ثقافة و فنون

قصة نجيب محفوظ المجهولة

عندما يستخدم الأدب للانتقام..

تعود بداية نجيب محفوظ في عالم الكتابة و الأدب إلى مجلة الرسالة مطلع الثلاثينات من القرن الماضي، حيث كتابته للمقال والقصة القصيرة، وفي ميراثه الأدبي هناك الكثير من الأعمال الغير معروفة منها قصة التل الكبير التي نشرت في مجلة الرواية عام 1939. وتعد هذه القصة واحدة من قصص نجيب محفوظ القصيرة، وهي تسرد حكاية شاب عانى من البطالة، حتى استمرت معاناته هذه لمدة سبع سنوات فمنذ حصوله على شهادة البكالوريا وهو لا يعرف طريق غير طريق الملاهي الليلية والكباريهات حتى حصل على وظيفة كاتب بمأمورية الأوقاف بالتل الكبير.

تبدأ السطور الأولى من هذه القصة المجهولة بوصف حال البلدة؛ فنجد محفوظ يصف البلدة بالكآبة والفقر (كم هي كئيبة مقفرة بلدة التل الكبير!) وهي بداية تعطي انطباعًا مسبق للقارئ تجاه مسرح أحداث القصة، فالقادم بالتأكيد سيكون سيء لسوء المكان كما وصفه الكاتب. يكمل محفوظ على لسان بطل قصته وهو الشاب سالم صابر، هذا القاهري الوافد للعمل بمأمورية الأوقاف بالتل الكبير وصفه للبلدة (لا أظن أنها تطيب لإنسان إلا إذا كان من أبنائها الذين لم تقع أعينهم على غيرها من البلدان). يصف الكاتب البلدة بالمقفرة الخالية من مسرات وملذات الحياة التي ألفتها الشخصية، فمحفوظ أراد أن تكون هذه البلدة على نفس مستوى الترف والرفاهية الموجودة في القاهرة لذلك نجده في سرده يحاول أن يبرر هذا (ما كان أثقل وطأتها على سالم صابر الشاب المترف المدلل الذي عاش خمسة وعشرين عامًا  في القاهرة ذات الأنوار والمسرات والحدائق؛ وهو ما كان يرضى بهجر الملاهي وسباق الخيل وموائد القمار والصالات.. لولا أنه ذاق مر العطلة سبعة أعوام بعد حصوله على البكالوريا).

نجد محفوظ يحاول أن يعطي تعليلًا لوصفه هذا بخلو المدينة من مسرات القاهرة وملذاتها، فصابر اعتاد الضجيج وموائد القمار لكن مر البطالة هو ما دفعه دفعًا إلى التل الكبير، لكن هذا التعليل لا يتناسب مع تحامل محفوظ في وصفه للبلدة دون تعليل واضح فخلو البلدة من مسرات القاهرة لا يعني الكآبة!

يكمل سالم رحلته في التل الكبير وتبدأ أولى مشقاته في هذه البلدة المقفرة الخالية من متع القاهرة؛ كانت أولى هذه الأزمات التي واجهته هي الحصول على سُكنة في البلدة، فسكانها لا يسكنون الشباب الأعزب منازلهم (وعلى تفاهة البلدة تبين له لأول وهلة أن السكنى فيها من أشق الأمور) وقد أخذ وقتًا طويلًا حتى رحصل على رضا أحد أصحاب المنازل بأن أجر له منزله بعد أن أخذ عليه كافة العهود والمواثيق على حسن السير والاستقامة.

يستلم سالم عمله بعد أن استطاع الحصول على سكن وتبدأ رحلته الوظيفية من استلامه للعمل إلى نظرات زملائه، تلك النظرات المارقة، وكعادة الموظف الجديد فلابد لأعين زملائه بتفحصه سواء أقبل هذا أم لم يقبل. ولعل هذه النظرات هي ما جعلته يتحدث مع كاتب المأمورية الأول بلهجة محتدة دون معرفة سابقة به، يعتذر له بعد ذلك أحمد علوان كاتب المأمورية الأول عما بدر منه من إساءة لكن هذا الاعتذار قبله سالم بعين الاحتياط والحذر فالمعتاد في مثل هذه الحالات أن يفصل الموظف المتطاول على رئيسه في العمل لكن اعتذار أحمد علوان جعل سالم تنتابه حالة الشك والحذر. أخذ سالم يفكر فيما يدبر له من قبل الكاتب الأول لكن مع انتهاء العمل نسي سالم ما حدث له وبدأ في التعرف على البلدة (أحقا أن البلدة تتلخص في هذا الطريق الذي ينظم مركز البوليس ودار المطافي وبقالة فرج وبقالة مانولي.. أهذه البيوت على الجانبين التي تبدو في جدرانها الباهتة ونوافذها المتقاربة كالثكنات القديمة هي خير بيوت البلدة المهيأة خاصة لسكنى الموظفين! أحقًا أن أجمل مواضعها هو الموضع الذي تقوم به مقبرة الجنود الإنجليز الذين سقطوا في المعركة المشئومة التي انتهت باحتلال مصر؟).

يعتاد سالم البلدة لكنه اعتياد المغصوب حتى يتعرف على الخواجة مانولي صاحب دكان البقالة ومعه كان يقضي وقت فراغه في تجاذب الحديث معه، وفي إحدى جلساته مع مانولي تقع عينه على سيدة تتحدث مع مانولي بصوت رقيق وناعم، فيقع في شراكها وتصيبه سهام الأنس تلك التي فارقته منذ أن قدم للتل الكبير. يذهب للعمل مصدوع الرأس من ليلة أمس فيجد نظرات زملائه تخترقه وكأنهم على علم بما فعله ليلة أمس مع تلك السيدة صاحبة الملاءة السوداء الملفوفة على وسطها، يخبره زميل له بما يتهامس به زملاؤه عنه وما دار معه ليلة أمس ومع السيدة داخل منزله. يستدعيه المدير ليخبره بفعله المشين ليلة أمس ويخبره بأن إنكاره لن يجدي، يبدأ سالم في التساؤل كيف علم هؤلاء بما فعله مع تلك السيدة مع أنها خرجت في منتصف الليل ودخلت منزله من الباب الخلفي فكيف علم هؤلاء!

تنتهي القصة بتخيير أحمد علوان له بين تقديم طلب للعمل في إحدى محافظات الصعيد مكان شقيق أحمد علوان أو ترك الوظيفة، فيجبر سالم على تقديم طلب النقل وهو يتسائل هل يمكن أن يكون هذا من قبيل المصادفة، لتنتهي تساؤلاته بسبه للبلد وأهلها (بلد ملعون وأناس ملعونون).

التل الكبير بلد تعمد نجيب محفوظ إهانتها
في هذه القصة نجد أن محفوظ تحامل على التل الكبير و أهلها، القصة في مجملها تدور حول حياة الموظف في تلك الحقبة وما يدور بين الموظفين من ألاعيب، لكن هذا التناول كان محوره هو البلدة وأهلها، ففي بداية القصة كان الوصف الكئيب للبلدة ولأهلها فهي بلد لن تطيب إلا لأهلها دليل واضح على الرغبة في إظهار هذه المدينة بلا ملامح، وما يؤكد هذا هو طغيان الجانب الخبري والتقريري في لغة السرد عن الحوار، وربما أيضًا هزيمة الجيش المصري في التل الكبير وما تبع هذه الهزيمة من احتلال للقطر المصري وهو ما عبر عنه في جملة ( أحقا أن أجمل مواضعها هو الموضع الذي تقوم به مقبرة الجنود الإنجليز الذين سقطوا في المعركة المشئومة التي انتهت باحتلال مصر؟)

ولعل المأساة التي عانت منها مصر في ظل الاحتلال الإنجليزي هي من جعلت البعض يصب غضبه تجاه التل الكبير وأهلها وخاصة واختصار الخيانة التي تعرض لها جيش عرابي في التل الكبير وأهله، والحقيقة تنافي ذلك فالخيانة وقعت من قبل بعض الضباط وبعض الأعراب. وحتى لو وقع البعض في بئر الخيانة فهو ليس مبرر لتخوين كل سكان البلدة؛ فأهل التل الكبير قدم الكثير والكثير منهم التضحيات في معركة عرابي وبعد ذلك عقب احتلال الإنجليز لهم فكانت معسكرات الإنجليز تهاجم من فدائيين المدينة.

نجد أن في السياق الدرامي للأحداث كانت المدينة حاضرة هي وأهلها؛ ففي محاولة بطل القصة البحث عن منزل نجده يصف البلدة بالتفاهة (وعلى تفاهة البلدة تبين له لأول وهلة أن السكنى فيها من أشق الأمور ) فالكاتب كان بمقدوره وصف صعوبة الحصول على سكن دون التعرض للمدينة وهو ما يثبت أن هذا العمل الإبداعي ما هو إلا محاولة للتعبير عن المكبوت تجاه هذه البلدة معتقدًا أن مسئولية احتلال مصر يتحملها أهل التل الكبير هم ومدينتهم.

يحاول الكاتب إلحاق كل ما هو سيء بهذه البلدة فنجد واقعة السيدة اللعوب المتاجرة بعرضها وكيف أوقعت سالم في حبالها حتى ارتكب معها الرزيلة، وكيف أشار إلى هذه الحادثة بأنها مدبرة عندما علم مدير سالم والكاتب الأول بالمأمورية وهي محاولة تشبيه غير مباشرة للسكان بالمتاجرين في أعراضهم مقابل الحصول على مبتغاهم، ويتضح ذلك بوصفه البلدة بالملعونة هي وأهلها على لسان هذا الموظف.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

عمرو اللاهوني

كاتب صحفي ، باحث ماجستير في نقد الدراما التليفزيونية
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق