مدونات

التواصل الاجتماعي والتتفيه المجتمعي

أصبح ادمان الهواتف الذكية ومعها وسائل التواصل الاجتماعي مشهد مألوفاً في كل مكان، من الجميع صغارا وكبارا، تجد الواحد منا منكفئً على جهازه لا يكاد يرتفع بصره، فهي كما قربت البعيد وسهلت التواصل معه فلقد أبعدت القريب وصعبت من التواصل معه.

ولا يخفى على المتابع لوسائل التواصل الاجتماعي -خاصة في وطننا العربي- التأثير الكبير الذي أحدثته تلك الوسائل، تأثيرٌ كان على تماسٍ مباشر بنا وبخصوصياتنا، أصبحتْ مشاهدة خصوصيات الآخرين ودقائق حياتهم من الأمور المعتادة، حتى صارت كثرة المشاهدات وعدد الإعجابات هي الهدف الأسمى، شهرة مزيفة جعلت مريد الشهرة يأتي بأي عمل فقط ليظهر على “الترند” ضارباً بعرض الحائط كل القيم والمسلمات، ومع الأسف فقد نال التأثير الأكبر من الأطفال والمراهقين حتى أنك تسأل الواحد منهم ما هو هدفك في الحياة؟ ليرد عليك قائلاً: أن أصبح مشهوراً!، فنشأ جيل مضطرب البوصلة بنفسيةٍ هشةٍ وإدمان لا ينتهي على تلك الوسائل، وقد تكلم المفكر الأمريكي نيكولاس كار في كتابه السطحيون “The shallows” قائلا:” إن الإفراط في استخدام السوشل ميديا مرتبط بقلة الأفكار التي لها طابع تأملي عميق في حياتنا اليومية، فالسوشل ميديا تقلل اهتمامنا بمبادئنا وتجعلنا نهتم بصورتنا أمام الناس!”.

آثار جانبية عديدة رافقت ثورة وسائل التواصل كالاكتئاب وعدم الرضى، والعزلة السلبية، وملل قاتل يرافق الابتعاد عن تلك الوسائل ليحاول أن يتجاوز ملله فيعود كرة أخرى إلى جهازه باقياً في حلقة مفرغة، سبب ذلك أن الواحد لم يعد لديه شيء خارج عالمه الافتراضي فهو لم يعد لديه صداقات وعلاقات في العالم الواقعي ولم يطور أي هواية أو مهارة يشغل بها وقته. ومن تلك الآثار كذلك زيادة الميل إلى السرعة والاختصار في كل شيء أصبح الشائع مشاهدة فيديو من عشر ثواني أو منشور من كلمات قليلة فقط، صار من الصعب على أحدهم أن يقرأ مقالا طويلاً أو كتابا أو حتى أن يشاهد محاضرة تمتد إلى ساعة مثلاً.

ولكن التأثير الأكبر والأعظم من وجهة نظري هو تفشي التفاهة والسذاجة، وبالطبع فالسطحية والتفاهة كانت موجودة على امتداد التاريخ والجغرافيا لكن الذي حصل حالياً هو تضاعف وجودها مع وسائل التواصل وكثرة دعاتها الذين تبوؤوا منابر يجتمع إليهم فيها ملايين المتابعين وزد على ذلك قلة المنكرين والناصحين ليغيب عندها العمق وتسود السطحية، أضف إلى ذلك  اعتماد الناس على وسائل التواصل كمصدر رئيسي للمعرفة والثقافة -وهنا تكمن المشكلة-. فكانت المحصلة تسطيح للوعي وتسفيه للثوابت والقيم، لتكون الضحالة هي العنوان الرئيسي للمشهد. مشهد يتحول ببطء إلى أن تكون السطحية تشكل فيه رأياً عاماً، عندها سيكون كل شيء بلا قيمة لينحدر المجتمع إلى الهاوية، وأخشى أن أقول وبكل أسف إنه إذا استمر التدهور بهذا المعدل سيدق معه المسمار الأخير في نعش الجدية، ومعالي الأمور لنغرق بعدها في مستنقعات التفاهة.

يجب التصدي لهذي الظاهرة ومحاربة أسبابها، وتقديم البديل المؤصل، وربط الناس بالقيم العليا، تصدي يجب أن يبدأ من المنزل والمدرسة، وليعلم كل منا أنه على ثغرة تحتم عليه أن ينشر ثقافة النصح، ليهتم كل بنفسه أولا وبمحيطه ثانيا  لنعد إلى العلم والثقافة التي تقربنا من معالي الأمور وتبعدنا عن سفاسفها، لنجعل لنا وردا يوميا من القراءة الجادة المنهجية، ومتابعة المفيد وننتقي بعناية شديدة من نتابع على وسائل التواصل، ونقلل من استخدامها للحد الأدنى، انه إدمان والتعافي من الإدمان يحتاج إلى همة عالية وعزيمة كبيرة، لنكوّن معا شبكة لصد تلك الشوائب لنترقى بعدها في مدارج الوعي.

يبقى التفاؤل موجوداً، تفاؤل يجب إمداده بالوعي بالمشكلة أولا فمعرفة المشكلة هي أولا خطوات حلها، حل أعتقد أنه يكمن في التوعية بالسلبيات والتركيز على الإيجابيات، وأنا أقول كلما زادت التفاهة في مجتمع ما زادت سهولة انقياده وتغيير مفاهيمه وبعدها تغيير واقعه بلا أدنى إذن منه.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

عبدالله بن عبدالسلام الشهري

محب للمعرفة، اكتب ما أظن أنه يجب أن يُقرأ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى