علوم وصحة

التغييرات الدماغية المترافقة مع السير الثنائي

التغييرات الدماغية المترافقة مع السير الثنائي .. لوقت طويل ساد اعتقاد في الأوساط الأنثروبولوجية مفاده أن تطور الإنسان بدأ مع تنامي حجم المخ وتعقيده، فهم يرون أن الملكات العقلية الإنسانية هي التي تعرفنا كنوع عاقل متميز من ناحية التصنيف البيولوجي. لكن الاكتشافات الحفرية لأسلاف الإنسان من أشباه البشر تظهر أن التطور لم يبدأ من الأعلى (الدماغ) وإنما من الأسفل، أي بدأ من السير على القدمين.
فتظهر جماجم القردة الإفريقية التي عاشت منذ 4 ملايين سنة والتي تسمى بالأوسترالوبيسينات، أن حجم دماغها لا يتعدى 440 سم مكعب، أي أنه يزيد قليلا عن دماغ الشمبانزي المعاصر البالغ 400 سم مكعب. هناك أدلة على أن الأوسترالوبيتكس استخدموا أدوات بسيطة كذلك.
التغييرات الدماغية  .. وقد كان تشارلز دارون أول من قدم فكرة أن الأدوات هي سبب ونتيجة للسير على قدمين، الأمر الذي جعل اليدين حرتين. أما الحقيقة فإن هذه التغيرات السلوكية الهامة ترافقت مع تغيرات لا تقل أهمية في الدماغ.
يمكن الرد على أنصار المذهب العقلي (القائلين بأن التطور بدأ من الدماغ)  -التغييرات الدماغية – بأن الشرارة انطلقت من الأسفل. ﻓﺎﻟﺴﻴﺮ ﺍﻟﻤﻨﺘﺼﺐ ﺃﻃﻠﻖ ﺃﻳﺪﻳﻨﺎ ﻭﺳﻤﺢ ﺑﺎﺳﺘﺨﺪﺍﻣﻬﺎ ﻓﻲ ﻣﻬﺎﻡ ﺟﺪﻳﺪﺓ. واﻟﻴﺪ ﺗﻔﺴﺢ ﺍﻟﻤﺠﺎﻝ ﻟﻠﺘﻌﻘﻴﺪ ﺍﻟﺜﻘﺎﻓﻲ ﺇﺫ ﺗﺴﺘﺨﺪﻡ ﻓﻲ ﺣﺮﻛﺎﺕ ﺫﺍﺕ ﻃﺎﺑﻊ ﺍﺟﺘﻤﺎﻋﻲ ، ﻭﻋﻤﻠﻴﺔ التنظيف.
ﺇﺿﺎﻓﺔ ﻟﺤﻤﻞ ﺍﻷﻃﻔﺎﻝ ﻭﺟﻨﻲ ﺍﻟﺜﻤﺎﺭ ﻭﺍﻟﺘﻌﺒﻴﺮ، ﻭﺃﺧﻴﺮﺍ ﺗﺼﻨﻴﻊ ﺍﻷﺩﻭﺍﺕ . ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺘﻄﻮﺭﺍﺕ ﺍﻟﺘﺮﺍﻛﻤﻴﺔ ﺃﺩﺕ ﻟﻈﻬﻮﺭ إﻧﺴﺎﻥ هابيل ﺻﺎﻧﻊ ﺍﻷﺩﻭﺍﺕ (ﻫﻮﻣﻮﻫﺎﺑﻴﻠﺲ Homo Habilis). ﻣﺬ ﺫﺍﻙ ﺍﻟﺤﻴﻦ ﻇﻬﺮ ﺍﻟﺘﺨﺼﺺ ﺍﻟﻮﻇﻴﻔﻲ ﻟﻨﺼﻔﻲ ﺍﻟﻤﺦ. ﻭﺣﻠﺖ ﺍﻟﻴﺪ ﺍﻟﻤﻘﺘﺮﻧﺔ ﺑﺎﻟﺘﻘﻨﻴﺔ ﻣﺤﻞ ﺍﻷﺳﻨﺎﻥ ﻟﻺﻣﺴﺎﻙ ﺑﺎﻷﺷﻴﺎﺀ ﻭﻧﻘﻠﻬﺎ، وذﻟﻚ ﺃﺩﻯ ﻟﺼﻐﺮ ﻗﻨﺎﻉ ﺍﻟﻮﺟﻪ ﻭﺍﻟﻌﻀﻼﺕ ﻭﺗﻨﺎﻗﺺ ﺍﻟﻀﻐﻮﻁ ﺍﻟﻌﻀﻠﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺘﻌﺮﺽ ﻟﻬﺎ ﻗﺸﺮﺓ ﺍﻟﺠﻤﺠﻤﺔ .. ﻭﺳﻤﺢ ﺑﻨﻤﻮ ﻋﻘﻞ ﺃﻛﺒﺮ ﺣﺠﻤًﺎ.
التغييرات الدماغية .. ﺇﻥ ﺍﻟﺘﻄﻮﺭﺍﺕ ﺍﻟﻤﺘﺘﺎﻟﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺪﻋﻢ ﺑﻌﻀﻬﺎ ﺑﻌﻀﺎ ﺗﻨﺸﺊ ﺩﺍﺋﺮﺓ ﻭﺍﺳﻌﺔ، ﻓﻨﻼﺣﻆ ﺃﻥ ﺍﻟﻌﻘﻞ ﺍﻟﺒﺸﺮﻱ ﻗﺪ ﺗﺴﺎﺭﻉ ﻓﻲ ﻧﻤﻮﻩ ﻣﻨﺬ ﻇﻬﻮﺭ ﺍﻟﻬﻮﻣﻮﻫﺎﺑﻴﻠﺲ قبل مليوني سنة، ﺍﻟﺬﻱ ﺻﻨﻊ ﺍﻷﺩﻭﺍﺕ ﻭﺷﻜﻞ ﺟﻤﺎﻋﺎﺕ ﺍﻟﺼﻴﺎﺩﻳﻦ ﺍﻷﻭﻟﻰ ﻭﺭﺑﻤﺎ ﺍﻣﺘﻠﻚ ﻟﻐﺔ تواصل بسيطة. ﻭﻗﺪ ﺳﺎﻋﺪ ﺍﻟﻌﻘﻞ ﺍﻟﻤﺘﻨﺎﻣﻲ ﻋﻠﻰ ﺗﻘﻮﻳﺔ ﺍﻟﻘﺪﺭﺓ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺤﺮﻛﺔ ﻭﺍﺑﺘﻜﺎﺭ ﺍﻟﺘﻘﻨﻴﺎﺕ ﺍﻟﺜﻘﺎﻓﻴﺔ، وﺗﻮﺳﻴﻊ ﺇﺩﺭﺍك البشر ﻟﻠﺰﻣﺎﻥ ﻭﺍﻟﻔﻀﺎﺀ ﻣﺎ ﻣﻦ ﺷﺄﻧﻪ ﺗﻌﻘﻴﺪ ﺍﻟﺒﻴﺌﺎﺕ ﻭﺍﻟﺤﺎﺟﺔ ﻟﻤﻌﺎﻟﺠﺔ ﺣﺎﺳﻮﺑﻴﺔ ﺃﻛﻔﺄ ﻟﻠﻤﻌﻠﻮﻣﺎﺕ.
لم يظهر الدماغ الكبير في السجل الحفري سوى منذ بضعة مئات آلاف السنين. إذن، تنبؤنا المكتشفات الحفرية لأشباه البشر أنها ازدهرت بعد السير الثنائي لأربعة ملايين سنة دون تغير يذكر في حجم الدماغ. ما الذي حدث؟ بمقارنة القوالب الدماغية لتلك الأسلاف مع أدمغة الشمبانزي تبين أن نمو الأسلاف كان أبطأ، ما وفر فرصة أكبر للتعلم. فأطفال البشر يولدون مبكرًا، ما يمنحهم فسحة أكبر للتعلم وتلقي المكتسبات الثقافية.
التغييرات الدماغية  .. شيء آخر لا يقل أهمية فيما يتعلق بالتطور الدماغي. أحد هم التراكيب الدماغية هو الأخدود الهلالي. يفصل هذا الأخدود أجزاء المخ ذات العلاقة بالرؤية عن بقية القشرة العصبية، حيث تتم العمليات الفكرية المعقدة. هذا الأخدود ليس موجودا لدينا، فهل كان موجودًا لدى الأوسترالوبيتكس؟ الدراسات المفصلة التي قام بها عالم الأعصاب رالف هولوي من جامعة كولومبيا تبين أنه بينما كان أسلافنا المشابهون للقردة يتطورون، كان الأخدود الهلالي يتحرك للوراء مفسحًا المجال لقشرة عصبية أكبر. لو كان هذا صحيحًا فإن دماغ أسلافنا الذي يزيد قليلًا على دماغ الشمبانزي، كانت تتم إعادة توزيع سماته وتنظيمه عصبيًا منذ ذلك الحين.

Ali H. Sousou

باحث في الأنثروبولوجيا البيولوجية، ومهتم بالقضايا الإنسانية والفكرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى