مدونات

التعايش

إذا كنا نتحدث عن التعايش فقولنا بأنه قيمة حسنة أمر بديهي، لكن دعونا نتحدث عن القضية التي لا زالت تشكل إشكالًا في هذه القيمة؛ وهي عدم التزام الكثيرين بالتعايش وتعصبهم لدرجة أننا نراهم في كثير من الأحيان يؤسسون لشجارات دامية و لخصومات دائمة.

فهل يمكن القول أن التعصب هو ضمن أهم المشاكل التي تؤدي إلى عدم التعايش بين الناس؟! وكيف يمكننا القول أن التربية لا تشكل سوى جزء من العوامل التي تؤثر في الجانب النفسي لدى الإنسان ليكون بذلك شخصًا متعصبًا يطغى عليه طابع الكراهية والعدوانية والأنانية وينعدم لديه الشعور بالآخر أو الاعتراف بالاختلاف!!

إن مشاكل التعصب تؤدي أساسًا إلى زرع التفرقة والتعدد، وزرع علاقة مبنية على العدوان و الصراع بين القبائل وبين المختلفين، فيصبح بذلك وجود الآخر بالنسبة للمتعصبين وجودًا غير ضروري، ولا تتجلى أهميته في أي شيء سوى الإزعاج والهيمنة ومحاولة جلب الآخرين للاعتراف أو لنيل الاعتراف منه، كما يقلص دائرة الانفتاح والوعي ولا يترك مجالًا للعلم والمنطق، ولا يعترف بالمنطق الإنساني لأنه يمثل ذلك الجانب الإنساني المبني على الاحترام والتآلف.

وما يشكل مشكلًا عويصًا هو ذلك التعصب الذي يستمر حتى في القرن الواحد والعشرين الذي يفترض فيه أن يكون ذلك الإنسان المواكب للتطورات التكنولوجية والذي غزا الفضاء ووصل إلى ما كان خيالًا سابقًا، فلا يفترض أن يكون متشبثًا بالقيم السلبية التي عفى عليها الزمان وأصبحت متجاوزة منذ عصر الجاهلية، لكن للأسف نراها تفرض نفسها اليوم وبقوة سواء في المجال المتعلق بالدين أو اللغات أو حتى في المجالات التي لا تتعلق إلا بالأشياء البسيطة ككرة القدم مثلًا.

ولعل أسباب هذا التعصب تتجلى في عدم الوعي الناتج عن عدم التفكير الذي ينبني أساسًا على منطق الوحدة والاتحاد ولا يعترف بتاتًا بما يسمى العنصرية لكونها تخلق مردودًا جد ضعيف من حيث الإنتاجات البشرية سواء تعلقت بالمجال المادي الملموس أو المجال المعنوي الاعتباري. إن التفكير يقودنا إلى الوعي بذاتنا كبشر، وإلى الإعتراف بالآخر كإنسان وليس إلا إنسان مثلي نتطابق ونختلف، نتطابق في كل ما يتعلق بالغريزة وما هو بيولوجي، ونختلف في أشياء مكتسبة بسيطة. وكما يقول العرب قديمًا أن الاختلاف لا يفسد في الود قضية. لكن هذا التفكير لا يأتي صدفة وإنما يجب أن يكون نتاجًا لمجموعة من المجهودات التي يشترط أن يقوم بها كل من المجتمع المدني ومؤسسات الدولة والجمعيات الحقوقية، وأن الكل عليه مسئولية في ذلك لكون كل إنسان مؤثر في المجتمع مهما اختلفت درجة تأثيره.

في مجتمعنا اليوم -وأفضل أن أقول كلمة مجتمع لما فيه من معنى التوحيد بين الأمم العربية وبين البشرية- نحن في حاجة للدخول إلى مرحلة جديدة والتي تتطلب إبداعًا كبيرًا وابتكارًا لطرق جديدة تؤثر في الجانب النفسي وفي الضمير لدى الإنسان؛ ليكون واعيًا بأهمية التعايش ليس فقط من خلال الكتابة ولكن من خلال إنشاء مواقع تبدو في ظاهرها كمسابقة أو لعبة لكن في جوهرها تأثير في الناس يجعلهم يستقبلون بشكل غير مباشر قيم التعايش والاتحاد والانتماء إلى روح البشرية السمحاء.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

فؤاد المهدي

شاب صاعد باحث و مفكر في العلوم الإنسانية و في العلوم التقنية "التكنولوجيا " و العلوم التجريبية . مبادؤه الفكر الإسلامي و الإنفتاح على العالم و دراسة كل ما هو متعلق بالحياة لا سيما من الجانب النفسي و العاطفي و الإنساني ، وذلك باعتباره " الإنسان " ، ذاك الكائن الذي يفكر ويشك و يحس و يفهم و يتذكر و يريد ... إيماني بالإنسان يعني لي الإرتقاء بالإنسانية و كل ما يتعلق بها .
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق