سياسة وتاريخ

التطبيع كنزع لـ«الفحولة» العربية!

ليس التأنيث في خطابات النقد، ومنها سياق نقد نظم التطبيع مما يخدش في قيمة الأنوثة البيولوجية في شيء، بقدر ما هو استعارة أداتية للطعن في الفحولة العربية للمطبعين العرب وفق الخلفية الثقافية والنفسية، ومركزية (الفحولة) فيها بوصفها نعتًا تعزيزياً لقيمة الرجولة وليس فقط للذكورة، إذ عادةً ما تنسب مبالغةً، حتى للمرأة الشجاعة بالقول إنها امرأة (فحلة) لكونها مكتفية بقدرتها الذاتية على الدفاع عن نفسها واستعدادها للتدافع مع الآخر خدمةً للقضية ونصرةً للمظلوم.

فما خلفية لجوء بعض النقاد والناقمين على التطبيع إلى مقاربة الظاهرة عبر نزع الفحولة من نظم التطبيع؟ وهل نحن إزاء توظيف أقصى وأقسى معاني الخيبة والهزيمة في أعماق ثقافتنا الشعبية الساخرة المتهكمة في خطابنا السياسي القومي؟ فهل استنفد الخطاب القديم مكنونه النقدي على صعيدي الوصف والتفكيك وصار بالتالي لزامًا النهل من معين قاع الثقافة التخاطبية الشعبية؟

هي جملة من الأسئلة فجرها فيديو للإعلامي اليمني المقيم ببريطانيا أسعد الشرعي، الذي هنأ فيه رئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو، بزيجاته المتتالية (مع المطبعين الإمارات العربية المتحدة، والبحرين، في انتظار السعودية قريبًا) رافضًا نقد البعض له لاستعماله كلمة (زواج) لأنه رأى فيه أدنى ما يمكن أن يتلفظ به بأدب لوصف وضاعة نظم التطبيع ولولا ما نعته بالحياء لعبر بما هو أندى وأنكى من ذلك.

طبعًا يتصل كلام أسعد الشرعي، بخصائص الشخصية والنفسية العربية التي لا تزال تحتفظ بالمعنى الفطري للشجاعة والإقدام وتمظهرها ماديًا، بالعلامة الذكورية وهي الفحولة، إذ بسقوطها أو انزياحها يختل نظام الدلالي الجنسي الذي يشكل بنية المجتمع وفق تراتبيته الوظيفية كما المعنوية، فالفحولة تنتقل هنا من وظيفتها الجنسية لتغدو علامة للسيادة، وهو ما يتلاشى في الغرب الذي لم تعد الفحولة فيه مركزية في كل منظوماته الثقافية والنفسية والإدارية، إذ استقلت بذاتها وأصبح بوسع الذكورة أن تكتفي بذاتها، وبالتالي تطعن في قيمتها وفق الوعي الفطري الأول بالنظام الدلالي للكينونة البشرية الذي لا نزال نعيشه كمجتمعات شرقية!

وعلى هذا الأساس غاص أسعد الشرعي في عمق الوعي الشعبي خارج أنساق ثقافة النخب المبنية على خطابات عقلانية لم يجدها في الخطاب كافية لنقض ما هي علاقة ضد الطبيعة (التطبيع) كما هي الشهوة الذكورية بين الرجال (سقوط الفحولة) ليستعير ما يمكن أن يعبر به عن موقفه الغاضب من سقوط الغيرة على الأرض والعرض من قبل نظم التطبيع.

في السياق هذا تحديدًا يتوجب الإشارة إلى أنه سبق وأن اعتبر الكاتب الغاني المناصر الأول لثورة التحرير الوطني بالجزائر، فرانز فانون، الطبيب النفساني اليساري الشهير، ظاهرة الاستعمار التي اجتاحت عالم الجنوب نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، بأنها سعي خفي وحثيث لنزع الفحولة من ضمير هذه الشعوب بما يمكنه من استباحة سيادتها وسلب خيراتها، وواضح هنا أن فرنس فانون ينطلق من هرمية الوعي الأول للبشرية باعتباره أساس البناء الجماعي لسوسيولوجيا الجماعات البشرية الذي يقوم على محورية دور ذكورة من خلال انتصابها (الفحولة) وتجليها كحامٍ للحياض والدرع الواقي والحافظ للتجمعات تلك.

بيد أن المشكل هنا في الوعي بالتاريخ عربيًا لا يكاد يستقيم لا على معطى الحاضر ولا المستقبل، بعد أن خسر الإنسان العربي الماضي في دلالته الرمزية والمادية معاً، فسقوط الفحولة التي كان السعي المضني للحفاظ عليها سبب الحياة أو الموت في وعي هذا العربي إلى درجة استحيائه ورفضه من أن ينعت باسم أمه دون لقب والده، إلى حد أن يستل سيفه ويضرب عنق من ينسبه لأمه، على مستوى السيادة الكبرى المجسدة في الأرض التي ظلت في ضميره ملازمة للعرض، دلالة على أزمة في بنية الشخصية العربية انتقلت إلى حقل السياسي لتستوطن وعيه ووعائه (مجال اشتغاله).

إذن لقد التقى أسعد الشرعي عبر خطابه النقدي المستعار من عمق الثقافة الشرقية في نعت التسليم بالسيادة مع المفكر والطبيب النفساني اليساري فرانز فانون، في توصيف ذلك الضياع “الفحولة”، وغاية ما في الموقفين هو أن التطبيع الذي هرولت إليه نظم الخليج مؤخرًا هو في رأي أسعد الشرعي “تنازل طوعي عن الفحولة، لنقل ديوثة”، في حين قرأها “فانون” بالقسرية والقهرية، حين اغتصب الاستعمار بالعنف والقوة مستعمراته.

وما يغيب عن فكر المطبعين نظمًا وشعوبًا حتى نخبًا أن هذا التطبيع ليس سوى حلة جديدة من حلل الاستعمار القديم، الذي يتوجب مواجهته بذات أدوات السابق أي عبر خطاب التصفية والاستئصال، حتى يحافظ النظام الدلالي للتاريخ على طبيعته وتستمر قيمة العدل والحرية كأساس مرجعي يعطي دومًا للإنسانية معناها وقيمتها الوجودية ولا علاقة للتطبيع مع ما يساق في خطابات السياسة والإعلام الاستعماريتين الصهيونيتين من ضرورة الاستجابة والتمشي مع تطور الجيوسياسة والتحول إلى نظام عالمي وشرق أوسطي جديد!

وعكس ما هو حاصل في وعي مجتمعات لم تتعامل مع الاستعمار تعاملًا مباشرًا وفق معطياته التاريخية تلك، بدا التطبيع بوصفه استمرار للنزعة الاستعمارية أكثر من مستحيل في مجتمعات عربية أخرى لا سيما في المغرب العربي، وخصوصًا في الجزائر، إذ يتذكر الجميع لقاء بوتفليقة مع إيهود باراك في جنازة الملك المغربي الراحل الحسن الثاني سنة 1999، أيامٌ فقط بعد اعتلائه منصب الرئاسة في الجزائر، والذي رام من خلاله كسر الطابو وجس نبض الشعب في مسألة التطبيع، وإذ به يجابه بموجة رفض شعبي قوي كانت أقوى من مفعول سحر زعامته وشعبيته إذ ذاك، فأدرك أن الجزائريين يعون الصهيونية بكونها استعمارًا ليس يختلف في شيء عن ذاك الذي عاشوا مراراته ومآسيه لمدة 132 سنة فتراجع عن التطبيع تحت ضغط هذا الوعي التاريخي الثقيل عن خطته.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق