منوعات

التعليم في السعودية بين واقع اليوم ورؤى المستقبل

أظهرت أحداث العامين الماضيين وما نزل بالعالم كله جراء جائجة كورونا استمرت لما يتجاوز العامين، أحدثت تغييرات جوهرية وثورة عارمة في طريقة التفكير والتعاطي مع دواعي هذه الأزمة، والتي طالت جميع القطاعات، وشملت جميع الميادين: تعليمية واقتصادية وسياسية وغيرها.

ولأنني أحد رجال التعليم، والمنتمين له مهنة وأداء، وظيفة ورسالة، فقد لاحظت الكم الهائل والقدر الضخم من ألوان التغير ومظاهر التغيير التي طالت قطاع التعليم كغيره من القطاعات كافة، لكنني أجزم أن التعليم من أكبر ما طاله هذا التغيير، ليس التغيير في الشكل والمظهر بقدر ما هو المحتوى والجوهر، فأصبحنا نرى ولأول مرة، منصات تعليمية رقمية، وقنوات إلكترونية متعددة تلبي احتياجات المجتمع، بل يصل الأمر إلى تدشين جامعات إلكترونية، تؤدي دورها بكامل طاقتها من خلال الواقع الافتراضي، والذي أصبح التعلم عن بعد واقعًا بعد أن كان خيالاً، حقيقة بعد أن كان مجازًا.

ومن الدول الرائدة، والتي كان لها قصب السبق في هذا هي المملكة العربية السعودية – عن قطاع التعليم أتحدث- حيث كانت من أول الدول التي تعاملت مع الحدث باستجابة عالية وتخطيط دقيق فاق كل التوقعات، ولعل هناك عدد من العوامل التي ساهمت وبشكل ملحوظ في نجاح وزارة التعليم في إدارة الأزمة بشكل متميز لم يسبق له مثيل، بل وفاق عددًا غير قليل من دول المنطقة والعالم بأسره.

البنية التحتية في المملكة العربية فيما يتعلق بشبكات الاتصالات والإنترنت كانت العامل الأبرز في توفير البديل الآمن والعاجل الذي يلبي احتياجات المجتمع من حيث استمرار تقديم الخدمات التعليمية لأبناء الوطن دونما أي تأثير سلبي على مسيرة التعليم ومواكبة النهضة.

بل جاءت هذه الأزمة لتكشف -وبوضوح- عن موقع أجهزة المملكة الإدارية في كافة القطاعات وتناغمها وانسجامها مع توجهات وسياسات القيادة الرشيدة وتبني رؤية 2030 والتي ترتكز على التحول الرقمي، فحدث – وبشكل مذهل – التكامل بين كافة القطاعات.

ولأن وزارة التعليم من أهم الوزارات، لا سيما وأنها ترتبط بمستقبل التنمية في أي دولة تسعى لأن يكون لها مكانة بين دول العالم المتقدم فقد أبهرت جميع المراقبين بمدى تميزها في إدارة هذه الأزمة، اتضح ذلك بكل جلاء في:

 التخطيط الاستباقي ورسم السياسات التعليمية التي تناسب متطلبات إدارة الأزمات.
 توفير القنوات والمنصات البديلة لتقديم التعليم، فكانت مدرستي وعين وغيرها على أروع ما يكون.
 المرونة الكاملة والكافية في التعامل مع مستجدات الأحداث، فلم نشهد في كثير من الأحيان أي تأثير يذكر يؤثر سلبًا على متطلبات واحتياجات الميدان التربوي والتعليمي.
 توافق ما قدمته الوزارة مع ما يتطلبه المجتمع، وما ينشده المستفيدون من الخدمة، وهو في الأساس الطالب وولي أمره.
 تقديم الدعم اللازم لكافة المستفيدين من طلاب وأولياء الأمور، وكافة الطواقم الإدارية والتعليمية، بما لم يحدث أي نوع من الفجوات بين الإدارة والميدان.
 الرؤية الواضحة في إدارة الأزمة، فالمحافظة على العنصر البشري، والذي هو رأس المال الحقيقي لهذا الوطن كانت هي الأولوية في إدارة الأزمة مع عدم إهمال تقديم الخدمة بشكل المطلوب.

بهذه المحاور وغيرها مما لا يتسع المقام لذكره، استطاعت وزارة التعليم العبور من هذه الأزمة بنجاح، بل وتقديم أنموذجٍ متميزٍ لإدارتها، لكنَّ هذا النجاح قد رفع سقف الطموح، وازدادت معه توقعات المجتمع، ولذا وجب على الوزارة مواكبة المستجدات، ودراسة توقعات المستقبل، ورسم الرؤى والتخطيط الجيد حتى يكون لها السبق لاحقًا كما تم لها سابقًا، وأرى أن المساحات الواسعة التي تتركها القيادة الرشيدة أمام مؤسسات الدولة، من الإبداع والانطلاق والتمكين وفق رؤيتها 2030 كفيلة أن نرى – على الأمد القريب – تعليمًا نوعيًا يضاهي في مخرجاته مخرجات دول العالم المتقدمة، ولعل مشاريع الوزارة في تطوير التعليم باعتماد نظام المسارات واستثمار منصات التعلم الرقمية من طلائع هذه النهضة المرتقبة، وفواتح لدولة عصرية متقدمة.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

محمد عزت مصطفى

الكوتش والخبير التربوي والمدرب المعتمد، ماجستير إدارة الأعمال، مؤلف عدة إصدارات: إضاءات تربوية في القرآن والسنة وأبجديات السعادة الزوجية
زر الذهاب إلى الأعلى