سياسة وتاريخ

التظاهر السلمي.. كسر لجدار الميز السلطوي

تخرج الشعوب العربية اليوم متظاهرة سلميا ضد أنظمة، ثبت في حقّها مفهوم ما نحته الحراك الجزائري في مفردة “العصابة”، التي تؤدّي سياسيا معنى نظام “الميز السلطوي” بما يعكسه على المستوى الرّمزي من صورة الجدار الفاصل بين حدود القهر القامعة وبؤر التحرّر المتمرّدة.

بعد انهيار جدار برلين عام 1989، استبشرت البشرية خيرا بانهيار جدار الخوف والانغلاق الإيديولوجي والشمولية المهيمنة على الأنفاس والأفكار، فنبت من جديد فرع أخضر للحرّية بعد أن سالت في طريقها ألوان حمراء كثيرة، انفرج الوضع الدولي باستتباب الأمر للديموقراطية الليبرالية واقتصاد السوق، وخرجت شعوب المنظومة الاشتراكية من سجون الأحادية إلى فضاءات التعددية الرّحبة، فلم تكن حينها الأحادية سوى سماع صوت الواحد من حناجر الجماهير الناطقة باسم سياساته الحكيمة ورؤاه الملهمة وزعاماته المنقذة.

انهيار الجدار والوضع العربي المستقر:

لم يخلّف انهيار جدار برلين بما أحدثه من هزّة قوية في الوعي الايديولوجي الشمولي أي أثر في الجغرافيا العربية السياسية، بل ازداد الوضع انهيارا وتحللا من الارتباطات الدولية القاضية باحترام حقوق الإنسان والعدالة في توزيع الثروة والمساواة أمام القانون.

لكن ما ميّز تلك الفترة هو انتفاضة أكتوبر الجزائرية التي أخرجت النّظام السياسي الجزائري حتى قبل ما حدث في شرق أوروبا من أحادية الحزب إلى تعدديته ضمن ما عرف بالمسار الدّيموقراطي، الذي أجهض في بداية 1992 بتدخل الجيش ودخول الجزائر في نفق الحرب الأهلية التي دمّرت تقريبا البنيات السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية، وخلّفت جرحا عميقا في جسد التحوّل الوطني نحو الحرّية.

استمرّ الوضع العربي المتهالك غير المتجاوب مع تطلعات الجماهير في العيش بكرامة إلى أن أطل “الرّبيع العربي” في 2011 بزهوره على العديد من البلدان العربية، والذي يرى المفكر عزمي بشارة بأنّ الشباب الذين خرجوا آنذاك، وحتى اليوم، لم يرفعوا شعارات حزبية، وهو الأمر الذي جعلهم يرتكزون على قناعات قيمية أخلاقية، في تونس ومصر واليمن وسوريا وليبيا، وصلت في النّهاية جميعها إلى الإخفاق، إلا تونس التي استمرت بتؤدة تكشف عن حنكة وتوافق وطني على إرساء قيم القبول بالآخر والعمل على تثمين حيادية المؤسسة العسكرية والأمنية ونشر فكرة الحوار كحل جذري لمعضلة الديكتاتورية.

الجدار والسير عكس اتجاه التاريخ:

لم يعد لفكرة الجدار العازل أي معنى سوى في واقع العالم العربي، الذي ربّما يكون جدار الميز العنصري الصّهيوني قد أثّر على الذهنيات، فأمعنت في فكرة الفصل بين الجماهير والسلط التي تحكمها.

لقد انهار مفهوم وواقع الجدار في ألمانيا، وأحيل كفكرة للحماية في الصين القديمة إلى سور لإظهار عظمة الأمّة في التاريخ، ويبدو أنّ الأنظمة العربية لم تمنح نفسها فرصة تأمّل التلاحم مع شعوبها لإنتاج أنظمة تقوم على الحرّية والعدالة والمساواة، فالجدران تمنع التلاقي والحوار والاستماع إلى الآخر.

لقد هدم النّظام السوري الوطن فوق رؤوس ساكنيه فقط ليرفع كرسيه فوق أدمغتهم، لأنّ العقل لا يجب أن يقع فوق الهوى، والحاكم العربي لا ينشغل بشيء قدر انشغاله بهواه وما تمليه عليه الرّغبات.

فالقوانين والدساتير مضافا إليها المواطن إنّما هي بقايا بالية عفا عليها الزّمن مقذوف بها في الشوارع، مهملة لأنّها لا تحقق حلم الحاكم العربي في السيطرة واستعباد خلق الله بعد أن حرّرته الشرائع والأعراف والقوانين.

لم يبال حاكم دمشق بتاريخية المكان ولا بجماليات التكوين والانبثاق الكامنة في تفاصيله والمعبّرة عن وجدان وعقل يمتحن من تجربة السوري العريق في التاريخ.

المجتمع المفتوح وشمولية الغلق

لا يمكن للسّجن أن ينتج إنسانا يلتفت إلى تجربته، لأنّ العقاب أصبح فكرة تلتحم تصوّرا وواقعا بفكرة التربية، لكن الأنظمة البوليسية القائمة على استيراد برامج التعذيب والقهر لا تعترف سوى بالتدجين الذي لا يحقّقه سوى كسر الإرادة في المعتقلات والسجون الرّهيبة التي لا تعترف بإنسانية الإنسان إلا بالقدر الذي يجعله يتنازل عنها ليرتدي ثوب إنسانية النّظام المصادرة للوعي والقامعة للمبادرة.

ولهذا كانت حملة التفتيش في السّجون المصرية أضحوكة العالم، لأنّ مفهوم السّجن لا يتعلق بما طالته مراقبة اللجنة، ولكن يتعلق أساسا بالزنزانة، ولأنّ الزنزانة لا تعكس سوى عمق نفسية الديكتاتور المظلمة، فهي لا يمكن أن توضع تحت مصادر الإضاءة، لأنّ ذلك سوف يكشف التناقض الرّهيب بين مفهوم المجتمع المفتوح، ونظرية الغلق الشمولية، التي لا تسمح سوى بانفتاح الطاغية على الدوائر الشاملة لأهل الثقة، وهي مهما كان عددها فإنّها ليست بمثل عدد باقي الشعب، وبالتالي فأهل الثقة القلّة يتحكمون في مصائر شعوب لا تريد أن تحكم بالعصا والهوى وجدران الفصل السلطوي.

صوت الشارع وصوت النّظام

ما معنى أن يقتل المواطن العربي وهو يتظاهر سلميا لأجل افتكاك حق له ضاع عند سلطة باغية؟

لقد تدرّب الديكتاتور على سماع صوته، ولهذا لا يستحمل أن يسمع صوت الجماهير.

صوت الجماهير يمثل النشاز في جوقة الطغيان، لأنّه العمق الجوهري لحركة التاريخ، والعودة إلى مسارات البدء الوجودي النقي كلّما حادت مواكب السلطة المهيمنة عن جادة طريق الرّشاد.

يمكن أن نبني الفرضية القوية في تأسيس الدول على حركة شعوبها وتطلعاتها المستمرة للخلق وليس على ردود أفعال الأنظمة وجاهزيتها للترقيع.

لا يمكن أن تهدأ الأمور في العراق ولا في لبنان ولا في الجزائر إلا عندما تنصاع الأنظمة فيها إلى صوت الشارع الذي تتداخل فيه حركة المارة والباعة والمؤسسات وفضاءات الروح بما يسطره العقل من لحظات تلجم فيها سطوة العاطفة، لا لكي يلغيها ولكن لتتوازن النوازع وتنسج سدى التاريخ المهيكل للمجتمع الرّشيد، فلحظة الثورة هي لحظة إبداع نمط مختلف للحياة لا يبدو فيه سوى الإنسان بما يمثله من قيمة ومبدأ.

الدولة المستقبلية و”الدولة العالقة”

لم يعد هناك من وقت ليستمرّ الحاكم بأمره في إملاء شروطه وترميم فجوات أخطائه في إدارة شؤون الدولة بمصادرة مستقبل الأجيال.

إمّا أنا أو الطوفان، لم تعد الحكاية التي تنطلي على الشعوب وتقبل بها مستكينة إلى ظل الحاكم الأبوي، إنّ جيل فضاءات التواصل الاجتماعي بما أوجد من ثقافة بديلة عوّضت ما درجت عليه أجيال كثيرة من إجادة إرخاء السّمع دون مقاطعة، يكون قد دقّ المسمار الأخير في نعش المشي في ظل الحائط طلبا للسلامة.

إنّ هذا الجيل الذي نشأ في خضم التحوّلات الكبرى والسريعة والمتلاحقة لأدوات التكنولوجيا والتحديث الرّهيب في بنيات الهياكل المادية والايديولوجية، لا يمكنه أن يطلق جسمه مرتخيا على كرسي التصفيق لصاحب السلطة قصد جلب رضاه، وهو لا يقنع من مظهره سوى بثياب خفيفة ورشيقة على المقاس، ليس كما أجداده الذين كانت تتهيّأ بهم المواكب وتتزيّن فقط لكي تصفّق، فكانت البدلة ووجاهة المظهر تعبيرا عن نفاق اجتماعي انسلّت منه الجماهير الشابّة الحداثية لتعبّر عن شيء وحيد وهو الخفّة والسرعة والمباشرة في التعبير عن الحدث أو ما تريده، وهو ما أربك حسابات الأنظمة الفاسدة، وهو ما سوف تتخلّص منه الدولة المستقبيلة التي استسلمت لعهود إلى ما أطلق عليه المفكر التونسي محمد الحدّاد “الدولة العالقة”، أي العالقة بين الدولة الطوباوية والدولة الحداثية،

لهذا لا يمكن تفسير خطر الموت الذي تواجهه الجماهير المتظاهرة في العراق وتقبل عليه سوى بانفراط عرى الميثاق التقليدي بين الشعوب المهادنة والأنظمة الطاغية، حيث كان يكفي الشعب أن يقبل بمنح الدولة التي كانت تقيم المهرجانات لتبرز عطاياها التي تعتبرها منّة منها وليست حقا للمواطن، فالسكن والوظيفة والعيش الكريم كلها أحلام صعبة التحقيق في ظل الدولة الشمولية التي لا تحقّق أفراح شعبها بتمكينه بأقل جهد للحصول على ضروريات الحياة، بل تسعى جاهدة إلى تعقيد كل مسلك يحقّق إنسانية الإنسان وهو يخوض رحلته الوجودية على وجه الحياة تحقيقا لأفراحها السّادية.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"
زر الذهاب إلى الأعلى