مدونات

ظاهرة التنمر وانتهاك الكرامة

طالما يسعى الإنسان إلى الوصول إلى تحقيق قيمة باعتباره فردًا ضمن جماعة معينة، كما يسعى إلى تحقيق اكتفاء ذاتي لعيشه، فإذا كان كل هذا الصراع البشري وراء العيش، فلا يمكن أن يكون عيشًا بدون كرامة ما دام الإنسان يتميز بإنسانيته التي تبنى أساسًا على الكرامة والعقل، إضافة إلى مجموعة من القيم التي يمتاز بها الإنسان عن غيره من المخلوقات، فبالتالي لا يرضى أي منا أن يعيش بشكل محتقر أو أن يمارس عليه أي من التصرفات التي من شأنها أن تنتهك حقوقه أو كراماته.

إلا أن الظاهرة الاجتماعية التي تسمى بالتنمر تجسد كل أنواع انتهاك كرامة الغير المباشرة التي يمارسها المجتمع على الفرد، دون شعور منهم بمخلفات ذلك لمجموعة من الآثار السلبية على ذلك الشخص الذي يمارس عليه هذا التصرف السيء، إن التنمر باعتباره احتقارًا للآخر قد يكون بشكل مباشر أو دون ذلك، يعني قد يكون الذي يمارس التنمر على الآخرين يقصد بشكل مباشر، أن يحتقره عن طريق الاستهتار به والاستهزاء به، عن طريق التشويه بسمعته أو دون ذلك من التصرفات الشبيهة التي تجعله يكره ذلك المحيط.

كما يمكن أن يكون التنمر بشكل غير مباشر عن طريق جلسات الضحك والمرح، على سبيل المثال التي تقصد فيها جماعة معينة أن تمزح على حساب شخص ما، وتعتاد المزاح معه وتعتبره ضحيه لذلك على سبيل الفكاهة والمرح، إلا أن ذلك يخلف لديه بشكل غير مباشر ضغوطًا وآثارًا سلبية على المستوى النفسي، وهذا كله دون أن يشعر محيطه بذلك.

إن المشاكل التي يخلفها التنمر في غالب الأحيان تتعلق بجانب نفسيته، فيحس ذلك الشخص الذي يمارس عليه التنمر أنه شخص محتقر ولا منفعة له في المجتمع، وأن القيمة لا تعطى له كما يستحقها والتي يفترض أن تتمثل في الاحترام.

التنمر بشكل عام يجب أن يكون نقطة سوداء لدى المجتمع، إذ يجب على المجتمع إذًا أن يبتعد عن هذه التصرفات التي يمكن اعتبارها آفه ملعونة، قد تكون هي الأخرى ضمن الأسباب التي تزيد من حدة الأزمات النفسية لدى الآخرين، خاصة وأن جانب الشعور جانب خفي ومظلم لا نعلمه عند الآخرين، لذلك وجب مراعاته والانتباه إلى مشاعر الآخرين، حتى وإن كنا في مزاح على سبيل المثال، فلا يجب أن يتعدى هذا المزاح حدوده كي لا يصيب مشاعر الآخرين.

إن العدد المتزايد لحالات التنمر عبر أرجاء المجتمعات لا يكون إلا نتيجة للوعي الناقص لدى الأفراد الذين يمارسون هذه الآفات الرديئة، ومجددًا نعود إلى التربية باعتبارها المحور الذي يقوم بالتنشئة الاجتماعية، عبر ترسيخ مجموعة من القيم التي من شأنها أن تعيد الإنسان إلى صوابه، وتجعله يقدر مشاعر الآخرين كما يقدر مشاعره، كما تجعله يعرف تماماً حدوده، وعن كون الاحترام مبدأ من المبادئ الأساسية التي يستطيع الإنسان أن يحارب بها أشكال الاحتقار والعنصرية إن صح التعبير.

كما تعتبر المدرسة فضاءاً ضمن أهم الفضاءات التي ينشأ منها التنمر، لذلك وجب الوعي بهذه المسألة عبر الانتباه إلى مدارسنا.

إن المدرسة خلاصة القول سواء تعلق الأمر بالمدرسة أو بالمنزل أو بأي مكان، فإن المقصود الانتباه والتركيز لهذه المسألة.

مصطلح التنمر الذي لا يعرفه الكثير رغم أن الكل تقريبا قد يعيشه يومًا ما، وهذا ما يولد العنصرية ومجموعة من المشاكل التي تنصب في المجتمع، انطلاقاً من تصرفات قد تبدو بسيطة، إلا أنها تؤدي بنا إلى مشاكل لا تحمد عقباها.

لذلك وجب على الجميع أن يتحمل هذه المسؤولية، وذلك عبر الكف أولًا عن هذا التصرف، والمساهمة كذلك في الحد من هذا التصرف، وكذا التحسيس والتوعية بهذا الموضوع، خاصة بكونه لا يعرف كثيراً بقدر ما يعاش، كما وجب الذكر أن هذا التصرف يبدأ من الطفولة، لذلك فالانتباه لهذه الفئة أمر واجب كذلك.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

فؤاد المهدي

شاب صاعد باحث و مفكر في العلوم الإنسانية و في العلوم التقنية "التكنولوجيا " و العلوم التجريبية . مبادؤه الفكر الإسلامي و الإنفتاح على العالم و دراسة كل ما هو متعلق بالحياة لا سيما من الجانب النفسي و العاطفي و الإنساني ، وذلك باعتباره " الإنسان " ، ذاك الكائن الذي يفكر ويشك و يحس و يفهم و يتذكر و يريد ... إيماني بالإنسان يعني لي الإرتقاء بالإنسانية و كل ما يتعلق بها .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى