مدونات

التطور البيولوجي والمعنى

فرغت قبل قليل من قراءة نص مناظرة تجمع ثلاثة علماء في الأنثروبولوجيا والتطور  البيولوجي وقمت بتأمل وجهات النظر تلك مطولا، فجميعها مقنعة ويمكن دعمها نظريًا. إن العلماء ينظرون إلى الأمور بطريقة مختلفة عن عامة الناس. يمكن لشخص عادي أن يقول: “نعم أنا أصدق الرواية العلمية، فنحن كائنات عضوية نتجت عن العمليات التطورية العشوائية غير الهادفة”. ثم يتابع حياته بطريقة متناقضة مع هذا الإقرار، لأنه يرى المعنى في كل شيء وإن بشكل ضمني.
إن هذه القدرة على تفكيك البيئة ذهنيًا إلى مفردات رمزية، ودمجها سويًا وإعادة تشكيل العالم في عقولنا، هي خاصية فريدة رافقت ظهور التشريح البشري الحديث، أي منذ 100 ألف سنة تقريبًا. أي أن البحث عن معنى ما، قد يكون مبرمجًا وراثيًا في جيناتنا. لكن من الواضح أنه ليس بالإمكان إيجاد تفسير مقنع يقوم على مفردات التكيف بالانتقاء الطبيعي للوعي البشري، أي أن ظهور الذكاء البشري كان حدثا سريعًا ومفاجئًا في السجل التطوري، وليس تدرجيا. لكن ما هو التفسير المناسب لوعينا البشري؟ لا زالت هذه المسألة أعقد مسائل العلم. يمكن القول، بالنظر إلى ما نملك من معطيات، أن الخصائص العقلية البشرية كانت نتاجا للحوادث العشوائية (أي غير المترابطة). فلكي تستخدم سمة ما، يجب أن تكون متوفرة أساسًا.
لقد تم الحديث في الوسط العلمي طويلًا عن إعادة توظيف للهياكل البيولوجية الموجودة في استخدامات جديدة، أي بمعنى آخر، نحن نستخدم وسائل اكتسبت في سياق حاجات مختلفة، لتحقيق مقاصد جديدة. ولهذا الإقرار تبعات، إذ علينا أن نعتبر الرياضيات واللغة والموسيقى هي منتوج تطوري ثانوي. وكوننا نعرف أن الرياضيات حقيقية ولها مفعول واقعي، فمن المثير أننا قادرين على فهمه وتوظيفه لفهم الكون! وهنا نعود إلى البداية: هل كان ظهور ذكائنا حتميًا في عملية التطور؟ نحن لا نعرف إلا مسارا واحدا، وهو ما حصل بالفعل. لكن بالنظر إلى تتابع الأحداث، سنرى غمامة هائلة من العشوائية التي لعبت الدور الأكبر في التطور، فلو لم يمشي أحد القردة على قدمين، لما كنا سنناقش هذا الموضوع أساسا! وثمة قضية أخرى، وهي أننا أسرى نظامنا المعرفي، ولا يمكننا تخيل ذكاء آخر غير بشري.
وفي المقابل، يمكن دعم وجهة نظر مختلفة. مثلًا، إن أي ذكاء معقد يتطلب وجود عيونا للرؤية مثل عيوننا (نسميها عيون الكاميرا). ونحن نعلم أن العيون تطورت على الأقل في 6 مسارات مختلفة. الأمر نفسه مع الأجنحة. إذن يمكن إسقاط الحجة على الدماغ. لكي تمتلك وعيًا متقدمًا، ينبغي أن تمتلك شيئا مثل الدماغ البشري. ولكن هذا أيضًا حكم مسبق وتكهني. إن أقرب كائن إلينا، حسبما نعرف، هو انسان نياندرتال المنقرض. لقد امتلكوا أدمغة أكبر من أدمغتنا، ولكن من الواضح أنهم عالجوا المعلومات وفق خوارزميات طبيعية كانت لدى أجدادهم، بحيث يزداد مستوى الذكاء مع زيادة حجم الدماغ فحسب. وهذه الطريقة لن تمكنهم من فهم الرياضيات وامتلاك نظام إدراكي مجرد. ولكن هذا لا ينفي صدفوية اكتسابنا لهذه الخصائص.
أخيرا، هل يمكن العثور على معنى ضمن العمليات التطورية التي تستند إلى العشوائية إلى حد كبير؟ لا أعتقد أن هذا السؤال على صلة مباشرة في دراسة التطور. العمليات التطورية مفعمة بالعشوائية، الطفرات صدفوية، والأحداث البيئية الكبيرة والصغيرة تلعب دورًا هائلاً في غربلة الصفات الوراثية لدى النوع الأحيائي. لكن لو اتفقنا على أن ملكاتنا العقلية قد اكتسبت، بطريقة ما لا زلنا نجهل الكثير حولها، في سياق تاريخنا التطوري، فإن البحث عن مغزى وراء الظواهر ينطوي على أسس تطورية. إن دراسة ماضينا البيولوجي يمنحنا فهما أكبر لأنفسنا.
نحن كائنات تطورت داروينيا، لكنها أصبحت تعيش في عالم لاماركي (نسبة لعالم الطبيعة لامارك)، بحيث خلقنا عراقيل عديدة أمام أي تغير وراثي ذو أثر كبير، وأصبحت التغيرات الكبرى تسير وفق محددات ثقافية (بدلا من المحركات الجينية) قابلة للتوريث. إذا نحن كائنات ثقافية أيضا. ومن المذهل أننا كائنات تتألم من أجل كائنات أخرى، ولهذا بعد أخلاقي عميق ربما يكون منطبعًا في طبيعتنا. ومن الواضح أن لدينا قيمًا وأخلاقًا قبل أن نكتشف حقيقة التطور، لذلك فإن الإقرار بهذه الحقيقة لا يتعارض مع امتلاك رؤية ومعنى شخصيًا للحياة، وسوف يظل هذا الشعور شأن شخصي خارج حدود العلم.
جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

Ali H. Sousou

باحث في الأنثروبولوجيا البيولوجية، ومهتم بالقضايا الإنسانية والفكرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى