالوهن والاستنامة إلى التودّد الجالب للذلّ والمهانة للنفس ظنّاً منه أنّه بذلك يجُبّ أذى الناس عن نفسه ويقرّب إحسانهم منه.

ولا أخفي أنّي أميل في تفسير بواعثه لفعله إلى وهن في نفسه وسقوط همّة؛ فليس عندي من التواضع أن يحني الرجل رأسه خضوعاً لمن يسلّم عليه، ويقدّمه أمامه في كلّ مرّة يمشيان فيها معاً ويضيق الممرّ إلّا لأحدهما، إلّا اللّهم إذا كان المقدَّمُ أكبر سنّاً، فمن حُسن الخلق تقديمه، ومن شينه التقدّم عليه، وليس من التواضع المحمود بل هو من التذلّل المذموم المشنوع أن يُقرّ الرجل كلّ ما يقوله محدّثه إقرار العبيد دون أن يبدي رأياً أو معارضة لما لا يراه صواباً.

وليس من التواضع، بل من احتقار الذات أن يعتذر الرجل مراراً دون سب واضح، أو ذنب أو هفوة ألمّ بها في حقّ محادثه، إذا ما قاطع كلامه مثلاً، أو حدث أن تحدّث كلاهما في الوقت ذاته. نعم إنّه من التواضع الجميل المحمود في مثل هذه الحال أن يسكت فاسحاً المجال لمحادثه بأن يُدلي بكلامه في حال لم يكن ما أراد التفوّه به شديد الأهمّيّة لا سبيل إلى إرجائه ولو إلى هنيهة، لكن أن يعتذر ويتأسّف لأنّه همّ بالكلام وكاد أن يسبقه إليه ويقرّع نفسه أمامه طالباً عفوه، فما هذا إلّا الذلّ والصغار في النفس، وهو مذموم ممقوت.

فليس معنى أن لا تتعالى على أحد أن تضعه فوق قدرك، بل وفوق قدره بإنزاله منزلة لا يستحقّها، ولكن أن تضعه في مستواك وقدرك، فلا ترى نفسك أدنى منه ولا أعلى. وهذا ما ينبعث من سلامة النفس وصفاء الفكر. إلّا إذا كان محدّثك أو مصاحبك رجلاً يفوقك علماً، فلا جُناح عليك إن تأثّرت خطوات موسى النبيّ مع العبد الصالح الخضر وترسّمتها. فلك أن تأتمر بأمر رجل مثل هذا وتنتهي عن ما ينهاك عنه، وأن تقدّمه عليك. بل ولا بأس عليك في أن تعدّ له شايه بنفسك (إذا استساغت نفسك ذلك) توقيراً وتقديراً لعلمه: فالناس أموات وأهل العلم أحياء. ولا عجب في نزول الميّت على حكم الحيّ وانقياده له كما ينقاد المُسترّق لسيّده، إذا ما طمع في أن ينفحه الحيّ بنفحة من الحياة تخرجه من ظلمات الجهل إلى أنوار العلم، ومن ضعة الرقّ إلى رفعة الحريّة.

ولا يُعاب مثل هذا التواضع للضيف، فخدمة الضيف واجبة على مُضيّفه، ولا عار عليه في القيام على راحة ضيفه مادام ماكثاً في داره. وكذلك لا يُعاب على الرجل في تواضعه لأمّه وأبيه ولمن هم في مثل مقامهما ممّن هم في مثل سنّهما.

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

 
الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق