مدونات

التعليم في الوطن العربي نظرة عن كثب

لاشك انه من بين المشاكل الشائكة التي يعاني منها الوطن العربي معضلة التعليم و تخلفه عن الركب مقارنة بالعديد من الدول الغربية، وتتخبط سياسات الحكومات المتعاقبة والوزراء المتعاقبين على ما يسمى بوزارة التربية والتعليم بتجريب برامج ومناهج جديدة والنزول بنظريات مختلفة قصد تطبيقها وتجريبها على التلاميذ وفرضها على الأطر التربوية ورغم كل ذلك يبقى التعليم ومستواه متخلفا في بلداننا لعدة أسباب منها ما هو جلي واضح ومنها ما هو مستتر، يجب الخوض فيه والبحث عن جذوره من طرف أصحاب الاختصاص.

الأسباب المكبلة لتطور التعليم في بلداننا العربية كثيرة، لكنني سأقتصر هنا على سببين اثنين أراهما مهمان جدا بل وحاسمان في الدفع بعجلة التعليم إلى الأمام ووضعها على السكة الصحيحة التي من شأنها أن تجعل هذا القطاع يلعب الدور الحقيقي في الرفع من مستوى دولنا. لو رجعنا بالتاريخ إلى الوراء قليلا و ألقينا نظرة على التعليم كيف كان، وكيف كان مستوى المتعلمين آنذاك سنفهم قليلا عما أتحدث، كانت معظم الأسر فقيرة أو من الطبقة المتوسطة في أحسن الأحوال ومع ذلك ضمنت لأبنائها تعليما جيدا مكنها من التربع على رأس مناصب حساسة ومهمة، والسر كان يمكن في الدعم الأسري و نظرة الأسر للتعليم والشخص المتعلم، فرغم النظريات والبيداغوجيات المطبقة آنذاك و التي تم تجاوزها حاليا كان التعليم يؤتي أكله، فلم تكن هناك مدارس خاصة، ولم تكن هناك وسائل تكنولوجيا باستطاعتها مساعدة المتعلم أو حتى تبسيط عمله، كان الطالب إذا أراد انجاز بحث ما وجب عليه اللجوء إلى العديد من الكتب والمراجع حتى يجب ضالته فيها بعكس وقتنا الحاضر فتكفي نقرة زر لتحصل على ما تريد و أكثر وكأنه السحر، لكن ومع ذلك فلم نتمكن من انجاب عقاد ولا محفوظ ولا زويل…

السر كما قلت يمكن في أن الأسرة ومن وراءها طبعا المجتمع كانت تمنح للمتعلم مكانة اعتبارية لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يحلم بها المتعلم في وقتنا الحاضر، مكانة ترفعه وترفع أسرته إلى القمة، كانت القرى والدير رغم عدم توفرها على أية مقومات للحياة تكابد فيها بعض الاسر لإرسال أولادها لإتمام دراستهم في المدن من أجل الحصول على الشهادة التعليمية، إيمانا منها بأنها السبيل إلى طريق المجد، وليس غريبا أن تجد معظم النوابغ العربية تنحدر من القرى والبوادي…

لكن للأسف ما نلاحظه في زمننا الحاضر العاثر أن القيمة التي كان يحظى بها المتعلم والتعليم تراجعت كثيرا وفقدت بريقها على حساب اعتبارات أخرى أهمها المال، فقيمة الفرد أصبحت في رصيده المالي وليست في رصيده المعرفي، بالإضافة إلى أن معظم الأسر فقدت أملها في تعليم بلدانها مادام يخرج معطلين عن العمل، فما جدوى أن يدرس المرء سنين عديدة ليجد نفسه قابعا في منزل والديه بدون عمل مثله مثل ذلك الشخص الذي لم يكمل تعليمه ؟ الدولة هي الأخرى تتحمل النصيب الأكبر في تخلف تعليمنا، فهي عوض أن تبحث عن الداء الحقيقي الذي ينخره تشيح بنظرها عنه و تولي وجهها صوب حلول لن تؤتي أكلها ولو بعد سنين، لأن المشكل لا يكمن فقط في المناهج وفي طرق التدريس بقدر ما يكمن في سياستها التي تفرخ جيوشا من المتعلمين بدون أن تضمن لهم مناصب عمل، ويكمن في عدم توعيتها الأسر بأهمية الشخص المتعلم، بل وتجد في بعض البلدان أنه ليس من مصلحتها أن يكون شبابها متعلمين لأن من شأن ذلك أن يجعلهم طيعين في أيدي الحكام يمكن توجيههم بأبسط الطرق، يكفي أن يكون لديك تعليم مهترئ و إعلام طبال يشحن رأس الناس صباح مساء بالأوهام عن الزعيم الهمام لتجد أمامك شعبا مطواعا يسهل اقتياده و الضحك عليه بأتفه الأمور، كما أن العديد من المناصب الحساسة أصبحت الان في يد من يملك المال لا في يد من يملك رؤية و تعليم…

حل مشكل التعليم يكمن في تغيير الحكومات لسياستها التعليمية وذلك بمنح الشباب المتخرج فرص عمل تحفظ كرامتهم و إنسانيتهم، وتكمن أيضا في توفير الظروف الملائمة لينتجوا بحوثا علمية و أعمالا أدبية ذات قيمة، يجب عليهم إعادة الاعتبار للمتعلم داخل المجتمع وأن يظل المثقف ذاك الشخص الذي يساهم في بناء وطنه بآرائه ونقده أحيانا لا أن تجر المثقف لأن يكون طبالا للحاكم فيزيد ذلك من احتقار المجتمع لهذا المثقف الذي لا يختلف فيه مع أي شخص لم يدخل المدرسة يطبل هو الاخر لكن لكل واحد منهم تطبيله.

يجب أن تعرف الحكومات بأن شبابا متعلما أفضل من شباب جاهل ،ففي جميع الأحوال يمكن محاورة الشباب المتعلم والجلوس معه على طاولة المفاوضات، في حين أن الجاهل لا يعرف سوى العنف سبيلا لتحقيق مطالبه، يجب أن تلعب الأسر أيضا دورها في تعليم أبنائها و حثهم على التحصيل العلمي عوض الخروج إلى الشوارع مبكرا للتسكع وقطع الطريق على الناس، فلن تجد في أي مكان في العالم أو تسمع بأن شخصا متعلما أصبح قاطع طريق، فالأسرة شريك أساسي في بناء صرح التعليم المتآكل في بلداننا ولا يعفيها أي ظرف كان من تحمل مسؤوليتها في هذا الشأن.

هي مطالب ليست بالكبيرة أو المستحيلة للنهوض بالتعليم في بلداننا نهمس بها في وجدان المسؤولين علها تجد قلوبا صاغية ولنا عودة لهذا الموضوع بإذن الله.

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

يونس كحال

إطار تربوي وكوتش مدرسي وكاتب من المغرب، سبق له الاشتغال في عدة مواقع الكترونية، يكتب حاليا في جرائد وطنية وعربية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق