مال وأعمال

التضخم الاقتصادي.. من المنظور النمساوي

رغم شيوع استخدام مصطلح التضخم بين الاقتصاديين واستخدامه بكثرة؛ فإنه لا يوجد اتفاق موحد بينهم على تعريف هذا المصطلح؛ فتارة يستخدم لوصف الارتفاع المفرط في المستوى العام للأسعار وارتفاع التكاليف، وتارة أخرى للإشارة إلى الإفراط في خلق الأرصدة النقدية وتضخم الدخل النقدي، مما يؤدي إلى انخفاض القوة الشرائية لعملة معينة. وعادة ما يستمر التضخم الاقتصادي لعدة سنوات مما يرهق الاقتصادات الوطنية، ويخلق العديد من الأزمات.

وهناك علاقة بين التضخم والانكماش Deflation والكساد Depression ترتبط بالدورة الاقتصادية. لذا فإننا أمام وجهات النظر هذه، وسنتعرف على واحدة من أهم الإسهامات في الفكر الاقتصادي الحديث، وهو التضخم من وجهة نظر المدرسة النمساوية.

نشأت المدرسة النمساوية في السبعينيات من القرن التاسع عشر، وتعود في أصولها إلى جامعة فيينا. إذ بدأت مع نشر كتاب “مبادئ علم الاقتصاد” لكارل منجر Carl Menger. وتتمسك بالفردية المنهجية، وترفض التدخل الحكومي، ونظرية كينز (نسبة للعالم الاقتصادي البريطاني جون مينارد كينز) وقدمت العديد من الإسهامات التي تستخدم في الدراسات الاقتصادية اليوم كتحليل المنفعة الحدية، الذي يعد أحد ركائز علم الاقتصاد اليوم، ومفاده أن البشر يختارون على أساس المنفعة الحدية التي تقدمها لهم الأشياء المختلفة (أي أنهم يشترون حسب الأولويات، ويتخلون عن أشياء أقل قيمة) ويمكننا هذا المبدأ من تفهم كيف يجري الناس صفقاتهم الاقتصادية وكيف تعمل الأسواق.

يرى النمساويون أن التضخم Inflation مضر للغاية؛ فخطر الخسارة يستفحل حين ترتكب الحكومات الأخطاء بشأن المال. من منظور النمساويين، فإن المال هو سلعة شأن غيره من السلع: فله معروض (عادةً ما يتحدد بواسطة السلطات الحكومية) وعليه طلب (تقدره الناس كوسيط ملائم لعقد التبادلات).

وإذا زادت الحكومة المعروض من النقود، تقل القيمة. ويطالب البائعون بالمزيد منه مقابل السلع التي يبيعونها؛ لهذا ترتفع أسعار المال. وهذه هي عملية التضخم الاقتصادي .

ويكون التضخم أمراً طيباً للمدينين، الذين يجدون أنفسهم يردون القروض بأموال لم تعد بالقيمة نفسها، وهو أمر سيء للمدخرين، وهذا ما يؤدي إلى حدوث خلل في توازن أسواق الإقراض وعمليات الإنتاج التي تعتمد عليها [1].

ولكن الأسوأ من ذلك هو أن الأسعار في فترات التضخم لا ترتفع على نحو فوري وموحد، فهي ترتفع أولاً في المواضع التي تذهب إليها الأموال الإضافية (مثل المشروعات الحكومية) ثم تنتشر إلى القطاعات الاقتصادية الأخرى، وهذا يشبه العسل الأسود المنسكب على المائدة. وهكذا تسحب الموارد في البداية إلى قطاع بعينه، ثم تنتقل إلى الآخر، محققة ازدهاراً وقتياً ومؤقتاً. لكن مع توزيع المال يخمد الانتعاش الاقتصادي، وتجد الشركات أن استثماراتها تضيع، وتكون النتيجة كساداً اقتصادياً حتمياً وواسع النطاق.

على سبيل المثال: كان الوضع في الأرجنتين كارثياً، في البداية جاءت حرب الفوكلاند مع بريطانيا، شنّها المجلس العسكري الحاكم، ثم جاء التضخم المفرط ليؤدي إلى تخفيض للعملة في سنتين. ويقول آلبرتو تي أليمان –كاتب صحفي ووزير المالية الأرجنتيني لمرتين سابقاً– في لقاء مع صحيفة أرجنتيشه تاجس تسايتونج، إنه وحسب تقديراته فإن بيزو سنة 1899 يساوي 10 تريليونات من بيزوهات سنة 1960، لكن بيزو سنة 1970 يساوي 100 مليار من بيزوهات سنة 1983. ويمكن القول أن التضخم المفرط جزء لا يتجزأ من السياسة الاقتصادية الأرجنتينية [2].

وكمثال آخر: ماحدث في تشيلي بين عامي 1973 – 1975 حيث بلغ معدل التضخم الشهري في شهر أبريل لعام 1974  حوالي 745% شهرياً. وقد ساعد الانقلاب والإطاحة بالرئيس الاشتراكي سلفادور اليندي Salvador Allende، على يد الجنرال أوجستو بينوشيه Augusto Pinochet في التغلب على المشكلة، وتم استبدال العملة، والقيام بإصلاحات اقتصادية، بمساعدة أبناء شيكاجو. والاقتصادي خوسيه بينييرا مهندس نظام التأمين ( للاستزادة انظر الرابط https://alphabeta.argaam.com/article/detail/28071).

ويؤمن الاقتصاديون النمساويون بأن التدخل الحكومي وأخطاء السياسة الاقتصادية مثل التضخم الاقتصادي تعيق عملية السوق بالغة التعقيد، وتأتي دائماً بنتائج سلبية وفاسدة. وإن نمط الانتعاش والكساد المميز لدورات الاقتصاد يرجع إلى الهيكل الإنتاجي غير المتوافق مع التفضيلات الفعلية للناس.

فتبدأ الدورة الاقتصادية بتحديد السلطات النقدية لأسعار فائدة منخفضة أكثر مما ينبغي. وهذا ما يشجع الشركات على الاقتراض والاستثمار في المصانع والمعدات الجديدة، وهو ما يحقق الانتعاش في قطاع الأعمال. ومع ذلك تثني أسعار الفائدة المنخفضة الناس عن الادخار، وفي النهاية يتعين على البنوك الحد من إقراضها. وهكذا تصير الاستثمارات التي كانت مربحة في ظل أسعار الفائدة المنخفضة غير مربحة الآن. مما يؤدي إلى إلغاء عمليات الإنتاج وإهدار الموارد الرأسمالية.

ويمكن التغلب على مشكلة التضخم بالعديد من الإجراءات, يبدو أن أهمها هو الأخذ بعين الاعتبار توقعات الناس لمسار الأسعار في المستقبل؛ ذلك أن هبوط الاسعار اليوم يمكن أن يصبح عاملاً مؤثراً حين يشكل الناس توقعاتهم لما هو قادم, إضافة لأن قدرة البنوك المركزية على تثبيت توقعات التضخم متوسطة الأجل على ركيزة التضخم المستهدف يمكن أن تساعد في تجنب التضخم المنخفض باهظ التكلفة https://www.imf.org/ar/News/Articles/2016/09/26/NA092716-Combating-Persistent-Disinflation.

ويبقى التضخم الاقتصادي مشكلة معقدة تواجه الكثير من الدول. المتقدم منها والنامي على حد السواء، وتتخذ هذه الدول العديد من الإجراءات لمواجهة هذه المشكلة، بمساعدة من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومراكز الأبحاث والدراسات الأكاديمية المعنية بالاقتصاد والسياسات المالية، لكن من وجهة نظر علماء “الاقتصاد السلوكي” الذي ساهم النمساويون في تأسيسه؛ فإن كل الأحداث الاقتصادية تنبع من قيم الأفراد المعنيين واختياراتهم وظروفهم في وقت الاختيار, لذلك لابد من تفهم عملية الاختيار هذه، فلو تمكنا من فهم كيف يختار البشر، فهذا هو علم الاقتصاد الحقيقي. فالفعل الاقتصادي يتضمن النظر إلى الخيارات المختلفة، كي نستطيع إيجاد حلول للأزمات الاقتصادية التي نواجهها.

 

المصادر والمراجع:

[1] باتلر، إيمون. المدرسة النمساوية في الاقتصاد (2013). مؤسسة هنداوي للنشر والتوزيع.

[2] بيندر، كلاوس. صناع النقود (2015). مؤسسة هنداوي للنشر والتوزيع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

Qusay Suso

باحث في الجغرافيا البشرية والاقتصادية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق