سياسة و تاريخ

التفسير الكوميدي للتاريخ!

قبل عامين قضيت ليلة طويلة في قراءة مقالات للكاتب والمؤرخ الراحل، صلاح عيسى، كان نشرها في جريدة القاهرة، عام 2003، وقت رئاسته لتحريرها، بعنوان “شخصيات لها العجب”، بلغ عددها 23 مقالاً، وكانت عن حياة وأدوار الضابط والسفير والوزير والمستشار برئاسة الجمهورية وقائد قوات الدفاع الشعبي وأمين عام منظمة المؤتمر الإسلامي ونائب رئيس الوزراء.. “الفريق”: “حسن التهامي”، وهي المقالات التي كان ينوي الكاتب الراحل إصدارها في كتاب بعنوان: “قُطب الرجال المُتجلي”، ولكنه رحل عن الدنيا قبل أن يُتم مراجعته وتحريره للنشر.

أعترف أنني تأثرت جداً بأسلوب صلاح عيسى في تلك المقالات وهو يعرض، بأسلوبه الساخر المعروف، لقصة حياة “التهامي” ودوره -أو أدواره-  في تاريخ مصر منذ منتصف الأربعينات وحتى نهاية السبعينات، حيث قمت بكتابة تعليق مُطوّل على تلك المقالات، لم يخلو هو الآخر من السخرية.

لكني، بيني وبين نفسي، اعتبرت ما كتبته قاصراً وغير دقيق من الناحية العلمية والتاريخية، لأنني لم أطلّع في وقتها على رواية التهامي الشخصية وتصوراته لحياته وما قام به من أدوار، وللأمانة أيضا لم أقم بأي مجهود في البحث عن شهادته تلك، ما عدا حلقة واحدة من مذكرات له كان نشرها في جريدة الأهرام نهاية السبعينات،ولم يكن فيها شيء يستحق التعليق أو المناقشة.

ثم حدث مساء أمس، 30 يونيو 2019، أن وجدت بالصدفة كتاباً صغيراً عنوانه: “حسن التهامي يفتح ملفاته.. من احتلال فلسطين إلى كامب ديفيد.. عبد الناصر.. السادات وسكين المخابرات الأمريكية”، وهو عبارة عن سلسلة حوارات أجراها معه الأستاذ محمد سعد العوضي، نائب رئيس تحرير مجلة أكتوبر المصرية وصدر على شكل كتاب (180 صفحة) عام 1998 عن دار ديوان للنشر والتوزيع.

ولم يكن من الممكن تفويت فرصة مثل هذه، وقضيت ساعات أقرأ الكتاب وفي تصوري أن الرجل سوف يقوم بالرد على كل ما أثير حوله وحول شخصيته من ادعاءات وأكاذيب وتهويلات، ولكن خاب ظني تماماً، وأكتشف أن كل ما قيل عنه كان هو مصدره، وتيقنت بعد قراءة الكتاب أن الأستاذ صلاح عيسى، ورغم سخريته الشديدة منه في مقالاته، كان رحيماً به، فالرجل، وبلسانه، كان أكثر سخرية و”كوميدية” بشكل لا يتصوره أحد وهو يروي ما قام به من أدوار سياسية و”وطنية” طوال عهدي عبد الناصر والسادات، وفي الحقيقة فإننا يمكن اعتبار حسن التهامي هو رائد ومؤسس مدرسة “التفسير الكوميدي للتاريخ”، وأن رجل مثل د. توفيق عكاشة وغيره، ليس إلاّمجرد تلميذ من تلاميذه، وهكذا عبر 180 صفحة، و18 فصلا في الكتاب المذكور يصول السيد التهامي ويجول بداية من عام 1940 حين تخرج في الكلية الحربية وحتى زيارة الرئيس السادات للقدس عام 1977.

عبد الناصر وفنجان القهوة باللبن

وبالطبع فإن حديثه كان عن نفسه ودوره و”رؤيته” للأحداث الكبرى التي عاشتها مصر في تلك الفترة، وهو لم يترك حدثا سياسيا أو عسكريا إلاّ وكان له دور ولو حتى بالنصيحة والمشورة التي كان جمال عبد الناصر والسادات يطلبانها منه باستمرار، ما عدا حدث واحد وهو ليلة قيام ثورة 23 يوليو، لأنه لم يكن موجودا في مصر وقتها، بل كان في باريس للمشاركة في بطولة للرماية، وكان معروفا عنه مهارته الفائقة في التصويب والتنشين، على أن ذلك لم يمنعه من أن يذكر أنه اعترض بشدة، على المبادئ الستة للثورة عندما عرضها عليه عبد الناصر، فلم تكن تلك القائمة، في رأيه، تساوي حجم التضحيات التي بذلها ورفاقه من أجل تحرير مصر، ولا ما كان يتمناه منذ أن بدأ كفاحه عام 1940، قبل عبد الناصر نفسه نشاطه السياسي والوطني بسنوات طويلة.

في تلك الليلة ثار التهامي وهاج وماج، بل إنه ترك غرفة الصالون لضيوفه وخرج، ولما ذكّره أحدهم بأنهم في بيته أمر بتحضير أكواب قهوة باللبن حتى يزيل التوتر الذي أحدثه، ولسنوات طويلة بعدها يصبح كوب القهوة باللبن هو كلمة السر التي يستخدمها عبد الناصر لتهدئة ثورة التهامي الدائمة عليه وعلى قراراته أو مواقفه السياسية، ففي كل مرة يثور التهامي ويحتد عليه يُسارع عبد الناصر في طلب ذلك الكوب السحري لتهدئة وامتصاص غضب صديقه.

أسرار كثيرة وخطيرة عاشها السيد حسن التهامي وكان شاهدا عليها، أو كان له الفضل في التنبيه وتوجيه عبد الناصر لها، من بينهما مثلا أنه هو من قام بمفاتحة الاتحاد السوفيتي في أمر إمداد مصر بالأسلحة، وكان قد تأكد له، بعد زيارة سرية قام بها لأمريكا أنها لن تمد مصر بما تريده، بل إنه في تلك الزيارة استطاع استدراج چنرال أمريكي في الحديث وعرف منه أن حكومته لن تستطيع اعتراض سفن الشحن الروسية في المياه الدولية وكان ذلك في مصلحة مصر بالطبع، ثم هو من فكر في بناء برج القاهرة، واستطاع بمجهوده أن يوفر الاعتمادات المالية للمشروع، نافيا أن يكون البرج قد تم بناءه بالثلاثة ملايين دولار الشهيرة التي قدمتها أمريكا رشوة لعبد الناصر (وإن كان ذلك لا يمنع أنه هو من استلم المبلغ من مايلز كوبلاند، مندوب الCIA في مصر، وقام بعدها ورقة ورقة واكتشف أنها ناقصة 20 دولارا) وأخطر من ذلك كان التهامي، وليس المهندس الشهير نعوم شعيب، من فكر في معالجة التربة الرخوة التي أُقيم عليها البرج، وقد اكتشف عندما زار اليابان بعد عشر سنوات أنهم يستخدمون فكرته في بناء مبانيهم (ولم يقل لنا لماذا لم يحاول تسجيل براءة اختراعه قبل أن يقوم اليابانيون بسرقته!).

ويلاحظ القارئ الذكي أن التهامي يغفل عن ذكر أي دور له في عدوان عام 1956، بل يقفز إلى ذكر دوره في توقيع ميثاق الضمان الجماعي، بين مصر وسوريا والأردن والسعودية، ليكون نواة لوحدة حقيقية بين الدول الأربعة، لكن عبد الناصر يأمره بالابتعاد عن ذلك الموضوع مما يتسبب في انهيار المشروع، وبعد قيام الوحدة المصرية السورية، والتي لم يكن له أي دور فيها، نجده يحذر صديقه مرارا وتكرارا من انهيارها الوشيك، وقد دعاه عبد الناصر للتدخل بحكمته في منع ذلك الانهيار وحاول بالفعل لكن بعض القوى والأفراد في دولة الوحدة عرقلوا جهوده.

بعدها كان قراره ترك مصر، ولم يتراجع عن قراره رغم أن عبد الناصر توسل إليه وترجاه كثيرا وطويلا، وهكذا ذهب مندوبا لمصر لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية وبعدها سفيرا في النمسا، ولقد حاول بكل إخلاص أن يضع مصر على طريق امتلاك السلاح النووي لكن عبد الناصر هو من قام باعتراض جهوده وقام بتصفية المشروع في مصر، بناءا على تفاهمات سرية بينه وبين أمريكا لم يعلم بها أحد سوى التهامي.

وبعد ما حدث في يونيو 1967، والتي هي في رأي التهامي، مؤامرة وخيانة كبرى من بعض المسؤولين الكبار في مصر، يضطر إلى العودة لمصر، بعد إلحاح (يكاد أن يكون بالدموع) من عبد الناصر، ويقوم بتعيينه مستشارا سياسيا له، لكن عبد الناصر لم يكن يستمع له ولا لنصائحه، حتى أنه، أي التهامي، أقسم ألا يرى وجه رئيسه إلا ميتا، وهو ما حدث بالفعل حيث توفي عبد الناصر دون أن يقابله قبلها لفترة طويلة، بل إنه ليلة وفاة عبد الناصر كان يقيم “جلسة روحية”، لبعض موظفي رئاسة الجمهورية ليلة ذكرى الإسراء والمعراج، كما اعتاد أن يفعل لسنوات، وعلى الرغم من أنهم أبلغوه بوفاة الرئيس إلا أنه لم يترك جلسته إلا بعد انتهائها.

التهامي والسادات: رحلة استعادة القدس

ربما واحد من أخطر أدوار حسن التهامي في حياته، هو دوره ليلة وفاة عبد الناصر، حيث تحدى كل المعترضين على تولية أنور السادات منصب سلفه الراحل، وكان هو من طلب من وزير العدل إحضار نسخة من الدستور المصري ليقرأ لهم المادة الخاصة بخلو منصب الرئيس، وهكذا تم تنصيب السادات رئيسا لمصر، وبالطبع لم ينس السادات له ذلك فكان أن اتخذه مستشارا  وصديقا مؤتمنا طول عهده.

يكشف التهامي في روايته عن واحد من أهم الاجتماعات السياسية في تاريخ مصر المعاصر، وكان بينه وبين السادات في بداية حكمه، وفيه قرر التهامي للسادات استراتيجيته العليا وسياساته لحكم مصر، وقد حددها في 3 نقاط: تحرير سيناء وإنهاء سيطرة الاتحاد السوفيتي على القرار المصري، وطرد الخبراء الروس من مصر، وانفتاح مصر على العالم، وهو ما حدث بالضبط بعد ذلك.

ولأن السادات يثق في صديقه ومستشاره ثقة مطلقة وعمياء فإنه أسند له مهمتين من أكثر المهام خطورة وحساسية: الأولى قيادته لقوات المقاومة الشعبية للدفاع عن مدينة السويس وقت الثغرة، والثانية اختياره مندوبا عنه للقاء سري مع “أعور بني إسرائيل”، موشي ديان، في المغرب، لبحث ترتيبات إقامة سلام عادل وشامل ودائم في الشرق الأوسط، ونتيجة لتلك اللقاءات (ثلاثة لقاءات بالعدد) اقتنع السادات بضرورة أن يجتمع مع مناحم بيجين، وقد اتجه تفكيره أن يكون الاجتماع سريا في نقطة على خط الحدود الدولية بين مصر وإسرائيل، لكن حسن التهامي، الذي يهمه سمعة ومكانة رئس مصر، رفض الفكرة تماما وبدلا منها اقترح (التهامي هو الذي اقترح) أن يذهب رئس مصر إلى القدس، وهو ما وافق عليه السادات، لكنه ولرفع الحرج عن نفسه وعن صديقه، ذكر في خطابه الشهير أن الفكرة خطرت له نتيجة مباحثاته مع شاوشيسكو في رومانيا وشاه إيران، وإن كان لم ينس، أي السادات، أن “يغمز” بعينه لصديقه ومستشاره المؤتمن، لحظة الإعلان عن نيته تلك وكأنه يقول له: “فاهمني انت يا أبو علي”، وابتسم التهامي له معلنا رضاه عن خطته.

قبل ذلك بعامين منح السادات صديقه رتبة الفريق الشرفية لدوره في حرب أكتوبر، فبجانب قيادته لقوات المقاومة الشعبية، كان هو من فكر في استخدام سلاح النفط في المعركة، وقام بإقناع الملك فيصل بخطته، وقام بتعيينه مستشارا له للشئون الدينية، وبعدها وافق على ترشحه أمينا عاما لمنظمة المؤتمر الإسلامي وفاز بالمنصب بالتزكية، وهناك قام بدوره المشهود والمعروف في عقد اتفاقيات السلام بين بنجلاديش والهند وأفغانستان مع باكستان، وكان هو الذي أقنع شاه إيران بسحب قواته من مضيق هرمز، وبذكائه ودهائه استطاع إنهاء الخلاف الإيراني العربي حول تسمية الخليج، فلم يعد فارسيا أو عربيا بل أصبح “الخليج الإسلامي”.

ولا ينسى التهامي بالطبع أن يذكرنا بخطته العبقرية لتحرير القدس الشريف، حيث اتفق مع الملك فيصل على قيادة مسيرة من 3 ملايين مسلم سيرا على الأقدام والتوجه للمدينة المقدسة، ولكن الخطة تم إجهاضها باغتيال الملك، وبعدها غير طريقة تفكيره واقتنع بتكرار خطة “صلاح الدين الأيوبي”، حيث يبدأ تحرير القدس بتحرير الأرض العربية أولا وتباعا، ثم في النهاية تعود الأرض لأصحابها العرب، ولم يكن يخالجه شك في أن “أنور السادات” هو “صلاح الدين” القرن العشرين، ولذلك وقف بجواره بكل قوة وساعده بكل إخلاص، وذهب في زيارته الشهيرة عام 1977.

وللأسف الشديد تنتهي رواية السيد حسن التهامي عند هذا الحد في ذلك الكتاب، ولكن إذا كان هناك من يهتم لمعرفة دوره أثناء مباحثات كامب ديفيد الشهيرة عليه مراجعة مقالات الكاتب والمؤرخ الراحل، صلاح عيسى، في جريدة القاهرة، وهي متاحة بلا مقابل على موقع أرشيف الصحافة المصرية التابع لمكتبة الإسكندرية على الإنترنت.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

طاهر عبد الرحمن

أقرأ التاريخ لأفهم المستقبل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق